مع دخول المواجهة شهرها الثاني، أصبحت النتائج العكسية هي المشهد الرئيسي للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث عكست محرقة الطائرات العسكرية المأهولة لسلاح الجو الأمريكي حقيقة تحول الحرب إلى مستنقع يمثل استمرار البقاء فيه “انتحارا” فضلا عن الغرق فيه أكثر من خلال التصعيد، وقد بدأت بعض تلك النتائج العكسية تتخذ شكل تحول جيوسياسي ثابت وطويل الأمد لصالح إيران وجبهة المقاومة، كما هو الحال مع أزمة مضيق هرمز، وهو ما يبدو أن الأمريكيين يدركونه، لكنهم لا يملكون الحل لتغييره، فالتهديدات التي أطلقها ترامب من أجل فتح المضيق، لا تدفع إلا نحو نتائج عكسية إضافية.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
وفي ظل تكامل الدور الذي تلعبه جبهات لبنان والعراق واليمن مع الجبهة الإيرانية، والذي يوفر سيطرة متماسكة على إيقاع ومشهد المواجهة، فإن استمرار الحرب وتصعيدها يدفع نحو تضييق طريق الخروج أمام الأمريكيين والصهاينة، وفرض شروط جبهة المقاومة بشكل أكبر، وهو ما يبدو أنه سيكون عنوان المرحلة القادمة من القتال.
هاوية الفشل المتسلسل:
بعد شهر من الابتعاد المستمر عن الأهداف الرئيسية للعدوان، بسبب فاعلية الموقف الإيراني، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد وصلتا إلى حافة خططهما الاستراتيجية ولم يعد أمامهما سوى السقوط الحر في نتائج وتداعيات الفشل المتسلسل.
هذا ما أظهرته الأيام الأولى من الشهر الثاني للمواجهة، والتي شهدت تطورا هائلا لارتدادات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، عندما نجحت إيران في إسقاط مقاتلة أمريكية من طراز (إف-15) داخل الأراضي الإيرانية، الأمر الذي فتح بوابة واحد من أسوأ سيناريوهات النتائج العكسية، وهو وقوع جنود أمريكيين (طيارين) في الأسر.
من أجل تجنب هذا السيناريو، لجأت القوات الأمريكية إلى التضحية بنحو 9 طائرات عسكرية إضافية “مأهولة”، حيث أسقط الإيرانيون في اليوم الأول مقاتلة (إيه -10) أثناء مشاركتها في جهود البحث والإنقاذ، واعترف مسؤولون أمريكيون بأن مروحيتي (بلاك هوك) يُزعم أنهما أنقذتا الطيار الرئيسي، تعرضتا لنيران إيرانية مباشرة أدت إلى تضررهما وإصابة عدد من الجنود الذين كانوا على متنهما، فيما تحولت محاولة إنقاذ ملّاح المقاتلة، بعد يومين، إلى محرقة لسلاح الجو الأمريكي، حيث دُمرت ست طائرات إضافية، اثنتين من نوع (إم سي- 130) للنقل العسكري، وأربع مروحيات من طراز (إم إتش -6 ليتل بيرد)، وفقا لاعترافات مسؤولين أمريكيين.
أقر المسؤولون الأمريكيون بأنهم قصفوا بأنفسهم طائرتي النقل والمروحيات الأربع، لأنها تضررت، وقالت القوات الإيرانية إنها استهدفت هذه الطائرات، وإن الأمريكيين لجأوا لقصفها بمن فيها من الجنود والضباط، تجنبا لفضيحة مدوية.
لقد كشفت عملية إسقاط المقاتلة (إف-15) وما تبعها من تطورات عن جملة أمور، الأول: أن استمرار الحرب يعرض الولايات المتحدة وإسرائيل، بشكل مؤكد، لخسارة المزيد من المقاتلات، وبالتالي وقوع طيارين في الأسر أو مقتلهم، فهذه ليست المرة الأولى التي ينجح فيها الإيرانيون في إصابة طائرة حربية أمريكية، إذ تمكنوا في 20 مارس من إصابة مقاتلة من نوع (إف-35) الأكثر تطورا بكثير، وذلك يعني أن مزاعم “تحقيق تفوق جوي أمريكي” و”تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية” مجرد دعاية، والإصرار عليها سيجعل الاصطدام بـ”الواقع القاسي” أشد تأثيرا.
