عن حقيقة الصراع في العالم ..خمسمائة عام من النهب

اخترنا لك

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]الإطار التاريخي، وتفكيك المقاربة الأورومركزيّة... [/box]

 

حيث أن الكوكب بأسره قد أضحى رقعةً سياسيّةً واحدةً في القرون الخمسة الأخيرة، لاسيّما بعد أن امتدّت أيدي النهب الأوروبّيّة لتطال كل أصقاعه البعيدة، فتنافست فيما بينها على أكبر فريسةٍ في التاريخ، محتكرةً إيّاها بعيداً عن أعين الإمبراطوريّات غير الأوروبّيّة؛ فكان ذلك ما أسمته أوروبّا بعصر الإكتشافات.

وحيث أن أوروبّا قد تحوّلت إثر ذلك من قارّةٍ متصارعةٍ فيما بينها، ومُهيمنٍ على أطرافها، إلى مركز الثروة في العالم، فصبّت فيها أغلب خطوط النهب الممتدّة من وراء المحيطات، وأثرت ثراءً فاحشاً من خارج اللعبة التقليديّة؛ فموّلت وكثّفت صناعاتها الحربيّة وطوّرتها لتتسيّد على نفسها وتقبض بأساطيلها وجيوشها على المحيطات والقارّات؛ كما موّلت صناعات النقل البرّي والبحري التي شكّلت البنية التحتيّة الفعّالة للنهب، وطوّرتها لنقل الثروات (من معادنٍ وأحجارٍ وأخشابٍ وعبيد…) من عمق المستعمرات حيث مدّت سكك القطارات وجهّزت الأنهار الصالحة للملاحة وبنت الموانئ، فوصتلها بموانئ المدن القديمة والمستحدثة في أوروبّا لرفد خزائن الممالك ومصانعها؛ فكان ذلك نواة ما أسمته أوروبّا بالثورة الصناعيّة.

وإذا سلّمنا بأن طبيعة المعاش، بحسب تعبير إبن خلدون، هي المُشكّل الرئيسي للإجتماع البشري، فإن عمليّة النهب، التي أصبحت أكثر جدوى إقتصاديّاً بما لا يُقاس بالمقارنة مع نظام القنانة الذي كان سائداً إبّانها، قد أدّت إلى تركّز الثروة في يد من شارك في استئصال الثروات من مصادرها وشحنها، والتصنيع المكثّف المُموّل والمُزوّد منها في أوروبّا، والزراعة المكثّفة القائمة على العبوديّة في المستعمرات والمُكمّلة لإقتصاد المركز الأوروبّي؛ وبالتالي فإن تحوّل النهب إلى النشاط الإقتصادي الرئيسي في أوروبّا، قد أدّى إلى إعادة تشكيل المجتمع الأوروبّي ليلائم عمليّة النهب على كل الصعد.

لذا فإن زلزال تركّز الثروة في يد طبقات النهب العليا المُتشكّلة حديثاً حينها على حساب الأرستقراطيّة القديمة، لم يطل طبقات المجتمع العليا فقط؛ بل أدّى إلى نزوحٍ تدريجيٍ للطبقات الإجتماعيّة الدنيا من النظام القديم الريفي المُغلق طبقيّا،ً حيث كان العمل محصوراً بالزراعة ومكمّلاتها لصالح النبلاء مقابل الحماية والتقديمات الموسميّة الزهيدة، نحو العمل في النظام الجديد المديني الذي بدا أوسع أفقاً؛ إن لجهة الصفوف الخلفيّة للنهب، أي المصانع، حيث إمكانيّة الترقّي ودفع الأجور باليوميّة، أو لجهة الإنخراط المباشر في عمليّة النهب عبر التطوّع في الأجهزة الحكوميّة الإداريّة والعسكريّة المتنامية والأكثر مكافأةً في حينها، أو لجهة تَقدّم صفوف النهب عبر الهجرة إلى المستعمرات حيث المغامرة والطموح الأكبر؛ فتبدّل المجتمع تدريجيّاً في أوروبّا من زراعيٍّ ريفي، محوره الجماعة المنتجة، إلى صناعي مديني، محوره الفرد المستهلك، ليلائم النظام الجديد؛ وكان ذلك نواة ما أسمته أوروبّا بالحداثة.وإستطرداً، فإن المؤسّسة الدينيّة التي واكبت الرعيّة إلى حياتهم الجديدة، فأفلت بعضها – كما الرعيّة – من هيمنة النبلاء، وتماهى مع توجّهات أرباب عمل الرعيّة الجدد في المدن؛ إن لجهة التحرّر من نير الجبريّة التي برّرت الرضى بالقنانة، أو لجهة إستحسان ومباركة الثروة والساعين ورائها خلف الأسياد الجدد؛ فكان تشظّي الكنيسة الكاثوليكيّة، أو ما أسمته أوروبّا بالثورة الدينيّة.

