واشنطن و”تل أبيب”: مأزق الخيارات!

اخترنا لك

| غسان ملحم

ليس من السهل توصيف الوضع الراهن (الستاتوكو)، لا في المنطقة، ولا حتى في البلد. فالحرب لم تنتهِ بعد. وحالة الحرب لا تزال قائمة، من زاوية القانون الدولي، وحتى تاريخه. والهدنة المؤقتة تبقى هشة، في إشارة إلى وقف إطلاق النار بين أميركا و “إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، وكذلك وقف إطلاق النار – مع التحفظ على تبني مثل هذه العبارة – بين “إسرائيل” ولبنان.

من هنا، يمكننا الإضاءة على احتمالات عدة، تفتح الباب وتفسح المجال أمام مسارات عدة، لدى محاولة تقدير الموقف وتحديد الوضعية لاستشراف المستقبل.

الاحتمال الأول: هو احتمال عودة الحرب مجددًا، بقوة وبعنف، بمعنى الحرب المفتوحة، إن كان من قبل أميركا، ومعها “إسرائيل”، على إيران، أو كان حرب “إسرائيل” على لبنان، وليس حزب الله في لبنان فحسب، أي على الصعيد الإقليمي، وعلى الصعيد المحلي بالتبعية.

ولكن هذا السيناريو مكلف بالتأكيد، هو مكلف للجميع: الأميركي والإسرائيلي، وكذلك الإيراني واللبناني، كما الخليجي والأوروبي. قد تكون نتائج مثل هذه الحرب كارثية، بل أكثر كارثية، وربما لا تُحتمَل أو لا تُطاق، بالنسبة للفاعلين المنخرطين فيها أو الضالعين بها، إن من الزاوية العسكرية، أو من الزاوية الاقتصادية.

الاحتمال الثاني: هو احتمال الذهاب نحو خفض التصعيد، أو بالأحرى تخفيض مستوى التصعيد والتقليل من حدته، سواء بين أميركا وإيران، أم بين “إسرائيل” والمقاومة في لبنان. هذا الاحتمال هو غير مجدٍ، وربما يبدو من خارج السياق. فقد انحسرت الحرب العسكرية، ولا سيما بين واشنطن و “تل أبيب” من جهة، وطهران من جهة أخرى؛ ولكن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية من قبل أميركا، في مقابل إحكام السيطرة على المضيق البحري من قبل إيران، هما شكل من أشكال التصعيد، بل التصعيد الخطير، بدل القصف الجوي في مقابل القصف الصاروخي.

يبقى احتمال خفض التصعيد غير مرجح إلى حينه، أو غير مرتفع وغير متقدم، ذلك أنه قد يؤدي إلى تآكل ما قد تحقق، أو لنقل ما استجد، على المعادلات والتوازنات وقواعد الاشتباك وقواعد اللعبة.

الاحتمال الثالث: إنما هو احتمال التراجع من جانب أميركا، وربما من جانب “إسرائيل” معها، أو لنقل بالأحرى من قبل أميركا أولًا، ثم من قبل “إسرائيل” من بعدها ثانيًا، والمقصود هنا هو قرار الانسحاب، بمعنى الخروج من هذه الحرب، ولا سيما الحرب على جبهة إيران، أكثر منها الحرب على جبهة لبنان.

إلا أن مثل هذا القرار وهذه الخطوة يعنيان الخسارة، ولا شيء آخر سوى الإعلان عن مثل هذه الخسارة من قبل كل من الأميركي، كما الإسرائيلي، أو الأميركي، ومن ثم الإسرائيلي، في حرب هي عبارة عن تهديد أو خطر وجودي بالنسبة إلى “تل أبيب”، بينما هي عبارة عن صراع على النفوذ في الشرق الأوسط بالنسبة إلى واشنطن.

وبهذا المعنى، فإن هذا السيناريو المحتمل أو المفترض هو غير واقعي وغير منطقي، لأنه خاسر، ويؤدي إلى تبديد المزيد، بل الكثير، من الوقت والمجهود الحربي، بصرف النظر عن شخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

الاحتمال الرابع: هو احتمال استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، أقله من تاريخه وحتى إشعار آخر، لكن ليس إلى أمد طويل أو مدى بعيد. حينذاك، هو احتمال قاتل، بحال طال أمد هذه المراوحة السياسية والعسكرية من جراء استمرار مثل هذا الستاتوكو القاتل، غير الحاسم وغير الواضح الملامح والمعالم. قد يستمر هذا الوضع على ما هو عليه الآن على المدى القصير أو الأمد القريب، وذلك إلى حين نضوج الأجواء الدولية والإقليمية في باكستان وتوفر أو تحقق شروط التسوية ما بين أميركا وإيران هناك، حيث تتصرف “إسرائيل” بشيء من الأريحية في جنوب لبنان، لا في كل لبنان، ولا سيما عمق لبنان، بانتظار الانفراج أو الانفجار!

ثمة مأزق على خط الخيارات لدى كل من واشنطن و “تل أبيب” من ضمن السياقات وعلى ضوء المسارات في المنطقة والعالم. وعليه، ثمة استعصاء في هذه اللحظة. فكل الاحتمالات والخيارات والرهانات والاتجاهات ليست جيدة، أو بالأحرى ليست مفيدة، بميزان الحسابات والتقديرات والتوقعات.

ما يفسر حالة المراوحة السياسية والحربية، صعوبة وبطء المحادثات والمراسلات الدبلوماسية، والارتباك والتخبط بالأعمال والعمليات العسكرية، بالنظر إلى ضعف أو عدم قدرة الحسم العسكري في الميدان، ولا حتى الحل السياسي – الدبلوماسي!

المصدر: “الميادين نت”

* رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية

أحدث العناوين

Yemen shatters American deterrence twice: How did Sana’a win the Red Sea battle?

Yemen has achieved an unprecedented feat in contemporary history, in a scene that redefined the balance of power in...

مقالات ذات صلة