كشفت دراسة حديثة بعنوان “مساعدة الذكاء الاصطناعي تُقلل من المثابرة وتُضر بالأداء المستقل” عن جانب مظلم يتعلق بما يُسمى “التفريغ المعرفي”؛ وهو الميل التدريجي للعقل البشري نحو الكسل وفقدان القدرة على مواجهة التحديات الذهنية بشكل مستقل.
متابعات- الخبر اليمني :
تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي على خوارزميات تعلم تمنح المستخدم ما يتوقعه تماماً: إجابات فورية، واختصارات للمشكلات المعقدة، ودقة متناهية.
هذا التناغم يجعل المستخدم يشعر بأنه أكثر ذكاءً وأسرع أداءً، ومع ذلك، تشير التجارب التي أُجريت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى أن هذه الكفاءة ليست سوى “استعارة” لقدرات الآلة؛ فبمجرد إزالة المساعد الرقمي، ينهار الأداء البشري بشكل لافت، وتظهر فجوة معرفية لم تكن موجودة من قبل.
من أكثر النتائج إثارة للقلق في الدراسة هي السرعة التي يتأثر بها الدماغ؛ حيث أظهرت التجارب أن عشر دقائق فقط من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في حل مسائل رياضية أو فهم نصوص معقدة كانت كافية لإحداث تراجع ملحوظ في الأداء المستقل.
لم يقتصر الأمر على زيادة معدل الخطأ فحسب، بل رصد الباحثون تآكلاً في “سمة المثابرة”؛ حيث أصبح المشاركون يميلون للاستسلام السريع أو تجاوز الأسئلة الصعبة، وهو ما يعكس انخفاضاً ليس فقط في القدرة، بل في الرغبة الأصيلة في بذل الجهد الذهني.
يُحذر الباحث “راشيت دوبي” من أن الاستخدام المفرط لبرامج الدردشة الآلية يُنمي لدى الإنسان نوعاً من “نفاد الصبر الرقمي”. فعندما يصبح الوصول إلى المعلومة سهلاً ومجانياً من حيث الجهد، يبدأ الدماغ في اعتبار التفكير العميق والبحث عن الحلول مجهوداً غير ضروري.
هذا المسار قد يؤدي بالبشرية إلى فقدان مهارات حيوية، مثل القدرة على التحليل المستقل، واهتزاز ثقة الفرد في إمكانياته دون “عكاز” رقمي، وصولاً إلى تراجع الزخم الإبداعي الذي يتطلب عادةً صبراً ومحاولات متكررة.
رغم أن هذه الدراسة لا تزال بانتظار مراجعة الأقران، إلا أنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول ضرورة “الاستخدام الواعي” للتكنولوجيا. إن التركيز العالمي اليوم ينصبُّ على ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله لنا، بينما يجب أن يبدأ الانتباه الجاد إلى ما قد يسلبه منا.
إن الحفاظ على جودة التفكير البشري في ظل سيطرة الآلات يتطلب منا تدريب “عضلاتنا الذهنية” باستمرار، والحرص على أن يظل الذكاء الاصطناعي شريكاً مساعداً، لا بديلاً مستبداً عن عقولنا.


