قرارات الكابينت: تهجير الفلسطينيين وتهديد الأردن

اخترنا لك

| د. معن علي المقابلة*

صادق المجلس الوزاري الصهيوني المصغّر (الكابينت) على حزمة قرارات تمثل تصعيداً غير مسبوق في مسار الضم الزاحف للضفة الغربية، وتسريع الاستيطان، وتقويض الوجود الفلسطيني قانونياً وإدارياً، في خطوة لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تضرب في عمق الأمن القومي الأردني، وتعيد إحياء أخطر مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، والمتمثل في فرض “الوطن البديل” وتحويل الأردن إلى حل ديموغرافي وأمني للصراع.

 وتشمل هذه القرارات رفع القيود عن بيع الأملاك الفلسطينية للصهاينة، والسماح بالهدم داخل مناطق السيطرة الفلسطينية، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي وبيت لحم إلى سلطات الاحتلال، في انتهاك صارخ لاتفاقيات أوسلو، وتمهيد عملي لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، ودفعهم نحو الهجرة القسرية، وفي مقدمتها الاتجاه شرقاً نحو الأردن. وفي بيان مشترك، وصف وزيرا الدفاع والمالية الصهيونيان، يسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش، هذه القرارات بأنها دراماتيكية، لأنها تغيّر الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية.

غير أن هذا التغيير لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتجفيف مقومات بقائه، وتحويل الصراع من قضية احتلال إلى مسألة سكانية يتم تصديرها إلى دول الجوار.

إن إلغاء القوانين الأردنية التي كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، لا يشكّل إصلاحاً قانونياً كما يدّعي الكيان، بل يفتح الباب واسعاً أمام السيطرة المنظمة على الأرض الفلسطينية، ويضع الفلسطينيين تحت ضغط اقتصادي وأمني هائل، ينتهي بتهجيرهم القسري أو شبه القسري.

وهذا المسار، في جوهره، يشكّل الأساس العملي لمشروع “الحل الأردني” الذي يسعى إلى تفريغ الضفة الغربية من سكانها وتحميل الأردن العبء الديموغرافي والسياسي للصراع. أما نقل صلاحيات البناء في الخليل، وفصل محيط قبر راحيل عن بلدية بيت لحم، فيعكس توجهاً لتقسيم المدن الفلسطينية على أسس استعمارية جديدة، وخلق كيانات يهودية مستقلة داخلها، بما يؤدي إلى خنق الوجود الفلسطيني، وتحويله إلى جيوب معزولة غير قابلة للحياة، في سياق يهدف إلى كسر الصمود ودفع السكان إلى الرحيل.

 وتكشف تقارير الاحتلال أن هذه القرارات لم تمر عبر الحكومة كاملة، بل جرى تمريرها عبر الكابينت فقط، لتجنب أي تبعات سياسية أو قانونية دولية، وتسريع فرض الوقائع على الأرض قبل أي استحقاقات قادمة. وهي قرارات تتعارض بشكل مباشر مع “اتفاق الخليل”لعام 1997، وتعلن عملياً نهاية أي التزام صهيوني بحل الدولتين. ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن موقع الأردن ودوره.

 فنجاح مشروع التهجير من الضفة الغربية لا يعني فقط تصفية القضية الفلسطينية، بل يشكّل تهديداً مباشراً للبنية الديموغرافية الأردنية، واستقراره الاجتماعي، وأمنه الوطني، عبر تحميله نتائج صراع لم يكن يوماً طرفاً في إشعاله. من هنا، يصبح الأردن هدفاً غير معلن لهذه السياسات، وليس مجرد متأثر جانبي بها.

 وفي مواجهة هذا المسار الخطير، بات على الأردن أن يتحرك في ثلاثة اتجاهات متوازية ومتكاملة، مرتبطة مباشرة بإفشال مشروع الوطن البديل. الاتجاه الأول هو المسار الدولي–القانوني، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، وملاحقة سياسات الضم والاستيطان، وفضح مشروع التهجير بوصفه جريمة سياسية وأمنية عابرة للحدود.

 أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في دعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة، بما يعزز بقاء الفلسطينيين على أرضهم، ويُسقط الرهان الصهيوني على تفريغ الضفة الغربية وتحويل الأردن إلى ساحة امتصاص للأزمة. ويتمثل الاتجاه الثالث في تمتين الجبهة الداخلية الأردنية من خلال إصلاحات سياسية حقيقية وشاملة، تعزز المشاركة الشعبية، وتُحصّن المجتمع من الضغوط الخارجية، وتمنح الدولة قوة داخلية قادرة على مواجهة أخطر المشاريع التي تستهدف هوية الأردن ودوره ومستقبله.

في الخلاصة، ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل مشروعاً إقليمياً لتغيير الخرائط السكانية والسياسية، تكون فيه فلسطين بلا شعب، ويُدفع الأردن قسراً ليكون “الحل”. والتصدي لهذا المسار لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.

*كاتب أردني

أحدث العناوين

إمساكية 24 رمضان 1447 – 2026

امساكية شهر رمضان الكريم في صنعاء وعدن وحصرموت والمهرة متابعات- الخبر اليمني : صنعاء عدن حضرموت المهرة الفجر 05:02 05.04 04:41 04:24 الشروق 06.06 06:08 05:52 05:48 الظهر 12:15 12:11 11:55 11:38 العصر 03:35 03:30 03:14 03.00 المغرب 06:20 06:11 05:56 05:37 العشاء 07:20 07:17 06:00 07:07  

مقالات ذات صلة