ماهو أسوأ من الفشل لدى التحالف.. تغيير مجرى التاريخ

اخترنا لك

يحرص قادة الغزو دائما في طريقهم إلى الحرب على إحراز النصر، أو على الأقل إضعاف قدرات الخصم، وتكون أسوأ الاحتمالات لديهم هي الفشل، أما أن يصل الأمر إلى أن تتنامى قدرات الخصم ويتحول من قوة لا تكاد تقوى على الحفاظ على مواقعها إلى قوة ذات تأثير إقليمي ودولي فإن الأمر يتجاوز الفشل سوءا بالنسبة للغزاة، ولا يتعلق فقط بخطأ في الحسابات، بل يكون الأمر أشبه بتحقيق أشياء خارقة.

زكريا الشرعبي-الخبر اليمني:

قبل ثمانية أعوام شكلت السعودية تحالف ضم 17 دولة للحرب على اليمن، جلبت مرتزقة بلاك ووتر وداين جروب والجنجويد السودانيين وجندت قوات محلية بلغ قوامها عشرات الآلاف، ووضعت في الحسابات أن الحرب ستكون “عاصفة” سرعان ما ستقضي على الحوثيين الذين قال عبدربه منصور هادي حينها وهو يجلس على كرسي في مؤتمر الرياض آواخر مايو 2015م إنهم لا يشكلون 10% من سكان محافظة صعدة.

لم يكن قد مضى على وصول أنصار الله إلى صنعاء 7 أشهر حين بدأت الحرب، ولم يكن بيدهم من الدولة أكثر من “عَلم” قال هادي في أحد خطاباته إنه هو كل ما تسلمه من صالح إبان ثورة الحادي عشر من فبراير 2011م، وكان من الممكن لحرب كهذه تشن اسميا ضدهم أن تقضي عليهم وأن تصل بمدرعات التحالف إلى صنعاء..هكذا على الأقل كانت حسابات التحالف، لكن التحولات المفاجئة هي تلك التي تكون خارج الحسابات.

أدت الحرب إلى التفاف شعبي واسع حول حركة أنصار الله، ورغم استمرار المعوقات أمامهم وإحاطة الحرب بهم من كل الجهات إلا أنهم استطاعوا ترتيب الصفوف وحشد الجهود الشعبية وتنظيمها،والقتال بعقيدة لا تستند على فوارق القوة المادية، كما امتلكوا الإرادة على البناء في ظل التحديات.

يقول روبرت مالي(المبعوث الأمريكي إلى إيران) في مقال نشره في أغسطس عام 2019م على صحيفة نيويورك تايمز إثر زيارة قام بها إلى صنعاء بصفته مديرا تنفيذيا لمجموعة الأزمات الدولية:تعرف قيادة الحوثيين كل هذا – العداء الشعبي تجاه التحالف الذي تقوده السعودية ؛ السيطرة الرائعة التي حققتها الحركة – وتجد مبررات أخرى للثقة بالنفس. يشعرون أن الوقت في صالحهم. على الرغم من الفوارق العسكرية الهائلة ، فقد وقفوا في وجه تحالف من الدول الغنية القوية التي يدعمها ويسلحها الغرب”..”من المرجح أن يكون الحوثيون أقوى ، والمعارضة أكثر تفككًا”.

كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أعلن قبل هذا بعام أن بلاده قادرة على اجتياح صنعاء في يوم واحد، مبررا عدم اتخاذ هذا الخيار باعتمادهم استراتيجية النفس الطويل، لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح أيضا، ليس فقط لأن التحالف والقوى الموالية له دخل في مرحلة التفكك، ولكن لأن صنعاء كانت أيضا تعمل باستراتيجية النفس الطويل في القتال، وبالتوازي مع ذلك تبني قوتها وقدراتها بشكل متسارع، حتى إن العام 2019م مثل نقطة تحول حددت بشكل واضح معالم الحرب.

