خسارة” الإمارات للتجار والشركات ليس مجرد تكهنات عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في بنية السوق؛ حيث وجدت الشركات نفسها فجأة أمام معادلة جديدة تجمع بين ضغوط المنظومة الضريبية الناشئة واهتزاز صورة “الملاذ الآمن” التي تمتعت بها المنطقة لسنوات طويلة.
متابعات- الخبر اليمني :
لقد شكل عام 2025 نقطة تحول مفصلية مع التطبيق الكامل لضريبة الشركات، والتي تبعها في مطلع 2026 تطبيق الحد الأدنى للضريبة العالمية بنسبة 15% على المجموعات الكبرى.
هذا الانتقال من “جنة ضريبية” إلى “بيئة منظمة ضريبياً” أحدث صدمة في أوساط الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تعتمد على هامش الربح الكامل، مما دفع ببعضها للبحث عن أسواق بديلة أقل تكلفة إدارية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية المتصاعدة التي تقدم عروضاً مغرية لاستقطاب المقرات الإقليمية.
ولم تكن الضغوط اقتصادية فحسب، بل إن التوترات الجيوسياسية التي بلغت ذروتها في الأشهر الأخيرة من عام 2026، والتهديدات التي طالت ممرات التجارة الحيوية، أدت إلى خدش صورة الاستقرار المطلق. المستثمر العالمي، الذي يضع “إدارة المخاطر” فوق كل اعتبار، بدأ يعيد تقييم وزنه الاستثماري في المنطقة، لا سيما بعد قرار الإمارات بالانسحاب من منظمة “أوبك” في مايو 2026، وهو القرار الذي أحدث موجة من عدم اليقين في قطاعات الخدمات النفطية والتجارة المرتبطة بها، مما جعل بعض التجار يفضلون الترقب أو نقل جزء من عملياتهم لمناطق أكثر هدوءاً.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية “الخسارة” فقط قد تكون قاصرة عن فهم الصورة الكلية. فما يحدث في الواقع هو عملية “إعادة صياغة” للهوية الاقتصادية؛ فبينما يغادر التجار الذين اعتمدوا على نموذج التهرب الضريبي أو التجارة التقليدية الهشة، تتدفق استثمارات ضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة.
إن الإمارات اليوم تمر بمرحلة مخاض عسير تهدف من خلاله إلى التحول من “سوق للفرص السريعة” إلى “مركز مالي وتنظيمي عالمي” يضاهي لندن وسنغافورة، وهو تحول يقتضي بطبيعة الحال تساقط بعض الأوراق القديمة لفسح المجال لنمو كيانات اقتصادية أكثر استدامة وتوافقاً مع المعايير الدولية الجديدة.


