| د. حامد أبو العز
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تكون القوة دائما في عدد السفن المنتشرة في البحار، ولا في حجم العقوبات المعلنة على شاشات الأخبار، بل في قدرة الشعوب والدول على التكيف والصمود وإعادة بناء توازنها وسط العواصف. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران بوصفه محاولة جديدة لإخفاء خسارة سياسية واستراتيجية في الحرب على طهران عبر اللجوء إلى أدوات الضغط الاقتصادي والمعيشي، في استهداف مباشر للشعب الإيراني وحاجاته الأساسية، أكثر مما هو استهداف لقدرات الدولة العسكرية نفسها.
فالولايات المتحدة، حين تعجز عن تحقيق أهدافها عبر المواجهة المباشرة، تميل إلى نقل المعركة إلى ميدان آخر هو ميدان الاقتصاد، والغذاء، والدواء، وسلاسل الإمداد. وهنا يظهر الحصار البحري كوسيلة ضغط تبدو في ظاهرها أداة سياسية، لكنها في جوهرها تحمل طابعا عقابيا جماعيا. فحين يجري تعطيل الموانئ ومنع تدفق السلع الأساسية والأدوية، فإن الرسالة لا تعود موجهة فقط إلى النظام السياسي، بل إلى المجتمع بأسره، في محاولة لإرهاقه وإضعاف تماسكه الداخلي. غير أن مثل هذه السياسة، مهما بلغت شدتها، تكشف أيضا عن مأزق حقيقي. إذ إن الدولة التي تلجأ إلى محاصرة شعب كامل، تبدو وكأنها تبحث عن تعويض عجزها عن فرض إرادتها بوسائل أخرى غير إنسانية.
لكن هذا الحصار، رغم خطورته، يحمل في داخله عناصر فشله. فإيران ليست دولة معزولة جغرافيا يمكن إغلاقها من جهة واحدة أو خنقها عبر منفذ بحري واحد. إنها دولة تمتلك موقعا استراتيجيا فريدا، وتجاور خمس عشرة دولة بحدود برية وبحرية، ما يمنحها مجالا واسعا للمناورة وإعادة توزيع قنوات التجارة والاستيراد. وهذه الحقيقة الجغرافية ليست تفصيلا هامشيا، بل هي عنصر حاسم في فهم محدودية أي حصار يراد له أن يكون شاملا. فحين تتعدد المنافذ، تتعدد البدائل، وحين تتوفر شبكة واسعة من الجوار، يصبح الرهان على العزل الكامل رهانا أقرب إلى الوهم منه إلى السياسة الواقعية.
وقد أظهرت إيران بالفعل قدرة عملية على تبديل مسارات الاستيراد والانتقال إلى طرق بديلة، بما يعكس مرونة في التعامل مع الضغوط الخارجية. وهذه القدرة لا تنبع فقط من الحاجة، بل من تراكم خبرة طويلة في مواجهة العقوبات والحصار والضغوط الغربية. لقد دفعت تلك الضغوط إيران، على مدى سنوات، إلى تطوير آليات التفاف وتكيف، وإلى بناء شبكات تجارية ولوجستية أكثر تعقيدا ومرونة. ومن هنا، فإن الحصار الذي صُمم ليكون أداة خنق، يتحول تدريجيا إلى عامل تسريع لعملية إعادة التموضع الاقتصادي، وربما إلى دافع إضافي لتعميق الاستقلال النسبي عن المنظومات التي تحاول واشنطن التحكم بها.
ويضاف إلى ذلك عامل داخلي بالغ الأهمية، يتمثل في أن جزءا كبيرا من السلع الأساسية والإنتاج الحيوي يصنع داخل إيران نفسها. هذه الحقيقة تمنح الاقتصاد الإيراني قدرة على امتصاص الصدمات أكبر مما يتخيله خصومه. صحيح أن الضغوط الاقتصادية تترك آثارها الثقيلة، ولا يمكن التقليل من تحدياتها، إلا أن وجود قاعدة إنتاج محلية واسعة يقلل من فاعلية الحصار ويحد من قدرته على تحقيق الغاية المرجوة منه. بل إن مثل هذه الضغوط قد تدفع إلى مزيد من الاعتماد على الذات، وإلى تنشيط القطاعات الوطنية، وإلى تحويل التهديد الخارجي إلى حافز داخلي لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن محدودية فعالية الحصار لا تعني التقليل من خطورته القانونية والأخلاقية. فما تقوم به الولايات المتحدة ينتهك جميع مبادئ القانون الدولي، بل يبدو انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يفترض أن يحمي سيادة الدول وحرية الملاحة وحق الشعوب في الوصول إلى الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. إن استخدام القوة الاقتصادية والبحرية بهذا الشكل يطرح أسئلة جوهرية حول مشروعية تحويل البحر إلى أداة ابتزاز سياسي، وحول مدى احترام النظام الدولي نفسه للقواعد التي يدّعي الدفاع عنها.