وبالنسبة للجيش الذي كان يُسمّى بجيش الملك، حين كان محدوداً ومتشكّلاً من بعض المجموعات الخاصة به، بالإضافة إلى ما يوفّره النبلاء من فرسانٍ ومشاة مع أسلحتهم، فقد بات مع تغيّر المجتمع قائماً على التطويع مباشرةً من العامّة الذين خرج معظمهم عن طوع النبلاء؛ فتمّت مأسسته عبر ضبط وتوحيد معايير تدريبه وتنظيمه وتسليحه، وتزامن ذلك مع التطوّر المضطرد في نوعيّة وفعاليّة الأسلحة؛ فتحوّل إلى ما أسمته أوروبّا بالجيش الحديث، وأصبح آلةً حربيّةً مطواعةً وفعّالةً في خدمة مشروع النهب.

وأمّا شرعيّة الملك نفسه، والتي كانت مُستمدّةً من ولاء النبلاء وشرعيّة المؤسّسة الدينيّة، فتآكلت مع تراجع نفوذ الجهتين الأخيرتين لصالح طبقة كبار الناهبين الجديدة (من صناعيّين وتجّار وملاكي المزارع وأصحاب شركات النقل البحري وغيرهم)، والتي ضغطت لفرض مصالحها وإقتسام السلطة؛ فظهرت الملكيّات الدستوريّة وتلتها الجمهوريّات وكانت الإنتخابات، أو ما أسمته أوروبّا بالديموقراطيّة.

إستناداً إلى كل ما تقدّم، نخلص إلى أن ميزان القوى في العالم حينها قد إختلّ لصالح أوروبّا الجديدة القويّة، وأن ذلك قد أتى كنتيجةٍ مباشرةٍ لفائض الثروة المُتأتّي عن نهب ما سمّته أوروبّا بالعالم الجديد، الذي محقت دُوله وبناه القائمة نهائيّاً؛ فأمست باقي كيانات العالم القديم السياسيّة في تراجعٍ مضطردٍ عسكريّاً واقتصاديّاً أمام الإمبراطوريّات الأوروبيّة، إلى أن سيطرت أوروبّا عليها تدريجيّاً، فنهبت العالمين معاً، حتّى أصبح معظم الكوكب “مستعمراً” من أوروبا قبيل الحرب العالميّة الأولى؛ وبالتالي فإن العالم بأسره قد أصبح متشكّلاً من مركزٍ أوروبّيٍّ ناهبٍ، وأطرافٍ غير أوروبّيّةٍ منهوبة.

لا يتوفر وصف للصورة.
كولومبوس على شواطئ “العالم الجديد” عام 1492

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]”في إستراتيجيّة النهب الجديدة وإنزياح المركز غرباً“[/box]

إذا، فإن المراكمة الأوّليّة للثروة، التي قامت على نفقتها أوروبّا الحديثة، هي ببساطةٍ ليست إلّا نهباً أوروبّيّاً صرفاً لما أسمته العالم الجديد، وقد أتى ذلك على شكل غزوٍ وإحتلالٍ وبطشٍ وحشيٍّ منظّم للسيطرة على ثروات ومقدّرات الآمنين وغير الآمنين فيه؛ فما كان من أوروبّا إلّا أن حاصرتهم وحاربتهم، ومسحت مجتمعاتٍ بأكملها عن الوجود؛ وأما المجموعات الناجية من إبادة كتلٍ بشريّةٍ وازنةٍ منها، فقهرتها أوروبّا وأفقرتها، وإستعبدت بعضاً منها مع ما اُضيف إليها قسراً من مخطوفين أفارقة للعمل في المزارع والمناجم، وعزلت بعضها الآخر في محميّاتٍ قاطعةً يدها عن مواردها، فأعاقت تطوّرها وجمّدت إجتماعها، وذوّبت كياناتها الإجتماعيّة تدريجيّاً، إن عبر الإرساليّات أو عبر العبوديّة؛ وكان هذا الغزو والإحتلال حينها، الضامن الوحيد لإستمرار النهب.

