رسمت المشاهد المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات اليمنية “الخاضعة لسيطرة “المجلس السياسي الأعلى”، بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، لوحة استثنائية غير مسبوقة في تاريخ البلاد، تجاوزت في مضمونها وأبعادها حدود الاحتفالية الدينية المعتادة، لتتحول إلى استفتاء شعبي عريض وتفويض سياسي وشعبي مطلق لقائد حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي وللقوات المسلحة اليمنية اتخاذ كافة الخيارات الميدانية والسياسية اللازمة لكسر الحصار السعودي وإنهاء التواجد العسكري الأجنبي في البلاد.
خاص- الخبر اليمني:
وتأتي هذه التطورات في ظل معطيات ميدانية تؤكد أن الشعب اليمني لم يعد يقبل باستمرار حالة الحصار والاحتلال، خصوصاً وأن هذا التجمع المليوني أسقط كافة الرهانات والمساعي السعودية التي أنفقت مليارات الريالات على الشبكات الإعلامية والناشطين لتثبيط اليمنيين عن التوافد، فجاءت النتيجة عكسية تماماً لتعكس التحام الشارع اليمني مع خيارات قيادته، وتأكيده على رفض أي التفاف على حقوقه المشروعة وثرواته الوطنية المنهوبة.
وعلى الصعيد العسكري، جاءت المشاهد الاحتفائية متزامنة مع تحول عملياتي فارق أعلنته قوات صنعاء، من خلال تنفيذ سلسلة من الضربات الاستباقية في البر والبحر، كان أبرزها فرض معادلة “الحصار بالحصار” عبر استهداف الناقلة النفطية السعودية “أمزان” بصاروخ باليستي شمالي البحر الأحمر قبالة سواحل ينبع، إلى جانب دك التحشيدات السعودية في منطقتي العبر والوديعة وتدمير شاحنات العتاد العسكري، فضلاً عن استهداف مواقع ذات الفصائل السعودية ومخازن أسلحتها في منطقة “الكنائس” الصحراوية الواقعة بين مأرب والجوف، ما أدى إلى إرباك خطوطها وإفشال مخططات إعادة تموضعها.
وفي هذا السياق، جاء البيان المشترك، أمس الإثنين، الصادر عن وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي في صنعاء ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن يوسف المداني ليضع نقاط الردع على حروف المرحلة؛ حيث أكدت القيادة العسكرية أن القوات المسلحة بجميع صنوفها وتشكيلاتها باتت في أوج جهوزيتها لقلب موازين المعركة، محذرة النظام السعودي وحلفائه من أن معادلاتهم القديمة قد سقطت إلى غير رجعة، وأن أي مغامرة جديدة للتضييق على الشعب اليمني ستواجه بعاصفة من النيران وردع عسكري يغير موازين المنطقة بأكملها.
ولم تنفصل هذه التطورات الميدانية والسياسية عن خطاب قائد حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي أمام الجماهير المليونية، حيث إشار إلى البعد الإيماني بالقول إن التمسك بالرسالة الإلهية والالتزام بتعاليمها لا يتهيأ إلا بالصمود في وجه الأعداء والتصدي لعدوانهم وشرهم والتحرر من هيمنتهم والامتناع عن التبعية لهم، موضحاً أن الشدّة على الأعداء تتجلى بموقف قوي وثابت وصريح ومعلن، وتتجسد ثباتاً على الحق وجهاداً في سبيل الله وتضحية وصموداً مهما كانت وحشية الأعداء ومستوى جبروتهم.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، استعرض الحوثي أبعاد المخطط الصهيوني مؤكداً أن العدوان على إيران ولبنان والاستباحة لسوريا والاستهداف لليمن يأتي في إطار المؤامرات الأمريكية والإسرائيلية، موضحاً أن المخاطر تهدد الأمة بأكملها نتيجة لأطماع الصهيونية وتحركها تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط” و”إقامة إسرائيل الكبرى”. وفي هذا الصدد، جدد الحوثي التأكيد على الثبات على الموقف المبدئي الإيماني في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم وقضيته العادلة التي هي قضية الأمة جمعاء، مؤكداً الموقف الصارم من العدو الصهيوني باعتباره عدواً للإسلام والمسلمين، ومشدداً على عدم الفتور بجهد في مساندة الشعب الفلسطيني ومجاهديه حتى يتحقق الوعد الإلهي المحتوم بسقوط الكيان، إلى جانب تأكيد المساندة الكاملة للمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وفي سائر جبهات المحور، مع دعوة الأمة قاطبة إلى الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة.
وعن ملف الحرب السعودية والحصار، أكد قائد حركة أنصار الله على “حق الشعب اليمني في موقفه الحق وقضيته العادلة ومطالبه المشروعة في إنهاء الحصار الذي ينفذه المعتدي السعودي بإشراف أمريكي منذ 12 عاماً”، مستنكراً المفارقة التي يمارسها النظام السعودي الذي يحرم الشعب اليمني من ثروته الوطنية ويُغلق عليه المطارات، بينما يفتح أجواء بلاد الحرمين وأجواء مكة والمدينة لليهود الصهاينة.
واعتبر الحوثي أن إصرار النظام السعودي على مواصلة الحصار وسعيه لتشديده وما يقوم به من تحشيد عسكري للتصعيد ومساعٍ لتفكيك الشعب اليمني هو ظلم وطغيان لا مبرر له وخدمة مباشرة للصهيونية، مؤكداً أن “هذه التصرفات تدل على ضرورة التحرك الجاد بكل السبل المشروعة لوضع حد لذلك الطغيان، وتثبت صوابية خيار الشعب اليمني في اعتماده لمعادلة الحصار بالحصار واستهداف التحشيد العسكري، محذراً من أن النظام السعودي المعتدي العميل للصهيونية يتحمل كامل المسؤولية لكل ما يترتب على استهدافه للشعب اليمني”.
إن التلاحم الوثيق بين الحشود المليونية في الساحات والعمليات العسكرية النوعية التي تنفذها صنعاء في الميدان يؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة يمتلك فيها اليمن أدوات الردع الكفيلة بفرض شروطه؛ حيث تشير المعطيات التحليلية إلى أن الأيام القادمة ربما ستشهد خطوات وإجراءات يمنية متصاعدة لكسر الحصار قسراً، وتجريد النظام السعودي من خياراته الميدانية.