الأمر الثاني: هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الآن في مواجهة اضطراب مزعزع للغاية في ميزان القوة الأساسي المعتمد عليه في الحرب، فبعد انهيار المنظومات الدفاعية وشبكات الرصد والإنذار المبكر أمام الضربات الإيرانية، يمثل فقدان أسلحة الهجوم الرئيسية نكسة هائلة تمنح إيران المزيد من السيطرة على ميدان المعركة، ويجعل “المخرج” الذي يفكر فيه الأمريكيون والإسرائيليون من هذه الحرب أضيق بكثير مما يتوقعونه.
الأمر الثالث الذي تؤكده عملية إسقاط المقاتلة (إف-15) وتطوراتها، هو أن أي مغامرة “برية” ضد إيران، أو محاولة لتنفيذ عملية خاصة خاطفة في العمق الإيراني (للسيطرة على المخزون النووي عالي التخصيب مثلا) ليس محكوم عليها بالفشل مسبقا فحسب، بل ستتحول إلى “كارثة” عسكرية حقيقية بالنسبة للولايات المتحدة.
وقد تحدث مسؤول إيراني عن اشتباه في أن عملية إنقاذ الطيار الثاني ربما كانت غطاء لعملية خاصة حاول الأمريكيون فيها الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب في أصفهان، نظرا لقرب مكان تدمير الطائرات من المنشآت النووية هناك، وبعده عن مكان سقوط مقاتلة (إف-15) وهو ما سيعني أن هذا الخيار قد أثبت فشله وكارثية نتائجه، وبالتالي لم تعد هناك حتى مساحة للمناورة به.
هذه الأمور الثلاثة تعني الفشل الأمريكي الإسرائيلي قد تكامل وأصبح يشمل التقديرات والتكتيكات والأدوات، وبالتالي فإنه لا توجد إمكانية لـ”تصحيح المسار” باعتبار أن الخلل كان في جانب معين من الخطة، أو جزء من المعدات، وبعبارة أخرى: لقد تم تجاوز نقطة إمكانية العودة إلى الأهداف الرئيسية للعدوان، ولو من بعيد من خلال تبني أهداف ثانوية، لأن كلفة استمرار الحرب نفسها قد ارتفعت إلى مرحلة تجعل حتى الاكتفاء بالضربات المتبادلة المعتادة مغامرة، وأما التصعيد فيشكل انتحارا.
إن محاولة تحقيق شيء والفشل في ذلك، ثم التورط في مشاكل جديدة غير مخطط لها والفشل في التعامل معها كما يجب، هي وصفة واضحة للانهيار، وهذه الوصفة لا تظهر فقط بشكل جلي في عملية إسقاط مقاتلة (إف-15) وتطوراتها وما تمثله، بل تظهر أيضا في مشكلة فتح “مضيق هرمز” التي فرضت نفسها كهدف رئيسي جديد للعدوان، بعد سقوط هدف تغيير النظام وتدمير قدراته، ولكن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع هذه المشكلة لا تنطوي على أي حلول، بل على المزيد من المشاكل.
عاد ترامب هذا الأسبوع، وبانزعاج واضح بعد محرقة الطائرات العسكرية، إلى تهديد إيران بقصف منشآت الطاقة والبنى التحتية في إيران، إذا لم يتم فتح المضيق خلال 48 ساعة تنتهي يوم الثلاثاء، وذلك برغم أن تقييمات حديثة صادرة عن الاستخبارات الأمريكية استبعدت أن تتخلى إيران عن ورقة السيطرة على مضيق هرمز في أي وقت قريب لأنها أثبتت فاعليتها في الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد كررت إيران وعيدها باستهداف جميع منشآت الطاقة والبنى التحتية المرتبطة بالأمريكيين والصهاينة في المنطقة في حال تنفيذ تهديد ترامب، وهو ما يعني أن التصعيد الذي يهدد به الرئيس الأمريكي سيفتح ساحة مواجهة بعيدة عن المضيق.