أمّا وقد إمتدّت سيطرة أوروبّا تدريجيّاً لتقبض على مساحةٍ تفوق مساحتها بأضعافٍ مضاعفة ولتُخضع كتلةً بشريّةً هائلة، لاسيّما إحاكمها السيطرة على قارّات “العالم الجديد” الثلاث، وإعلانها إفتتاح ما أسمته بعصر “الإندفاعة نحو إفريقيا”، والذي كان غزواً واحتلالاً وبطشاً مشابهاً، إنما دون التمكّن من سحق بنى إفريقيا الإجتماعيّة بالقدر ذاته؛ وبالتزامن مع إنخفاض معدّل النمو السكّاني في أوروبّا تماشيّاً مع تحوّلها نحو الحياة المدينيّة والتصنيع، مقابل النمو المضطرد والحاد للكتلة البشريّة في المستعمرات؛ وفي ظل إحتدام المنافسة الشرسة بين الأوروبّيّين أنفسهم على النهب، بالإضافة إلى بروز المقاومات المحليّة في المستعمرات؛ بات عبء النهب عبر الوجود العسكري المباشر والكثيف، ثقيلاً على أوروبّا.

تحت وطئة ذاك العبء، مالت أوروبّا تدريجيّاً إلى توظيف بعض المكوّنات الإجتماعيّة المحليّة، المتشظّية من الدول المنهارة أو المفكّكة التي قامت على أنقاضها المستعمرات، لأن تسيّر أمور هذه المجتمعات وتضبطها بالوكالة عن الأوروبّيّن ولصالحهم؛ وكان ذلك بدل حصصٍ زهيدة من المنهوبات وإمتيازاتٍ لهذه المكوّنات الموظّفة على المكوّنات الأخرى ممّا يسمح لهذه المكوّنات أن تعيد إنتاج سلطتها، وبدل تعهّدات أوروبّيّة بحماية هذه المكوّنات وحكمها عند الضرورة؛ وفي ظل قمع كل مقاومة إن بيد الوكيل المحلّي أو بالتدخّل الأوروبّي المباشر، إقتصرت العمليّة السياسيّة في المستعمرات على التنافس لإثبات الجدارة في أداء دور الناطور المحلّي، المُحدّدة مهامه بالسهر على حسن سير عمليّة النهب وسلاستها واستقرارها ونموّها، وذلك عبر قهر بعض المكوّنات الاجتماعية المحلّيّة الأخرى ورشوة بعضها الآخر.

وبذلك يكون المركز الأوروبي قد توصّل إلى أقل الإستراتيجيّات الإمبرياليّة كلفةً وأكثرها فعاليّةً حتّى يومنا هذا، حيث استبدل السيطرة عبر الحرب المباشرة لضمان النهب، التي أسماها إستعماراً، والتي باتت خطراً عليه وعبئاً اقتصاديّاً وبشريّاً لا يطاق، بالسيطرة الناعمة لضمان النهب مع الاحتفاظ باختلال ميزان القوى الذي يسمح لها بالتدخّل العسكري المباشر المحدود أينما فرضت الضرورة، وكان ذلك ما إصطُلح على تسميته في القرن العشرين بالهيمنة.

