أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن الجمهورية الإسلامية، عبر إدارتها لمضيق هرمز، قادرة على رسم “مستقبل بلا تدخل أميركي” لإيران وجيرانها. التصريح، الذي صدر تزامناً مع “اليوم الوطني للخليج الفارسي”، يعكس تحولاً استراتيجياً في الطريقة التي تتعامل بها طهران مع ملف الأمن المائي.
طهران- الخبر اليمني:
مؤخرا أصبح مضيق هرمز الذي يمر عبره ثلث النفط البحري العالمي، أداة بيد طهران وهي من تقرر من يعبر ومن يُمنع. حديث قاليباف عن “مستقبل بلا أمريكا” تجسيد فعلي لتوجه إيراني بدأ منذ إعادة إغلاق الممر مطلع الشهر الجاري، والسماح للسفن التجارية بالعبور فقط بموجب تراخيص إيرانية ورسوم محددة، بينما ظلت السفن الحربية الأمريكية والإسرائيلية محظورة. ومع استمرار واشنطن في وصف الإجراء بـ”القرصنة”، تواصل طهران تطبيقه على الأرض، مؤكدة أن “أمن الخليج لا يباع ولا يشترى، ولا يمكن فرضه من خلف المحيطات”.
في السياق نفسه، استخدم المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي المناسبة لضرب رسالتين في آن: رسالة داخلية تثبت أن إيران لن تتهاون عن هويتها ومفرداتها الجغرافية، ورسالة خارجية مفادها أن “الضوضاء الإعلامية” الأمريكية والعربية لن تغير حقيقة أن هذه المسطح المائي كان وسيبقى “الخليج الفارسي”.
تصريح بقائي بأن “الأسماء لا يمكن محوها من ذاكرة العالم” هو رد مباشر على محاولات بعض الدول الخليجية والعربية – وعلى رأسها السعودية والإمارات – فرض تسميات بديلة في الوثائق والخرائط الدولية، مستغلة ضعف بعض الأنظمة العربية وسياسات التطبيع.
ما يفعله قاليباف وبقائي معاً هو تقديم صيغة جديدة للعلاقة بين إيران ودول الجوار: إما القبول بالدور الإيراني في إدارة الأمن البحري والخضوع للمعايير التي تضعها طهران، أو الاستمرار في استدعاء القوات الأمريكية التي أثبتت فشلها في حماية مصالح حلفائها، كما حدث خلال الحرب الأخيرة عندما تخلى البنتاغون عن ردع الصواريخ الإيرانية وترك القواعد الخليجية مكشوفة.
اللافت أن الخطاب الإيراني حول مضيق هرمز يشير إلى أن طهران نجحت إلى حد كبير في تحويل نقطة ضعفها الجيوسياسية – أي موقعها المطل على الممر الأكثر ازدحاماً – إلى ورقة ضغط دائمة تمنحها نفوذاً إقليمياً لا توفره حتى ترسانتها الصاروخية.
تقدم إيران اليوم نموذجاً عملياً بأن السيطرة على الجغرافيا قد تكون أجدى من امتلاك أسلحة الردع البعيدة. فبينما تنفق دول الخليج ملياراتها لشراء بطاريات “باتريوت” و”ثاد” غير المجدية، تفرض طهران واقعاً جديداً على الأرض: إما احترام دورها كحارس للمضيق، أو دفع ثمن باهظ للعبور. وفي ظل إصرار واشنطن على رعاية التطبيع، يبدو أن طهران اختارت طريقاً آخر: التفاهم مع جيرانها على حساب واشنطن، أو مواجهتهم بعزلة وتكاليف باهضة إذا فضلوا الارتهان للأمريكي.


