إذا كان الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية، مساء الأحد، والذي أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، اختبارا لمدى جدية إيران في التمسك بمعادلة وحدة الساحات وتثبيت وقف العدوان على لبنان كشرط رئيسي للتهدئة وإنهاء الحرب، فإن الضربات الإيرانية التي استهدفت شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد نحو 7 ساعات فقط، وللمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار، قد قدمت نتيجة حاسمة لهذا الاختبار، وهي أن إيران – وقوى المحور- مستعدة للعودة إلى قتال واسع النطاق إذا لم يلتزم العدو الإسرائيلي بوقف عملياته ضد لبنان، حتى لو كانت هناك مؤشرات تفاوضية إيجابية في الملفات الأخرى.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
كانت إيران قد صرحت بوضوح أنها ستقصف إسرائيل ردا على أي اعتداء على بيروت أو الضاحية، ثم برهنت ذلك عمليا وبدون أي تردد.
بالنسبة لإسرائيل، هذه صفعة كبيرة لا لبس فيها، فبرغم أن إيران قد برهنت فعلا طيلة الفترة الماضية على نجاحها في فرض واقع وحدة الساحات، من خلال إجبار العدو على تقليص نطاق عملياته ضد لبنان، باستخدام ورقة مضيق هرمز والصلابة التفاوضية التي اصطدم بها ترامب، فإن إسرائيل ظلت مصرة على خلق مساحة مناورة تهدف لفصل لبنان عن أي اتفاق أمريكي مع إيران، وحاولت أن تصور عملياتها المستمرة في جنوب لبنان، والمفاوضات المباشرة مع السلطة اللبنانية، كنجاح في فصل الساحات وتثبيت مبدأ “حرية العمل”، لكن الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش الإسرائيلي بسبب عمليات المقاومة، في ظل ثبات “حزب الله” على موقفه، جعلت محاولة تسويق هذه الصورة صعبة، ولأن قصف الضاحية كان بالتأكيد مرتبطا بحاجة العدو إلى التعامل مع مأزق الساحة اللبنانية، فإن الضربات الإيرانية كانت صفعة محرجة لإسرائيل، لأنها أظهرت بوضوح أن إسرائيل لا تمتلك أي “حرية عمل” وأنها لم تنجح في فصل الساحات، وأن التعامل مع الساحة اللبنانية أصبحت قضية حرب إقليمية، ولم يعد بالإمكان تجاوز هذا الواقع الجديد تماما الذي يجسد إخفاقا إسرائيليا استراتيجيا ليس في التعامل مع التهديد اللبناني فقط، بل في الصراع بأكمله.
يقول داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والخبير في معهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب إن الرد الإيراني على استهداف الضاحية “يجسّد مدى الفشل الاستراتيجي الذريع للحملة الأخيرة ضد إيران، حيث تواجه إسرائيل الآن معضلةً صعبة: إما الردّ والمخاطرة بمواجهة مباشرة مع رئيس الولايات المتحدة، أو الامتناع عن الردّ والسماح لإيران بفرض معادلة جديدة تُقيّد بشكلٍ كبير حرية إسرائيل في التحرّك ضد حزب الله مستقبلاً”.
ويضيف أنه “بدلا من إسقاط النظام الإيراني” الذي كان يفترض أن يؤدي إلى انهيار محور المقاومة “تجد إسرائيل نفسها تتمتع بحرية أقل في التصرف، بينما تتمتع إيران بثقة أكبر بالنفس”.
ويقول الكاتب الإسرائيلي أميخاي أتالي: “إن المعادلة التي يحاول الإيرانيون رسمها هي، بالطبع، تراجعٌ جذري عن تلك التي كانت سائدة هنا حتى الحرب الأخيرة، ومفادها أنه إذا مسسنا مركز عصب العدو الأقرب إلينا، فسنتعرض لصواريخ باليستية من مسافة ألفي كيلومتر” معتبرا أنه من بين كل ما حدث خلال السنوات الثلاث الأخيرة فإن “هذا أهم اختبار استراتيجي لنتنياهو على الإطلاق”.
