وباء الترند

اخترنا لك

| ضرار الطيب

ربما كان التضليل الإعلامي يعتمد من قبل على المحتوى، أن تبدو الإشاعة منطقية وتشبه الحقيقة إلى حد كبير.
لكن الآن أصبح الأمر يعتمد بشكل رئيسي على أسلوب النشر.

يستطيع السفير السعودي مثلا أن يوجه ببث خبر مفاده أنه يجري في صنعاء حبس جميع المواطنين في بيوتهم ولا يسمح لهم بالخروج إلا الساعة 11 ظهرا بشرط ان يزحفوا على بطونهم.. قصة رديئة للغاية ومخيطة بصميل، لكن سيتم نشرها على نطاق واسع جدا، وسيشارك في ذلك نشطاء العلامات الزرقاء في تويتر (لسبب غريب يتم التعامل مع العلامة الزرقاء كدليل على أن صاحبها لا يكذب) وسيصر إعلام حزب الإصلاح على أن يتعاطى مع الأمر كحقيقة ثابتة لها جذور تعود إلى ما قبل 250 سنة، وهكذا سيتم صرف النظر عن صحة ومنطقية المضمون والتعامل مع الضجيج نفسه.

الحسابات المزورة مثلا، يفترض أن امرها سهل جدا، لانها واضحة وضوح الشمس، وبوسع الجميع التأكد من صحة ما تنشره، لكن القضية لم تعد تتعلق بما ينشر بل بمجرد النشر.

يكفي أن تنشر، انشر أي شيء وهناك من سيتعاطى معه لأنه نُشر فقط، وهذا طبعا لا يتعلق بالشأن اليمني فحسب، إنه وباء عالمي صنعته وسائل الإعلام الكبرى وأدوات ووسائل تشكيل وتوجيه الرأي العام كمواقع التواصل الإجتماعي والسينما وغيرها وصولا إلى الدراسات والكتب وبيانات وتقارير مجلس الأمن والأمم المتحدة.

وباء يتمحور حول تعويض رداءة الكذبة بحجم انتشارها، حتى يصبح الحديث عن المضامين ومناقشتها نوعا من “نظرية المؤامرة”. والعجيب أنه يتم انتقاد أي شخص يحاول التشكيك بسرديات و”حقائق” هذا الضجيج واتهامه بأن افكاره تنطلق من قوالب جاهزة، هكذا بكل وقاحة.. فتلك السرديات ليست قوالب جاهزة، لأن ضجيجها أعلى!

“الترند” هو أبرز مظاهر هذا الوباء، ويمكن القول إن امبراطورية الإعلام الغربي وامتداداتها في العالم، بكل وسائلها وادواتها تقوم على مبدأ الترند.

لم يكن احد يطيق الشذوذ الجنسي، لكنه أصبح “ترندا” حقوقيا فأصبح النقاش حوله محرما فضلا عن رفضه، و “معاداة السامية” عرفت كتهمة “مشهورة” لا كمفهوم واضح يستطيع الناس مناقشته.

“الإرهاب” نفسه واحد من اكبر وأوسع الترندات التي وجهت وشكلت الراي العام على مستوى الكوكب برغم انه لا يوجد له تعريف دولي رسمي حتى الآن!

اهداف هذا الاسلوب كثيرة، ومن اهمها وضع الفرد أمام ضغط كبير اثناء مواجهة الضجيج، ليشعر انه مخطئ مادام وحيدا، وفي الأغلب لكي يخاف ان يتخذ موقفا مضادا، لأن الضجيج لا ياتي “سلميا” فهناك مواقف وتصنيفات وعقوبات تتعلق به.. قد تصبح إرهابيا، ومعاد للسامية، وفي أخف الحالات، سيقال عنك متخلفا رجعيا وستحرم من حق ان تكون “مثقفا” او “فنانا” او حتى انسانا، فقط لأنك لم توافق على سردية/ “ترند” ما يريدها الغرب ان تكون حقيقة ثابتة غير قابلة للنقاش، وهو الذي يمنح نفسه حق مناقشة كل مقدساتك، (هذا الحق ايضا هو “ترند” آخر اسمه التقدم والحداثة و… الخ)

الحقيقة المؤسفة أن ما يجعل أسلوب الضجيج والترند هذا مجديا هو ان الجمهور تافه، ربما عندما كان الناس أقل تفاهة كان التضليل يعتمد على المحتوى نفسه، لكن أن يتم الاعتماد على الضجيج فقط، فهذا لا يعني سوى ان معظم البشر أصبحوا يعيشون كقطيع، وهذا ما تجد أنه كان مقصودا من خلال فرض وتعميم نظام العمل الرأسمالي/الوظيفة، والتعليم السوقي/ الشهادة.. تبدو كانها نظرية مؤامرة أليس كذلك؟

أحدث العناوين

ماذا ينتظر الاقتصاد العالمي في الخريف وماذا يقول السوق

يمكن أن تكون زيادة التفاؤل في الأسواق المالية، والتي لوحظت منذ منتصف الصيف، خادعة للغاية، تشير العديد من المؤشرات إلى...

مقالات ذات صلة