هذا التصعيد سيخلق المزيد من المشاكل، لأن تدمير منشآت الطاقة والمصانع الحيوية في المنطقة سينهي الآمال بالعودة إلى الوضع الطبيعي حتى بعد أشهر من نهاية الحرب، ولن تقتصر الفوضى على أسواق الطاقة فقط، ومن المرجح أن إيران ستفرض سيطرة أكثر صرامة وأطول أمدا على مضيق هرمز.
ربما يعول الرئيس الأمريكي على إيجاد مخرج من الحرب بين أعمدة الدخان التي ستتصاعد في كافة أنحاء المنطقة، على أمل أن الهزيمة الأمريكية لن تكون واضحة بما يكفي وقتها، وربما يقدّر أنه يمكن للجهود والضغوط الدبلوماسية أن تقنع إيران بألا تنفذ ردا عنيفا على تدمير منشآتها حرصا على إبرام صفقة لإنهاء الحرب وتجنب اتساع نطاق الصراع، وربما سيحاول إدارة هذا التصعيد باستهداف جزئي لمنشآت الطاقة الإيرانية من أجل تجنب الإحراج وفي نفس الوقت ضبط الرد الإيراني، وقد يصور ترامب أن سماح إيران لبعض السفن غير المرتبطة بالولايات المتحدة ولا إسرائيل بعبور المضيق، خلال الأيام الماضية، كإنجاز تفاوضي، ليبني عليه استراتيجية الخروج.
على أية حال، فإن نوايا التصعيد تبدو واضحة، وخصوصا لدى الإسرائيليين، وعلى كل الأحوال، فإنه من المرجح أن تقع الولايات المتحدة وإسرائيل مرة أخرى في فخ التقديرات الخاطئة بشأن مآل هذا التصعيد أو درجته، لأن إيران أثبتت في هذا الحرب إصرارا على ألا تترك لأعدائها حتى فرصة لإيجاد أي مخرج لا يناسب موقفها، والآن تدرك جيدا أنها يدها هي العليا في المعركة، وأنها تستطيع فرض شروطها بالقوة.
محاولة إسرائيلية للتموضع بعيدا عن الفشل الأمريكي:
تحاول إسرائيل أن تبقي نفسها بعيدة ظاهريا عن الفشل الأمريكي، وتبدي حماسا واضحا بشأن تهديد ترامب ضد منشآت الطاقة الإيرانية باعتباره فرصة لإلحاق المزيد من الضرر بإيران، بغض النظر عن العواقب، لكن هذا التموضع الانتهازي يعتمد على فكرة أن الحرب ستستمر، وأن الضغط الأكبر سيكون على الولايات المتحدة، بما في ذلك ضغط مساعدة إسرائيل على تحمل كلفة التصعيد.
إن الضربات الإيرانية المستمرة على العمق الإسرائيلي والتي تواكب طبيعة الغارات العدوانية على إيران بشكل واضح من خلال استهداف مصانع ومنشآت إسرائيلية حيوية، لا تزال تضغط بشدة على إسرائيل، خصوصا مع الاستنزاف الواضح للدفاعات الجوية، وهذه الضربات تبقي معادلة “التصعيد بالتصعيد” قائمة بشكل لا يستطيع الإسرائيليون إنكاره.