أمّا في قلب المركز، فقد أفرز النهب أمم أوروبّا نفسها ليتمحور بعضها حول إمبراطوريّاتٍ عريقةٍ ذات نصيبٍ أكبرٍ من المستعمرات جهة، وبعضها الآخر حول إمبراطوريّاتٍ صاعدةٍ ذات نصيبٍ أصغرٍ من منها، وإشتد هذا الفرز بعد إطباق أوروبّا على معظم خريطة العالم، حتّى أمسى باب التوسّع الإستعماري على حساب الأمم غير الأوروبّيّة شبه مقفلاً؛ حينها، لم يبقى أمام الإمبراطوريّات الأوروبّيّة العريقة والأخرى الصاعدة غير الحرب العسكريّة المباشرة للتنافس على النهب، إذ كانت مصلحة الأولى تقتضي باحتكار النهب لإجهاض صعود الثانية ودرء خطرها المتعاظم، بينما إقتضت حاجة الثانية إلى نهبٍ أكبر لإستكمال صعودها وتفادي وقوعها في فلك هيمنة الأولى، فتحالفت ضد الأولى مع ما تبقّى من إمبراطوريّاتٍ غير أوروبّيّة كالسلطنة العثمانيّة واليابان؛ وكان أن دمّر المركز الأوروبّي نفسه عبر ما أسمته أوروبّا بالحربين العالميّتين.

إثر ذلك، أدارت الولايات المتّحدة الأميركيّة (أميركا) صراعها مع الطرفين الأوروبّيّين بشكلٍ باهر، فنأت بنفسها في بداية كلا الحربين إلى أن تعادل ميزان القوى بين طرفيهما، ثم دخلت إلى جانب الطرف الأول لتدمير الثاني وحلفائه، ولم تمنع عن الأول تكبُّد خسائرٍ ودمارٍ يَفقد معهما قوّته، كما بقيت بحكم موقعها الجغرافي بعيدةً عن الأذى، وخرجت كمنتصرٍ حقيقيٍّ وحيد؛ فدمّرت القوى الأوروبيّة الصاعدة وحلفائها من الإمبراطوريات غير الأوروبيّة وانتزعت منها مستعمراتها، كما شاركت الإمبراطوريات الأوروبّيّة العريقة المُدمّرة مستعمراتها ومناطق نفوذها، وانتزعت بعضها الآخر، فلم تترك لها إلا ما يخدم الدور الجديد لأوروبّا في عمليّة النهب، وقد فصّلته أميركا تفصيلاً لخدمة تسيّدها وتحويل معظم خطوط النهب من المركز القديم في أوروبّا إليها، فإنزاح المركز الناهب غرباً ليستقر في أميركا.

أما أوروبّا نفسها، التي خرجت من الحرب عاجزة ومدمّرة ومحتلّة، فبقيت القوات الأميركية البريّة والبحريّة والجويّة موجودةً على أرضها وحول شواطئها وفي سمائها، إن بشكلٍ مباشر أو تحت لواء حلف شمال الأطلسي، الذي أسسته هي فشكّلت رأسه وعاموده الفقري؛ كما دعمت أميركا إعادة بناء أوروبّا وأبقت لها دوراً متقدّما في عمليّة النهب واصلةً إقتصادها بالمركز الأميركي، فتحوّلت دولها إلى ضواحٍ للمركز الجديد، كما حال اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهم؛ وذلك لإحتواء الإتحاد السوفييتي، الساعي لحماية نفسه عبر توسيع دائرة نفوذه على حساب هيمنة المركز على أوروبّا والأطراف؛ فكان ما أسمته أميركا بمحاربة “المد الشيوعي” و”الإلحاد” الذي أشركت المؤسّسات الدينيّة فيه، وكانت الحرب الباردة التي إنتهت بتفكيك الإتحاد السوفييتي، وإستفراد المركز بنهب العالم بأسره دون منافسةٍ أو مقاومةٍ تذكر.

ولكن تفكّك الإتحاد السوفييتي، وإن كان الكارثة الجيوسياسيّة الأعظم في القرن العشرين بحسب تعبير الرئيس بوتين، فهو لم يكن نهاية التاريخ كما توقّع فرانسيس فوكوياما، والذي – بالمناسبة – أعطي هالة الأنبياء في أوائل التسعينات بينما يُنظر إليه كأبلهٍ اليوم. لذا فإن تمكّن الصين وروسيا بشكلٍ خاص، من الإفلات من نير الهيمنة والصعود لكسر هيمنة أميركا المطلقة على الكوكب، بالإضافة إلى تمكّن بعض الدول في الأقاليم من الأمر نفسه، سوف يغيّر وجه العالم حتماً (سيكون هذا موضوع مقال لاحق).

