إسرائيل ابنة الكذبة لا تستمر في إلبقاء إلا بقتل الحقيقة

اخترنا لك

| د. هاني الروسان

إسرائيل التي ولدت قصرا في لحظة عابرة من تاريخ الانكشاف العربي، بقيت كيانا بلا جذور، ولم تستطع يومًا أن تثبت صلتها بالأرض الفلسطينية إلا بالكذبة والدعاية والادعاء، ولن تستمر الا باستمرار قتل الحقيقة. فحين عجزت في اللحظة الحاسمة عن تقديم أي سند تاريخي أو أخلاقي او ديني لوجودها في فلسطين، اتجهت نحو الإعلام ليخلق لها وطنًا من التصورات والصور والكلمات والاساطير بدل الخرائط المحفورة في مسار تشكل التاريخ. وقبل أن ترتكب أول مجزرة لها ضد اهل الارض، كانت الآلة الإعلامية قد صنعت فصول رواية الزيف والاكاذيب، وقبل أن تُرفع أول راية لها فوق الأرض الفلسطينية، كانت الأسطورة قد استولت بل واستوطن في عقول الملايين في الغرب الواعي الساذح. ومنذ تلك اللحظة، ومن ذلك الالتباس بدأ سر عدوانيتها وعدائها للكلمة الصادقة وللإعلام بغير يديها، الاعلام السلاح الذي قد يكشف الزيف ويفرق بينه وبين الحقيقة، حيث الرسالة الأكثر رعبا و تخافها إسرائيل هي الحقيقة.

من هذا الالتباس ومنذ النكبة عام 1948، بدأت ماكنة تصيد الحقيقة وقتل ناقيليها فلم يتوقف استهداف الصحفيين. قُتل المصورون والمراسلون أثناء تغطيتهم للمجازر في دير ياسين وكفر قاسم واللد والرملة. وفي لبنان 1982، حاولت إسرائيل خنق الكلمة بمنع الصحفيين من تغطية مجازر ما بعد مذابح الحرب الكونية الثانية، في صبرا وشاتيلا، وقصفت وسائل الإعلام اللبنانية مباشرة. وخلال الانتفاضات الفلسطينية، أصبح استهداف الصحفيين واصابتهم مباشرة روتينًا يوميًا، ولم يكن هناك مأمن لمن يحمل الكاميرا أو القلم. وها هي اليوم، في حرب غزة الأخيرة، تصنع أكبر مجزرة ضد الإعلاميين في العصر الحديث.

لقد أصبحت غزة فعلا مقبرة للصحفيين فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، استشهد أكثر من 240 إعلاميًا فلسطينيًا، من بينهم أسماء من مثل أنس الشريف ومحمد القريِّعة وإبراهيم زاهر ومؤمن عليوة ومحمد نوفل ومحمد الخالدي، الذين اغتيلوا أمام مستشفى الشفاء في أغسطس /اوت 2025، لتخضب دماؤهم تراب غزة وتروي قصة وحشية ممنهجة. لم يكن اغتيال حسن صليح في مستشفى ناصر بخان يونس، أو حسام شبات ومحمد منصور ومراسلي تلفزيون فلسطين والجزيرة والعربية والغد وفلسطين اليوم وغيرها من وسائل الاعلام الاخرى مجرد حوادث صنعتها الصدف او الاخطاء في التقدير، بل كانت وفق استراتيجية صارخة لقتل الحقيقة في محاولة يائسة للمحافظة على بقايا الرواية الاسرائيلية المتهالكة التي حولها اعلام الحق والحقيقة الى بقايا اشلاء، ورسالة واضحة تقول إن اسرائيل لن يتردد في قتل أي من يكشف الحقيقة. آية خضورة التي قُتلت مع عائلتها، وسمر أبو دقة، وغيرهم، لم يكونوا مجرد أسماء، بل شهادات على أن إسرائيل تخوض حربًا وجودية ضد الحقيقة نفسها.