ولهذا، فإن وصف ما يجري بأنه قرصنة بحرية ليس مجرد تعبير بلاغي، بل توصيف سياسي وأخلاقي يعكس طبيعة السلوك القائم على اعتراض التدفقات التجارية وتعطيل الملاحة وفرض الإرادة بالقوة خارج الأطر القانونية المتفق عليها دوليا. والخطر هنا لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد إلى مبدأ أمن الملاحة العالمية نفسه. فإذا بات من المقبول أن تستخدم الممرات البحرية وسيلة ضغط أحادية، فإن العالم كله يصبح أمام سابقة خطيرة تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والتوترات في البحار الدولية.
ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يظهر التباين بين الموقف الأمريكي والموقف الأوروبي. فأوروبا لا تجد في هذا الحصار مصلحة حقيقية، لأنها تدرك أن فعاليته محدودة، وأن كلفته السياسية والاقتصادية أكبر من نتائجه. كما أنها تعلم أن التصعيد في منطقة حساسة كمنطقة الخليج لا يهدد إيران وحدها، بل يهدد إمدادات الطاقة، واستقرار الأسواق، والمصالح الأوروبية ذاتها. ومن هنا يمكن فهم عدم الحماسة الأوروبية للتعاون مع هذا المسار، بل وإدراك أن الإصرار الأمريكي عليه قد يوسع الفجوة بين ضفتي الأطلسي ويفتح الباب أمام شرخ أعمق في المستقبل بشأن إدارة الأزمات الدولية وحدود المغامرة الأمريكية.
والأخطر من ذلك أن الحصار البحري، وإن قُدم على أنه أداة ضغط محسوبة، يحمل في طياته احتمالات انفجار واسع. فمثل هذه الأدوات ليست معادلات جامدة يمكن التحكم بها دائما، بل هي بيئات مشحونة بالتوتر، يكفي فيها خطأ واحد في الحسابات أو حادث محدود أو قراءة خاطئة للنوايا كي تنزلق الأمور إلى مواجهة شاملة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى. فالوسيلة التي صممت للضغط ومنع الحرب، قد تصبح نفسها الشرارة التي تعيد إشعالها. وهذا ما يجعل الحصار البحري ليس فقط إجراء عدائيا، بل أيضا مقامرة خطيرة بالأمن الإقليمي والدولي.
أما على الصعيد الاقتصادي العالمي، فإن نتائج هذا الحصار لا ترتد على إيران وحدها، بل تصيب الولايات المتحدة والعالم بأسره. فاضطراب الملاحة وارتفاع التوتر في مناطق إنتاج ونقل الطاقة يؤديان بطبيعة الحال إلى قفزات في أسعار النفط، وهذه القفزات لا تبقى محصورة في بورصات الطاقة، بل تنتقل مباشرة إلى أسعار الوقود والشحن والإنتاج والتوزيع، ومن ثم إلى حياة الناس اليومية في مختلف البلدان وفي أمريكا نفسها التي بدأت أصوات الاحتجاجات الشعبية ترتفع فيها. وهكذا يتحول الحصار من وسيلة ضغط على خصم سياسي إلى عامل يفاقم الضغوط داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه، ويرفع كلفة الوقود على المستهلك الأمريكي، ويدفع موجات تضخمية جديدة عبر الاقتصاد العالمي.
وفي هذا المعنى، يبدو الحصار وكأنه سلاح يرتد على مطلقه. فبدلا من أن يعزز موقع الولايات المتحدة، يزيد من أعبائها ويكشف حدود قدرتها على إدارة الأزمات المعقدة دون أن تدفع هي نفسها ثمنا مباشرا. كما أنه يضيف قدرا جديدا من الاضطراب إلى عالم يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وتوترات في سلاسل التوريد وأسعار الطاقة والغذاء. ومن ثم، فإن هذا الخيار لا يبدو تعبيرا عن قوة استراتيجية واثقة، بقدر ما يبدو تعبيرا عن ارتباك سياسي يحاول تعويض الإخفاق بمزيد من التصعيد.
في النهاية، تكشف هذه الأزمة أن الحصار، مهما اشتد، لا يكفي لكسر دولة تمتلك عمقا جغرافيا، وقدرة على التكيف، وقاعدة إنتاجية داخلية، وإرادة صمود متجذرة. كما تكشف أن اللجوء إلى خنق الشعوب ومعاقبتها لا ينتج استقرارا، بل يراكم الأزمات ويفتح أبوابا جديدة للفوضى. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على الحصار، بل على إدراك أن السياسات العدوانية، مهما لبست ثوب الضغط المشروع، تظل عاجزة عن صناعة نصر مستدام. أما الشعوب التي تعرف كيف تعيد تنظيم نفسها تحت الضغط، فإنها غالبا ما تحول الحصار من أداة إخضاع إلى مناسبة لإثبات القدرة على الصمود وإعادة صياغة القوة من داخل المحنة نفسها.
باحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
كاتب فلسطيني