الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

صلاح الدكاك: قلبي مخيمات يتامى وعصافير

صلاح الدكــاك:

بعد ثلاثة عقود ونصف، من التسكُّع في القلوب والعيون والأحضان، أريد أماً.

دفعةً واحدةً أفقت على دويِّ هذه الحاجة السجينة في حضيض بئر الخيبات منذ أولى محاولات الحبو، على سطح الكوكب.. أفقت على مخالب الطفل تمزق بلا رحمة سحنة الرجل ووقار السنوات المتفشي كالبرص في ملامحه.

– خمسة وثلاثون عاماً وأنا أحاول ـ عبثاً ـ مواربة هذا الطفل خلف شارب شحيح، كما تحاول فتاة عازبة وحبلى مواربة بطن تتكور ساعة بساعة، منذرة بوثوب الفضيحة!

– لم تكن كل السنوات الفائتة، كافية لإجهاض الطفل وتعثرت ـ بالتوازي ـ سيرورة الرجل صوب أن يصبح رجلاً.

– قلت ـ في البدء ـ لعل امرأة ما تبدد بحلمتها وحشة الحمل، لكن كل امرأة راحت تلهث خلف شبق الذئب وتناور جراح الوحش .

– أريد امرأة لا تشنقني على شفير ادعاء الفحولة والمرجلة ولا أشنقها على شفا رغبة عابرة وحافة سرير وسقف مطبخ.

– كنت ـ دائماً ـ مستعداً للتخلي عن دور ديك  العشيرة التقليدي، لكن دجاج الحي المتحررات لم يزلن يحملن أقفاصهن وحظائرهن إلى الشوارع والمرافق العامة ومقر الوظيفة والعمل، ولا يعبدن سوى الريش المنفوش والأوداج المنتفخة والعصا الذكورية الغليظة المواربة خلف ربطة العنق.

– أريد أماً تعشق نقائصي ونقاط ضعفي ودمامة ملامحي. تعشقني كنت»أميتاب باتشان» أو كنت «أحدب نوتردام» .. تعشقني كما أنا.. وأعشقها كما هي بوجهها المستدير المشرق كقمر، أو الملفوح والمتغضن كقرميد مدخنة عتيقة.

لقد تلوثت بما فيه الكفاية بنتن المسامات الفواحة بالمسك والأجساد المليسة المدعوكة بـ «كريستيان ديور وشانيل» والنساء «المانيكان» اللواتي لا يعرفن الخيانة لأنهن لا يعرفن الحب، النساء اللواتي يتكئن على قوتك بحثاً عن الأقوى، ولا يحفظن من مواصفات الرجال سوى موديلات سياراتهم ومقاساتهم على الفراش وتصاميم غرف نومهم، وعدد  الكدمات التي وشموا بها أجسادهن.

– أعلن الآن فك ارتباط أحادي الجانب ، مع كل صحاري العقم التي اندفنت في لهبها زنبقة فبرعمتني شوكاً ، مع كل رحم أمَّلت أن أعيش شهقة البدء فيه، فخنقتني حشرجات العدم ودخان الخاتمة!

– خمسة وثلاثون عاماً وأنا أحمل قلبي كدمعة سنونوة يتيمة وتائهة باحثاً عن عش ينسدل على وجعه الغزير كما ينسدل الجفن  على البؤبؤ .. لكن كل الأعشاش كانت فخاخاً.. وكل الصدور تكشفت عن زنازين ومعتقلات وأضرحة . وها أنا أتسلل إلى مقاصير الحبيبات لأستعيد ـ عبثاً ـ قلبي المهمل، فالتي جعلت منه علبة لأحمر الشفاه، والتي استخدمته حصالة لإدخار النقود، والتي تدلَّى من جيدها مشنوقاً بسلس ذهبي في أزهى الأحوال.

– كم من السنوات يلزمني لأكنس هذا القلب المثقل بأكداس الملاقط والأزرار والدبابيس وقلامات الأظافر والقطع النقدية الصغيرة التي كومتها العابرات فيه؟ تحت أي شلال أغسله ليتخلص من كل هذه اللزوجة والدهون والكلسترول المتراكم على جدرانه كقوقعة سلحفاة؟!ّ

خمسة وثلاثون عاماً وقلبي مخيمات يتامى وعصافير شاردة ولاجئين، تقصفه النساء ـ الأباتشي ، النساء الميركافا، النساء المصفَّحات..،

النسـاء الــــلواتي ليــست واحـدة منهـــن أمــي!

مجلة الأسرة-2009

 

الخبر اليمني/أبجدية

قد يعجبك ايضا