قبل أن نخلص إلى الإستنتاجات، نستذكر هنا وبالحزن نفسه، كارثتنا الجيوسياسيّة الأعظم منذ قرون، والتي مازلنا كعرب نعيش آثارها إلى يومنا هذا، ألا وهي قيام أوروبّا بتفكيك السلطنة العثمانيّة، وتقطيع أوصالنا وحبسنا في حدودٍ إستعماريّة وعرقلة تطوّرنا لتسهيل نهب ثرواتنا وغزو أسواقنا؛ حدودٌ رُسمت على مقاس قبائلٍ وطوائفٍ، فلا تقوم فيها إلّا دولٌ كسيحةٌ محكومةٌ بالفقر أو بالضعف أو بالفشل؛ لاسيّما وأن زُرع في قلب عالمنا العربي، وفي نقطة إتصال آسيا بإفريقيا، كيانٌ ذيليٌّ للإستعمار، وظيفته المحافظة على الوضع الأمثل للنهب. كما نستذكر كارثتنا الجيوسياسيّة الأحدث، والمتمثّلة بهزيمة مشروع جمال عبد الناصر، ونقل أنور السادات لمصر، القطب العربي الجامع، إلى الضفّة المعادية، ما أدّى إلى إختلال موازين القوى بشكلٍ فاضحٍ لصالح الناهبين.

خريطة الإستعمار عام 1914

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]عمليّة تدوير الثروة المنهوبة بالقوّة، وإعادة التعريف بحسب الموقع في هرم النهب في العالم[/box]

 

بناءًا على ما تقدّم، فإن الحديث عن المراكمة الأوروبّيّة الأوّليّة لرأس المال، لا يصح في غير إطار ترتيبٍ وتقسيمٍ زمنيٍّ لعمليّة النهب، فعمليّة النهب لم تتوقّف قط، ولم تزل النشاط الإقتصادي الأول في العالم، بل إزدادت فعاليّتها عبر إعتماد إستراتيجيّة الهيمنة؛ وبالتالي، ومن باب التصويب، فإن المراكمة الأولى قد تبعتها مراكمة ثانية وثالثة ورابعة… والعمليّات مستمرّة إلى يومنا هذا؛ لذا فإن أي مقاربةٍ لمسألة المراكمة الأوّليّة في إطار حيازة الأوروبّي على رأسمالٍ ما، وإن بطريقةٍ غير مشروعة، ثم توظيفه إيّاه في بناء إقتصادٍ أوروبّيٍّ صرفٍ قائمٍ بذاته وتطويره، إنّما هي مقاربةٌ لا تستقيم مع إستمرار تدفّق الرساميل المتأتّية من النهب إلى داخل الإقتصاد الأوروبّي؛ وهذا ما يصح اليوم في الإقتصاد الأميركي وتوابعه أيضاً.

كما أن أي مقاربةٍ موضوعيّةٍ ومادّيةٍ للإقتصاد الأميركي والإقتصادات الغربيّة الدائرة في فلك النهب، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تُدرس كموضوعاتٍ مستقلّةٍ كما تفرض المنهجيّة السائدة، التي تتغاضى عن النهب، وتتغاضى كذلك عن الهيمنة التي هي في الأساس الإستراتيجيّة الحديثة المتّبعة للنهب، إنّما أصبحت تنتج أوجهاً وآثراً عديدةً تضاف إلى عمليّة النهب الأصليّة، وهو الركن الصلب الذي تقوم عليه هذه الإقتصادات، وتتعطّل بدونه عجلة إنتاج الثروة فيها، وبالتالي عجلة توزيعها.

وبما أن عمليّة الإنتاج المزعومة للثروة تقوم اليوم على قدرة الناهب على الهيمنة سياسيّاً وثقافيّاً، كما قامت سابقاً على الإحتلال المباشر، وهي قائمة في الحالتين على موازين القوى والغلبة العسكريّة؛ فإن الأصح هو إستبدال مصطلح إنتاج الثروة في تلك الإقتصادات بمصطلح تدوير الثروة المنهوبة بالقوّة، والثروة المنهوبة هنا هي التي تُدوّر بالقوّة، إذ لا يقتصر إستعمال القوّة على عمليّة النهب نفسها، كما تكون القوّة هنا ناعمةً أو بحسب المعنى التقليدي.