لم يتجنب الجيش الإسرائيلي موضوع معادلة وحدة الساحات، وصرح بعد الضربات الإيرانية بأن “طهران تحاول خلق معادلة جديدة بإطلاق النار مباشرة على إسرائيل رداً على هجمات الجيش الإسرائيلي على الضاحية” معلنا أنه “سيواصل العمليات في جميع أنحاء لبنان” لكنه لم يتحدث فورا عن توجه لشن ضربات على إيران.
ولاحقا قال رئيس الأركان الإسرائيلي إنه كيان العدو ينتظر “ضوءا أخضر” للهجوم على إيران.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” وقتها أنه “من وجهة نظر إسرائيل، فإن عدم الرد على إيران سيؤدي، في كل الأحوال، إلى فقدان القدرة على الإنذار، وسيرسل رسالة مفادها أنها لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها بناءً على اعتبارات القيادة السياسية” مشيرة إلى أن “الولايات المتحدة وجهت رسالة إلى إسرائيل مفادها أنه من المجدي الانتظار بضعة أيام لمعرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فسيتم اتخاذ إجراء مشترك”.
جاء هذا متسقا مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب الضربات الإيرانية، والتي قال فيها إنه سيطلب من نتنياهو عدم مهاجمة إيران، وزعم أن طهران وواشنطن أصبحتا قريبتين من التوصل إلى اتفاق، لكن الافتراض الذي يستند إليه هذا الطرح، والذي يفيد بأن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية لم يكن منسقا مع الولايات المتحدة، مشكوك فيه، وقد أكد رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف أن الولايات المتحدة أعطت “ضوءا أخضر” لتنفيذ ذلك الهجوم.
يقول سيترينوفيتش إن “ترامب يواجه واقعاً استراتيجياً بالغ الصعوبة، فالخيارات المتاحة أمامه ليست جيدة، ويبدو أنه يُفضّل التوصل إلى اتفاق مع إيران بأي ثمن تقريباً على الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع”.
لكن أي رغبة لدى ترامب في التوصل إلى اتفاق مع إيران ستتعارض دائما مع التزامه الدائم بإرضاء إسرائيل، وبالتالي فإن ما أوضحته تصريحات الرئيس الأمريكي هو فقط الحرص على عدم العودة القتال بشكل واسع، وعدم انهيار المفاوضات، حتى بدون التوصل إلى اتفاق (تفاوض لأجل التفاوض).
لقد انخفضت أسعار النفط بالفعل خلال الأيام الماضية بفعل المؤشرات التفاوضية، وبرغم تبادل الولايات المتحدة ضربات عسكرية شملت استهداف إيران لقواعد في الخليج، فإن إيران واصلت السماح للعديد من السفن بعبور مضيق هرمز، لكن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أعاد شحن الأجواء بشكل كبير، ودفع أسعار النفط نحو الارتفاع مجددا.
تبادل الضربات:
بعد ساعات من التنسيق والتواصل مع الولايات المتحدة، شنت إسرائيل هجمات محدودة على إيران صباح الاثنين، وهو الأمر الذي كان متوقعا، واستمر تبادل الضربات لساعات قبل أن يعلن الطرفان عن وقف العمليات العسكرية، لكن مع تعهد إيراني بالرد على أي تصعيد إسرائيلي ضد لبنان.
عادت أسعار النفط للانخفاض مع توقف تبادل الضربات، وربما شعر ترامب بأنه نجح في احتواء التصعيد، لكن الحقيقة أن الأمور لن تعود كما كانت أبدا، فالمعادلة التي ثبتها الرد الإيراني على استهداف الضاحية الجنوبية لا تزال قائمة، ولم يعد بإمكان الجيش الإسرائيلي أن يصعد ضد لبنان بدون أن يندلع انفجار إقليمي.
يقول عاموس يدلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والمدير التنفيذي السابق لمعهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب: “لا يمكن لإسرائيل أن تقبل بالمعادلة الحالية التي أفرزها وقف إطلاق النار في لبنان، حيث ترد إيران على الهجمات الإسرائيلية في الضاحية، أو في جنوب لبنان. يجب على إسرائيل تغيير قواعد اللعبة”.