يقول المؤرخ الكندي جوين داير في مقال نشرته صحيفة “هاميلتون سبيكتيتر” الكندية إثر استهداف صنعاء لمنشأتي بقيق وخريص النفطيتين وتنفيذ عملية “نصر من الله” على الحدود مع السعودية:

تنتهي بعض الحروب بالنصر ، لكن مثلها تنفجر في حالة من الإرهاق. يبدو أن الحرب في اليمن ، التي بدأت الآن في الخامسة من عمرها ، من المرجح دائمًا أن تنتهي في الفئة الثانية ، وقد يكون الوقت قريبًا جدًا.

السعوديون رغم  احتكارهم للقوة الجوية ، التي مكنتهم  من قصف أي شيء يتحرك (بما في ذلك عدد غير محتمل من حفلات الزفاف)، ورغم أن تحالفهم  من الديكتاتوريات والممالك العربية ، من مصر إلى الإمارات العربية المتحدة ، يمنحهم قوات كبيرة على الأرض، إلا أنهم ما زالوا لا يستطيعون الفوز.

ويضيف المؤرخ الكندي: المملكة العربية السعودية لن تفوز أبدًا،  فبعد خمس سنوات من الحرب ، لا يزال الحوثيون يسيطرون على ثلاثة أرباع السكان ، ولهم على الأرجح دعم شعبي واسع ، والتحالف المناهض للحوثيين ينهار. الفائزون واضحون ، وقد حان الوقت لإيقاف الحرب.

لقد كانت نقطة التحول هذه بحسب تقرير لمؤسسة جيمس تاون ناتجة عن عدة أسباب أولها استخفاف التحالف بقوات صنعاء، وما اعتمدته صنعاء من استراتيجيات أمنية وعسكرية، ما حققته من أمس واستقرار، واحترامها للسكان أيضا.

يقول التقرير  “الحوثيون طبقوا هذه العوامل  على نطاق واسع ويضاعفونها بذكاء بشري متفوق ومعرفة حميمة بالتضاريس الجبلية الرهيبة شمال غرب اليمن،  وبهذه العوامل وإضافتهم تكنولوجيا الطائرات بدون طيار والصواريخ، إلى المعادلة، أصبحوا  قوة هائلة”، ويضيف التقرير الذي نشر في يونيو 2020م “ذكاء الحوثيين في التكتيكات العسكرية كان مهما، بالإضافة إلى نشاطهم الاستخباراتي العسكري، والأمني،كان أيضا من أهم عوامل النجاح، كما لفت إلى أهمية اعتماد الحوثيين على الكفاءة في اختيار القيادات العسكرية، ويعطون قيمة كبيرة للتعلم من القاعدة إلى القمة وتركهم المجال الأوسع مفتوحا أماما الذين يمتلكون المهارات والمواهب التي تتطلبها الحركة وحلفاؤها”.

 

قوات أمنية وعسكرية هائلة..الفينيق ينهض من تحت الرماد

على الرغم من هذا التحول في موازين القوى بين صنعاء والتحالف، وما حققته صنعاء من مكاسب ميدانية وإرساء لقواعد اشتباك جديدة على أساس توازن الردع عبر صناعة وتطوير الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، إلا  ما أظهرته في العروض العسكرية خلال الأيام الماضية لوحدات الجيش والأمن بأحجام كبيرة، كان ولا يزال مذهلا، إذ أن الطبيعي أن تتناقص أعداد القوات بعد ثمانية أعوام من الحرب لا أن تنمو وتصبح جحافل جيش متكامل.

هذه التحولات تعكس مشاهد فشل التحالف لكن كما يقول الصحفي ضرار الطيب: عندما يرى التحالف مشاهد فشله في اليمن فهو لا يرى بوضوح هزيمته فقط، بل ايضا حتمية صعود قوة جديدة لم يكن يتوقعها. وهذه ببساطة حالة فقدان كامل للسيطرة على الأمور. ان تفشل شيء مهين، لكن ان تتسبب أثناء فشلك بتغيير مجرى التاريخ عكس مصلحتك فهذا شيء آخر مروع.. ومهين أيضا.

 

أحدث العناوين

Riyadh Fails to Establish Direct Contact with Sana’a

Diplomatic sources revealed that the Saudi authority requested, through mediators, to organize contact between the leadership in Riyadh and...

مقالات ذات صلة