حتى إن استمرت الحرب فإن وجود الولايات المتحدة لا يخفف مخاطر تعرض إسرائيل لضربات وخسائر أكبر، بل أن تزايد الضغط على الأمريكيين يزيد من خطر تصادم وجهات النظر بشأن سقف الحرب ونهايتها، ولا يزال الإسرائيليون يتحدثون بوضوح عن احتمال أن يلجأ ترامب إلى إبرام صفقة لإنهاء الحرب بشكل مفاجئ وبدون تنسيق كامل مع العدو الإسرائيلي، وهو ما سيشكل معضلة كبيرة للأخير، لأن شروط إيران تتضمن وقف العدوان على لبنان والعراق، ورفض هذا الشرط يحمل مخاطرة بإبرام صفقة تترك إسرائيل وحيدة.
وعلى أية حال فمن الواضح أن إسرائيل قد فقدت آمال تغيير النظام الإيراني وتدمير قدراته، واندفاعها نحو التصعيد واستمرار الحرب، يبدو كمحاولة لاستغلال الولايات المتحدة في إبقاء المجال مفتوحا أمام صناعة أكبر قدر من الدمار في إيران، بحيث تخرج إيران من هذه المعركة أقل تماسكا وقوة مما هي عليه الآن، وأكثر عرضة للاستهداف بأشكال أخرى، كما أن إسرائيل تطمح من خلال استمرار الحرب لدفع دول المنطقة نحو الاصطفاف بشكل أكبر ضد إيران، بما يحقق لإسرائيل مصالح إقليمية متنوعة، مثل موضوع ربط خطوط تصدير الطاقة الخليجية بإسرائيل لتجاوز مضيق هرمز وباب المندب.
بعبارة أخرى: يبدو أن إسرائيل تعلم أن الأمريكيين لن يستطيعوا تحقيق الانتصار، لكنها تطمح في أن “التضحية” الأمريكية، ستوفر فرصا مهمة لإضعاف إيران وتحقيق مكاسب إقليمية على طريق (تغيير وجه المنطقة)، وتعتقد أن مستوى الخسائر التي ستتكبدها لن تصل بسرعة إلى مستوى حرج للغاية.
هذه التقديرات قد تسقط بشكل صادم، في حال استمرار الحرب وتصاعدها، لأن قدرة إيران على الوصول إلى أي مكان في إسرائيل قد تحدث أضرارا غير متوقعة، وسيشكل فقدان مقاتلات إسرائيلية وطيارين في إيران ضغطا قد لا يمكن تحمله، وفي ظل عودة التهديد الاستراتيجي لحزب الله، وانضمام اليمن إلى القتال فإنه لن يكون بإمكان إسرائيل التحكم في تطورات التصعيد، وقد تأتي محاولة حشد الأطراف الإقليمية بنتائج عكسية تحطم الكثير من الطموحات الإسرائيلية إلى الأبد.
إيران تواصل التحدي وتثمير مكاسب الصمود والردع:
اقتحمت إيران الشهر الثاني من المعركة بثقة واضحة، فقد أثبت نظامها الإسلامي خلال شهر كامل أنه عصي تماما على الانهيار أو التفكك تحت أعلى ضغط عسكري، وأثبتت قدراتها العسكرية واستراتيجياتها القتالية نجاحا كبيرا في إسقاط الأهداف الرئيسية للعدوان، ونقل المعركة إلى عمق أراضي العدو ومناطق انتشاره، وصناعة نتائج عكسية ضاغطة للغاية على الأعداء.
هذه التماسك والنجاح الذي استمر بالتجسد من خلال الضربات المستمرة على العمق الإسرائيلي وعلى القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، وتثبيت السيطرة على مضيق هرمز، ظهر أيضا من خلال التكيف السريع مع ظروف العدوان الجوي، حيث أظهرت عمليات إصابة مقاتلة (إف-35) في 20 مارس، وصولا إلى إسقاط مقاتلة (إف-15) هذا الشهر، أن فاعلية الدفاعات الجوية الإيرانية تتزايد بشكل واضح، وهو ما قد يعود إلى إدخال منظومات متطورة في الخدمة، بالإضافة إلى تطبيق تكتيكات دفاعية فعالة، بناء على دراسة العمليات الجوية المعادية خلال الأسابيع الماضية، وقد يتضمن ذلك “الكمائن الصاروخية” التي طبقت في اليمن خلال عام 2025، والتي كادت أن تصيب مقاتلة (إف-35) وتفتك بمقاتلتي (إف-16) حسب اعترافات أمريكية.
