أبو بيروت:
يعيش العالم في عام 2025 مخاضاً عسيراً ينبئ بولادة نظام دولي جديد على أنقاض التوازنات التي سادت لعقود. لم تعد نذر الحرب العالمية مجرد تحليلات متشائمة، بل باتت واقعاً ملموساً يتجسد في سباق تسلح غير مسبوق، وحروب اقتصادية وسيبيرانية طاحنة، وتحولات جيوسياسية تعيد رسم حدود القوى من شرق آسيا إلى أدغال أفريقيا وصولاً إلى قلب أوروبا.
آسيا: طبول الحرب وصعود القوى النووية
تتصدر بكين المشهد بإصرارها على حسم ملف تايوان؛ حيث تتبع الصين استراتيجية “الخناق المتدرج” عبر حصار اقتصادي خانق وضغوط عسكرية متواصلة لضم الجزيرة للبر الرئيسي. هذا التوتر دفع اليابان إلى تخطي محظوراتها التاريخية، حيث تتوجه الحكومة الجديدة بخطى ثابتة نحو دخول “النادي النووي” وتطوير برنامج تسليحي ضخم لمواجهة ما تصفه بالتحرشات الصينية.
أوروبا: العودة إلى زمن الثكنات
في القارة العجوز، استيقظت ألمانيا على واقع أمني جديد، حيث فعلت صفارات الإنذار في مختلف مدنها وزادت ميزانية التسلح بشكل غير مسبوق تحسباً لصدام مباشر. يأتي ذلك في ظل استمرار روسيا في استنزاف أوروبا عسكرياً واقتصادياً عبر حربها في أوكرانيا، ساعية لاقتطاع ثلث الأراضي الأوكرانية وتثبيت واقع جغرافي جديد. وفي الداخل الأوروبي، تشتعل منافسة صامتة بين باريس وبرلين على قيادة القارة، خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في مستعمراتها السابقة.
أفريقيا وفنزويلا: معارك الموارد والثروات
لم تعد أفريقيا ساحة نفوذ فرنسي، بل تحولت إلى ملعب لروسيا التي تعزز نفوذها الأمني والعسكري (عبر مجموعات التعاقد العسكري) في مناطق النزاع. وفي المقابل، تتجه الأنظار نحو أمريكا اللاتينية، حيث تشير تقارير إلى تحضيرات أمريكية للتدخل في فنزويلا للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي ومناجم الذهب والمعادن النادرة، في محاولة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الديون المتراكمة، استكمالاً لسياسة “تخفيف الأعباء” التي بدأها ترامب تجاه حلف الناتو ومطالباته المالية من الحلفاء.
الشرق الأوسط: انحسار مشاريع وبزوغ أخرى
يشهد الإقليم تحولاً دراماتيكياً؛ فبينما يتمدد المشروع التركي عسكرياً في سوريا وليبيا وقطر، يبرز الجيش التركي كلاعب محوري وقوة مرشحة لقيادة قوات حفظ السلام في غزة بعد المصالحة مع الأكراد. وفي المقابل، تواجه إسرائيل أزمات داخلية وتحديات عسكرية في غزة ولبنان أدت إلى اهتزاز صورتها الردعية.
إيران من جهتها، أثبتت قدرة عالية على الصمود أمام العقوبات، مرّممةً قدراتها عبر تحالف استراتيجي مع روسيا وتقارب مع الصين والسعودية، لتعزز دورها الإقليمي كلاعب لا يمكن تجاوزه.
#المشروع العربي والمقاومة: بوصلة نحو صنعاء
وسط غياب المشروع العربي الرسمي التقليدي، تبزغ قوى المقاومة والنخب الوطنية كبديل قادر على فرض الوجود. وتبرز “صنعاء” في هذا السياق كرافعة للمشروع العربي المستقبلي، مستغلةً حالة الاسترخاء في القبضة الأمريكية وتفكك الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني، لتشكل نواة لالتفاف شعبي عربي جديد.
الخاتمة: حرب شاملة بأدوات حديثة
إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد صراعات حدودية، بل هي “حرب عالمية بتمظهرات حديثة”. فإذا لم تنفجر المدافع بشكل شامل بعد، فإن الحروب الاقتصادية، السيبيرانية، وحروب الطاقة قائمة بالفعل، وهي كفيلة بإعادة هيكلة القوى العالمية وتحديد من سيقود القرن الحادي والعشرين.