أمّا المراحل الأساسيّة التي تمر فيها عمليّة تدوير الثروة المنهوبة بالقوّة، فهي خمسة:

1- تأمين الناهب الخامات بكلفةٍ زهيدةٍ مقارنةً بقيمتها الحقيقيّة مما يقلّل كلفة سلعه ويزيد فائض القيمة.

2- تصنيع المركز لحسابه في دول الأطراف للإستفادة من رخص يد العاملة فيها، حيث أن سبب هذا الرخص هو في نهبه وحروبه التي أدّت إلى فقر وتخلّف تلك البلاد.

3- فرض سلعه كضروراتٍ حضاريّةٍ لا يمكن الإستغناء عنها.

4- قدرته على فتح وتطويع الأسواق لسلعه بصرف النظر عن تنافسيّتها، إن لجهة قيمتها أو لجودتا.

5- إحتكار المركز للمعرفة والتكنولوجيا المهمّة، إن لجهة منع تسرّبها إلى الأطراف، أو لجهة إجهاض محاولات إنتاجها هناك، فيترتّب على ذلك إحتكاره لمجالاتٍ بكاملها.

وبالتالي، وبعد إستعراض مراحل هذه العمليّة، يمكننا أن نخلص إلى تعريفٍ أوسعٍ للنهب، بحيث لا يقتصر على نهب المركز للثروات المادّيّة في الأطراف، وإنّما يتّسع ليشمل – بالترتيب – نهب ثرواتها الماديّة، وطاقاتها البشريّة العاملة، ومذاقها العام، وفرصها في الوصول إلى الأسواق المحلّية والعالميّة، وقدراتها العلميّة، إلخ…

إذن، فإن تعريف فائض القيمة المبسّط، على أنّه الفرق بين قيمة السلعة وكلفة إنتاجها، وأنّه ناتجٌ بالضرورة عن إحتكار الطبقة البرجوازيّة لوسائل الإنتاج، هو تعريفٌ يغفل عدم تكافؤ الفرص بين عمليّة الإنتاج الكسيحة في الأطراف، وبين عمليّة تدوير الثروات المنهوبة بقوّة المركز الذي حجز لنفسه الأفضليّة في كافّة المراحل الخمسة المذكورة عبر النهب والهيمنة؛ وذلك لأن المركز هو المتحكّم الفعلي والوحيد بكلفة الإنتاج نفسها إثر تحكّمه بالأسواق العالميّة، لجهة الخامات ووسائل الإنتاج والإنتاج والتصريف، فيسمح لمن يشاء ويمنع عن من يشاء؛ ممّا أتاح للمركز، بالإضافة إلى هيمنته الثقافيّة، قدرة تحديد القيمة، إمّا مباشرةً أو عبر إتخاذ سلعه كمقياسٍ لتحديدها.

وللدلالة على ذلك، فإن الفارق الواضح بين قيمة سلع Appleوقيمة سلع Huawei، التي تنتمي إلى المستوى نفسه من التكنولوجيا والجودة، إذا ما أضيف إلى الحرب الإعلاميّة والإقتصاديّة والقضائيّة (وكان آخرها الإتهامات بالتجسس وتوقيف إبنة صاحب الشركة في كندا ثم العقوبات الأميركية على الشركة وحرمانها من بعض الأسواق) التي تشنّها أميركا على الشركة الصينيّة، يؤشّر إلى قدرة المركز بالمقارنة مع قدرة الأطراف الصاعدة في مجال التحكّم بالأسواق، وبالتالي التحكّم بفائض القيمة؛ كما أن الفرق الطفيف بين قيمة سلع Apple نفسها وقيمة سلع Samsung، والتي تنتمي أيضا إلى نفس المستوى من التكنولوجيا والجودة أيضاً، يؤشّر في هذه الحالة إلى ما يمكن أن تبلغه شركات الإقتصادات الدائرة في فلك المركز، مع إحتفاظ المركز لنفسه بالصدارة طبعاً.