وبما أن الولايات المتحدة لم تنخرط في موجة تبادل الضربات الأخيرة بشكل مباشر، خشية من عودة القتال الإقليمي واسع النطاق، وهو ما جعل إسرائيل تبدو “وحيدة”، يرى يدلين أن نجاح مهمة فك الارتباط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية يقع على عاتق ترامب، وذلك من خلال إبرام اتفاق يحقق مصالح إسرائيل، أو عدم إبرام أي اتفاق على الإطلاق.
ستظل فرضية وجود خلاف بين نتنياهو وترامب دائما محل شك، ولكن من الواضح أن إسرائيل حريصة على أن تضمن بقاء مصالحها كأولوية لدى الولايات المتحدة، وألا يكون هناك أي مساحة أمام واشنطن للتحرك من أجل اعتباراتها الخاصة، مثل الدخول في تفاهم أولي مع إيران من أجل خفض التصعيد وتخفيف تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز.
وفيما يرى بعض المحللين الأمريكيين أن إسرائيل الآن قامت بتثبيت “ذريعة” لجر الولايات المتحدة إلى التصعيد، فإن مجرد العودة إلى الحرب لا يصلح كهدف، ذلك أن إحجام الولايات المتحدة عن الانخراط في الانفجار الأخير بشكل مباشر، سواء كان متفقا عليه مع إسرائيل أم لا، يعود إلى حقيقة أن إيران قد نجحت في فرض ردع إقليمي حقيقي يجعل كلفة أي تصعيد ضدها عالية جدا وخطيرة للغاية، وبالتالي فإن إسرائيل والولايات المتحدة شريكتان في المأزق نفسه، إلا إذا كان هدف الإسرائيليين هو أن تضحي واشنطن بنفسها بشكل “انتحاري”.
التدخل اليمني:
بعد الرد الإيراني السريع على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، شكل انخراط اليمن في التصعيد، صباح الاثنين، مفاجأة إضافية، حيث أطلقت القوات المسلحة اليمنية دفعة صاروخية على أهداف حساسة في “يافا” المحتلة، كما أعلنت عن إعادة فرض الحصار البحري الكامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.
أعطى هذا التدخل المزيد من الزخم والفاعلية لمعادلة “وحدة الساحات” التي مثلت العنوان الرئيسي للانفجار الإقليمي الأخير، حيث عزز التحرك اليمني الموقف الذي تقوده إيران والمتمثل في أن أي تصعيد وانهيار لوقف إطلاق النار في جبهة ما، سيشمل المنطقة كلها، ولا شك أن ذلك يعزز مخاوف الأمريكيين من الانزلاق إلى تصعيد واسع النطاق.
كانت سرعة التدخل اليمني هذه المرة ملفتة للنظر، وعكست وجود تنسيق واسع بين أطراف محور المقاومة، وتخطيطا مسبقا لامتلاك زمام المبادرة إقليميا في مواجهة أي تصعيد، وهو ما جعل موقف إسرائيل أسوأ بكثير، فبينما كانت التقارير الإسرائيلية تتحدث عن تباين وجهات النظر بين نتنياهو وترامب، أظهر محور المقاومة التحاما كبيرا واستعدادا عاليا للتعامل مع التطورات.
وعكس إعلان عودة حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، وهي الورقة التي لم تستخدمها صنعاء في الجولة السابقة، اندفاعا يمنيا واضحا (ومدروسا بالطبع) نحو مضاعفة الضغط على الأعداء، حيث يأتي الحظر هذه المرة في ظل أزمة قائمة في مضيق هرمز، وهو ما يضع أسواق الطاقة والشحن أمام ظرف غير مسبوق على الاطلاق.
لقد كانت المخاوف العالمية من امتداد الاضطرابات إلى مضيق باب المندب، خلال الجولة السابقة، واضحة، والآن أصبح هناك حظر فعلي على الملاحة الإسرائيلية، وقد أعلنت شركة (أمبري) البريطانية للأمن البحري أن السفن المرتبطة بإسرائيل من حيث الملكية أو الإدارة أو زيارات الموانئ، أصبحت الآن تواجه مخاطر عالية عند عبور البحر الأحمر وخليج عدن.
ومن الملفت أن القوات المسلحة اليمنية ربطت تحركها بهدف “كسر الحصار على اليمن وعلى محور المقاومة” ما يعني أن الحظر قد يستمر حتى لو لم يحدث انفجار عسكري كبير مرة أخرى.


