عندما وقّع الرئيس المصري السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد والعاهل البحريني حمد بن عيسى والرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس التركي إردوغان ورئيس إندونيسيا برابوو سوبيانت ورئيس أذربيجان عالييف ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ونائب رئيس الإمارات محمد بن راشد ورئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح ووزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي، في 13 تشرين الأول/أكتوبر في شرم الشيخ على ما يسمّى بخطة الرئيس ترامب للسلام في غزة وبحضور زعماء العديد من الدول الأوروبية، كان الجميع يعتقد أو هكذا كانوا يظنّون أنهم سيحقّقون السلام في غزة.
ناسين أنّ الرئيس ترامب الذي كان على تواصل دائم مع نتنياهو خلال القمة، كان قد أضاء الضوء الأخضر لـ “تل أبيب” كي تستمر في عدوانها على غزة وبعدها فوراً على لبنان بحجّة التخلّص من حزب الله، وبعد تنصيب جوزاف عون رئيساً للبلاد ونواف سلام رئيسا للوزراء.
كما لن يخطر على بال أحد من هؤلاء الزعماء أنّ ترامب وحليفه الاستراتيجي نتنياهو لن يكتفيا بما حقّقاه في عدوانهما على إيران في حزيران/يونيو 2025 إضافة إلى غزة ولبنان، بل أنهما سيتماديان في هذا العدوان وكما فعلا ذلك في 28 شباط/فبراير الماضي وبهدف إسقاط النظام في إيران وإحكام السيطرة على المنطقة واستعباد شعوبها بعد التحكّم بحكّامها من العرب والمسلمين بشكل أو بآخر.
وهذا ما أراد أن يقوله الرئيس ترامب عندما اتصل مع زعماء ثماني دول عربية وإسلامية وناشدهم لبدء حوار مباشر مع الكيان العبري والتوقيع معه على اتفاقيات التطبيع أسوة بالإمارات التي “قامت بعمل جبّار” على حدّ قول ترامب الذي هدّد وتوعّد الأمير محمد بن سلمان، وقال عنه إنه “سيأتي ويقبّل مؤخّرته”.
ومن دون أن ينسى ترامب سلطنة عمان التي كانت الوسيط الموثوق به بين طهران وواشنطن قبل العدوان الأخير فهدّدها وتوعّدها وقال إنه “سيفجّرها تماماً” إذا تحالفت مع إيران في موضوع مضيق هرمز، وبعد أن عاد وكرّر دعوته لدول المنطقة للتطبيع مع الكيان العبري فوراً وإلا لن ينهي الحرب ضدّ إيران.
دعوة الرئيس ترامب رفضتها السعودية وباكستان فوراً وعلى الرغم من علاقات التحالف بين ترامب وكلّ من محمد بن سلمان والثنائي شهباز شريف – الجنرال عاصم منير، وتهرّب الرئيس إردوغان من التعليق عليها وسط انتقادات عنيفة من المعارضة التي أشارت إلى تراجع ملحوظ في لهجة الانتقادات التي كان الرئيس إردوغان يوجّهها ضدّ الكيان العبري.
في الوقت الذي ذكّر فيه زعيم حزب السعادة الإسلامي محمود أريكان بدور الرئيس إردوغان في مشروع الشرق الأوسط الكبير و”الربيع العربي” وتوقّع لأنقرة أن تلبّي طلب الرئيس ترامب وفق التطورات المحتملة في المنطقة.
الأوساط الدبلوماسية بدورها أشارت إلى العلاقات الوطيدة بين الرئيس ترامب وحليفه الاستراتيجي إردوغان وتوقّعت له أن يعود قريباً إلى الحوار مع “تل أبيب” لضمان الدعم الأميركي له في السياستين الداخلية والخارجية .
إذ سبق للرئيس إردوغان وأكثر من مرة أن هدّد وتوعّد “تل أبيب” والزعماء الصهاينة منذ عشرين عاماً إلا أنه وفي كلّ مرة عاد وتصالح معهم جميعاً بمن فيهم شارون وإيهود أولمرت وشمعون بيريز ونفتالي بينيت، وآخرهم نتنياهو الذي التقى به إردوغان في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر 2023 واتفق وإياه على تبادل الزيارات التي لم تتحقّق بسبب طوفان الأقصى.
وسبقت ذلك زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أنقرة في 9 آذار/مارس 2022 كما التقى إردوغان في نيويورك رئيس الوزراء بينيت واتفق واياه على تطوير العلاقات الثنائية في جميع المجالات وبتوصية المنظمات اليهودية في أميركا التي التقى الرئيس إردوغان بقياداتها في كلّ زياراته إلى واشنطن ونيويورك.
الرئيس إردوغان الذي سبق له أنّ اتهم رئيس الإمارات محمد بن زايد بالخيانة والتواطؤ عندما وقّع على الاتفاقيات الإبراهيمية في أيلول/سبتمبر 2020، كان قد شنّ هجوماً عنيفاً ضدّ الرئيس ترامب عندما اعترف بالقدس عاصمة للكيان العبري، وقرّر نقل السفارة الأميركية إليها في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017.