ولم يقتصر الأمر على القتل المباشر للصحفيين، بل امتد الحقد والرعب الصهيوني إلى تدمير المكاتب الإعلامية، حيث شمل القصف المتعمد مراكز وكالات عالمية، واستهدف المباني التي تحتوي على كاميرات وميكروفونات، هذا فضلا عن إرهاب عائلات الصحفيين. هذا العداء الاسرائيلي للاعلام ليس عداء عارضًا او ديانة لفئة بعينها، بل جزء مما يسمى باستراتيجية إسرائيل الوجودية.

فالإعلام الحر يمثل تهديدًا وخطرا أشد من خطر أي دبابة أو صاروخ، فالصورة الحية للدمار والقتل المباشر تكشف أكاذيبها وزيف ادعاءتها وتهافت رويتها وزعمها بالانتماء الى ” مركزية التحضر الاوروبي”.

إسرائيل تعلم جيدا أن صورة طفل يخرج من تحت الركام أو صورة لجثث ابرياء في الشوارع تكشف أكاذيبها أكثر من أي بيان سياسي أو لجنة تحقيق دولية. وكل تقرير حي من غزة يهدم جدارا من جدران دعايتها. لهذا فاسرائيل  تعتبر الصحفي خصمًا وجوديًا، والكلمة الحرة صاروخًا عابرا. فهي لا تحارب الفلسطينيين فقط، بل تحارب التاريخ، والذاكرة، والضمير الإنساني.

ولو عدنا قليلا إلى التاريخ، فاننا سنرى نمطًا ثابتًا في سياسات اسرائيل العدائية ضد الاعلام من النكبة، إلى الانتفاضات، إلى حرب لبنان 1982، إلى حرب غزة 2008، و2014، وصولاً إلى أكتوبر 2023، كل الصحفيين الفلسطينيين والدوليين كانوا أهدافًا مباشرة. وكل محاولة لتغطية الحقيقة قابلتها إسرائيل بالقصف، والتهديد، والاغتيال، والتشويه الإعلامي. فهي تعي أن الإعلام المستقل قادر على تفكيك روايتها الكاذبة بسرعة أكبر من أي محكمة أو ضغط سياسي.

ولكن ولسوء طالع اسرائيل فان المفارقة المدوية تؤكد في كل حدث أن كل تصعيد اسرائيلي بعدائها للاعلام يكشف هشاشتها اكثر فاكثر، فهذا الكيان الذي يعيش على الكذبة، فانه كلما حاول قتل الحقيقة، زاد انكشافه وتأكد ضعفه. فدماء الصحفيين، وصورهم، وتقاريرهم، وشهاداتهم الحية، كل ذلك صار أقوى من كل أسلحتها. وكل شهيد يسقط يحمل رسالة للعالم أن الكلمة الحرة لن تموت، وأن الرواية الإسرائيلية معرضة للانهيار مهما بلغت آلة القتل من ضخامة.

وفي النهاية، حرب إسرائيل على الإعلاميين هي اعتراف صريح بأن هذا الكيان لا يملك سندًا حقيقيًا للبقاء. وكلما سقط صحفي فلسطيني، ارتفع صوت الحقيقة، وكلما حاول الاحتلال إسكات الكلمة الحرة، ازداد حضورها في ذاكرة الإنسانية. الدم الذي يسيل من الصحفيين الفلسطينيين ليس هباءً، بل شهادة على أن الرواية الزائفة ستسقط، وأن الكلمة الأخيرة دائمًا ستكون للحقيقة، لا للمحتل.

 

أستاذ الاعلام في جامعة منوبة

أحدث العناوين

واتساب تُعزز أمان الخصوصية بميزة مراقبة نشاط الأجهزة المتصلة

تعمل منصة التراسل الفوري "واتساب" على تطوير ميزة أمان مبتكرة ضمن تحديثاتها التجريبية لنظام "أندرويد". متابعات- الخبر اليمني : تهدف هذه...

مقالات ذات صلة