وبالتالي يكون المتحكم بكلفة الإنتاج وقيمة السلعة، هو المتحكّم الفعلي بحجم فائض القيمة الناتج عن الغلبة، أي قهر المركز للأطراف المنهوبة وللأسواق العالميّة؛ وتكون عمليّة الإنتاج الفعلي للسلعة (كلفة التصنيع) في المركز، أقل حلقات هذه العملية الاقتصاديّة السياسيّة أهمّيّةً، الى درجة تكاد تكون فيها هامشيّة، وخصوصاً إذا ما نظرنا إلى دورها في السياق العام لعمليّة تدوير الثروة المنهوبة بالقوّة.

وبناء عليه، تكون طبقات المركز الاجتماعيّة في الحقيقة متشكّلةً بحسب موقعها في عمليّة النهب والهيمنة، لا بحسب دورها في عمليّة الإنتاج؛ وإن أبسط الأمثلة على ذلك هو في إرتقاء أصحاب شركات النفط في أميركا الى رأس هرم السلطة والمال في العالم أجمع بعد أن تصدّر النفط سُلّم أولويّات المركز الناهب.

واستطراداً، إن ما إصطلح على تسميته طبقاتٍ عاملةٍ في المركز، إنما تتشكّل ممّن هم حقيقةً في أسفل هرم عمليّة النهب في المركز، ولا تتّصل بأي شكلٍ من الأشكال بالطبقة العاملة في بعض الأطراف التي ناضلت بوجه النهب والهيمنة لتحافظ على بعض ٍمن ثرواتها وإنتاجها وأسواقها؛ وإن ما اصطلح على تسميته نضالاً من أجل مكتسبات هذه الطبقة العاملة في المركز، يؤدّي في أحسن الأحوال الى ما يشبه توزيعٍ أقلُّ تفاوتاً بين رئيس العصابة وأفرادها، وفي أسوأ الأحوال إلى حث من هم في رأس هرم النهب والهيمنة على زيادة نشاطهم في الأطراف.

وإن أحداث فرنسا الجارية منذ فترةٍ الآن على سبيل المثال، لا يمكن أن تُقارب من غير خلفيّة صعود رأسماليّات قويّة في الأطراف، وبأدوارٍ ترسمها لأنفسها وفق مصالحها، ومن خارج سياق نهب وهيمنة المركز الغربي الجديد، مما أفقد الأخير توازنه في العالم؛ خصوصاً وأنّه قد أصبح قائماً بشكلٍ بنيوي، بعد إنفراده بالسيطرة على العالم بأسره إبتداءً من أواخر ثمانينات القرن العشرين، على نهب العالم كلّه لا جزءً منه؛ الأمر الذي يُنبئ بإقتراب الإنهيار الحتمي للمركز الحالي، مقابل إنتقال المركز الجديد إلى أقصى الشرق (ولربّما سيعاد تعريف الشرق والغرب من جديد حينها).

وانطلاقاً من هذه الخلفيّة، فإن المركز المتهاوي قد إصطدم بتوابعه على إقتسام المنهوبات، ولم يكن ليحدث هذا الإصطدام لولا أن المنهوبات قد شحّت؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك، التضييق على الشركات الفرنسية والكورية واليابانيّة ذات الثقل في اقتصادات توابع المركز (قضيّة كارلوس غصن مثلا)، وخصوصاً بعد ظهور نزعاتٍ يابانيّةٍ وكوريّةٍ جنوبيّةٍ بالتقرّب من الصين، ونزعاتٍ فرنسيّة وألمانيّة بالاستقلال عسكريّاً عن أميركا؛ فكان أن ارتفعت صرخة من هم في أسفل هرم النهب في فرنسا.

وفي الخلاصة، إن إعادة تعريف الطبقات الاجتماعيّة في المركز، بناءً على قربها من عمليّة النهب والهيمنة، قد أمست واجبةً وملحّةً لفهم حقيقة الصراع في العالم؛ تماماً كما أمست عمليّة إعادة قراءة مجتمعات الأطراف واجبة، وبالإستناد إلى مكوّناتها الحقيقيّة، لا إستناداً إلى ما كتبته أوروبّا عن نفسها وعنّا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

أحدث العناوين

اليدومي ينجح في مغادرة إقامته الجبرية في الرياض

نجح رئيس الهيئة العليا لحزب الإصلاح محمد اليدومي في مغادرة مقر إقامته الجبرية في السعودية. متابعات-الخبر اليمني: وظهر اليدومي  في العاصمة...

مقالات ذات صلة