ودعا إردوغان آنذاك وبصفته رئيس مجلس التعاون الاسلامي إلى قمتين عاجلتين في إسطنبول ولم يشارك فيها إلا عدد قليل من الزعماء خوفاً من ترامب أو بسبب التوتر في علاقات أنقرة مع القاهرة بعد أن شنّ إردوغان هجوماً عنيفاً ضدّ الرئيس السيسي بعد أن اطاح بالرئيس الإخواني محمد مرسي في حزيران/يونيو 2013.
تناقضات الرئيس إردوغان في علاقاته مع زعماء المنطقة من جهة و”تل أبيب” من جهة أخرى يتوقّع لها المراقبون أن تكتسب طابعاّ جديداً مع الضغوط الأميركية على أنقرة من أجل التطبيع مع الكيان العبري بصفته “الدولة”غير العربية ومعها إندونيسيا وباكستان وأذربيجان ولزعمائها علاقات مميّزة وخاصة مع الرئيس ترامب.
في الوقت الذي يؤدّي فيه الرئيس إلهام عالييف دور الوسيط بين إردوغان ونتنياهو مع استمرار مساعي “تل أبيب” وبدعم من واشنطن لتطوير علاقات استراتيجية مع كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان، وهي جمهوريات إسلامية من أصل تركي وبدأت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان العبري بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991.
مع التذكير هنا باعتراف تركيا وكأول دولة إسلامية بالكيان العبري بعد قيامه بـ 11 شهراً حيث تحوّلت أنقرة إلى حليف استراتيجي لـ “تل أبيب” بعد انضمام تركيا للحلف الأطلسي عام 1952، ثمّ حلف بغداد عام 1955 حيث قام بن غوريون بزيارته الأولى لتركيا صيف 1958.
وشهدت علاقات أنقرة مع الكيان العبري منذ ذلك التاريخ العديد من حالات المدّ والجزر، وخاصة خلال حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي والذي بدأ نهاية عام 2002 وما زال مستمراً بفضل الدعم الأميركي لهذا الحزب الذي أدّى دوراً مهماً في مجمل تطوّرات المنطقة، وبشكل خاص في سنوات ما يسمّى بـ “الربيع العربي” الذي ساعد الكيان العبري لتحقيق الكثير من أهدافه في المنطقة، خاصة بعد سقوط دمشق بفضل التنسيق والتعاون التركي – الأميركي المشترك وبرضى إسرائيلي على حدّ قول الرئيس ترامب.
ويبدو واضحاً أنه يعقد آمالاً كبيرة على تحالفه الشخصي مع الرئيس إردوغان خلال مساعيه لإعادة ترتيب أمور المنطقة مع ضمان الأمن الاستراتيجي الأبدي للكيان العبري، ويتمنّى الرئيس ترامب له أن يكون جنباً إلى جنب مع تركيا في مجمل حساباته الإقليمية بعد أن فشل في تحقيق أيّ انتصار استراتيجي ضدّ إيران أو في لبنان واليمن والعراق.
وهو ما أثبتته تطوّرات الأيام القليلة الماضية حيث هدّد الرئيس ترامب وما زال زعماء المنطقة كي يرضخوا لمطالبه ومطالب نتنياهو، والتي لم يستخلص الزعماء العرب والمسلمون منها أيّ درس مع استمرار أحاديث حكام “تل أبيب” عن “دولة إسرائيل الكبرى” التي ستضمّ بالضرورة مصر وتركيا، ووفق نصوصهم التوراتية وسفصطاطهم التاريخية التي يؤمن بها الإنجيلي الصهيوني ترامب ويسعى لتحقيقها.
وبعد أن استسلم له العديد من الزعماء العرب والمسلمين بالسمع والطاعة التي كادت أن تجعل منهم عبيداً للكيان العبري، لولا صمود إيران الذي وضعهم جميعاً بين مطرقة الثنائي ترامب ونتنياهو وسندان الرفض الشعبي الذي تحقّق بفضل الإيمان بالنصر على الصهاينة بفضل التضحيات العظام التي قدّمها الشعب الإيراني واللبناني واليمني والعراقي وكلّ من وقف إلى جانبهم عربياً وإسلامياً ودولياً.
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على ما تبقّى من الارادة الوطنية والدينية للزعماء العرب والمسلمين الذين إن رضخوا لتعليمات وأوامر ترامب فسوف تكون إرادتهم مرهونة بيد حكّام أميركا الذين قد يضمنون لهم البقاء في السلطة ولكن سيسلبونهم ما تبقّى من كرامتهم الشخصية ويجعلون منهم بضاعات تباع وتشترى في أسواق النخاسة.
وأثبتت التطوّرات الأخيرة أن لا خلاص منها إلا بجرعات من الصمود البطولي كما هو في إيران ولبنان وفلسطين واليمن والعراق، ولولاه لكان حلفاء ترامب من العرب والمسلمين الآن في وضع لا يحسدون عليه أبداً عندما يصبح نتنياهو سيّدهم الأوحد!
| حسني محلي
المصدر: “الميادين نت”