إسقاط مقاتلة (إف-15) كان دليلا واضحا على أن الإيرانيين ينجحون في مضاعفة فاعلية مواقفهم القتالي باستمرار، وهو ما يؤكد عدم تأثرهم عسكريا بالعدوان، وينذر بالمزيد من المفاجآت الكبيرة، لأن المعرفة الكبيرة التي باتوا يمتلكونها الآن عن الأسلحة والتكتيكات الأمريكية والإسرائيلية، ستقود إلى تطوير في القدرات والتكتيكات المضادة، وقد حدث ذلك أماكن أخرى مثل اليمن.
ونظرا لأن المستوى الحالي من القدرات والتكتيكات قد منح إيران بالفعل سيطرة كبيرة على المعركة، فإن مؤشرات التطور القتالي تؤكد إمكانية التحكم بمستقبل المواجهة وتوسيع مساحة فرض الشروط على الأعداء.
هذا ما يعكسه تحدي إيران لتهديدات ترامب المتجددة بقصف منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، ورفضها عروض “وقف إطلاق النار”، وتمسكها بنهاية أكثر وضوحا للعدوان تضمن أمن إيران على المدى الطويل وسيادتها على مضيق هرمز، وتضمن وقف الحرب في المنطقة.
تشير العديد من التقارير إلى أن إيران بدأت بالفعل بترسيخ نظام جديد يحكم حركة عبور السفن سواء في أوقات الحرب أو السلم، وذلك بالشراكة مع سلطنة عمان، وقد وافقت خلال الأيام الأخيرة على مرور عدة سفن ليس لها علاقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ورفضت عبور سفن أخرى، وهو ما يعكس تحول المضيق إلى أكثر من مجرد ورقة ضغط متعلقة بالمواجهة الحالية، والحقيقة أن تغييرا كهذا كان سيحدث حتى لو لم تضع له إيران إطارا رسميا، فقد خلقت العمليات البحرية اليمنية خلال معركة طوفان الأقصى “وضعا طبيعيا جديدا” طويل الأمد بالنسبة لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
بعبارة أخرى: لقد أصبح واقع سيطرة إيران على مضيق هرمز أحد النتائج العكسية الرئيسية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، والتي لم يعد بالإمكان إلغاءها، وهو تحول جيوسياسي كبير، يفسر حاجة ترامب الملحة لمعالجة هذه المسألة، ولجوءه إلى ربط تهديدات التصعيد بها.
لكن الإيرانيين يدركون أنهم ليسوا بحاجة لإخضاع سيطرتهم على المضيق لأي مقايضة من أجل التعامل مع تهديدات ترامب، لأنهم ببساطة يملكون ورقة مشابهة تتمثل في ضرب منشآت الطاقة والبنى التحتية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في كامل المنطقة، وهو أمر لا يستطيع الأمريكيون والإسرائيليون التقليل من تأثيره أبدا.
قد يكون هناك تفكير أمريكي إسرائيلي في استغلال الرد الإيراني على التصعيد لدفع دول الخليج مثلا نحو الاشتباك مع إيران، فإن حقيقة عجز الولايات المتحدة عن حماية هذه الدول، والتي باتت واضحة الآن، تشكل عقبة كبيرة أمام هذا المسعى، كما أن اقتصادات دول الخليج لا تتحمل انفجارا إقليميا كهذا، خصوصا إذا اتسع نطاقه إلى البحر الأحمر واليمن وهو أمر مرجح، وعلى أية حال فإن هذا السيناريو، وإن كان يمنح الأمريكيين والإسرائيليين بعض المساحة لالتقاط الأنفاس، فإنه لا يضمن إضعاف إيران، بل قد يزيد قوتها ونفوذها وقدرتها على التأثير الإقليمي.
وعلى أية حال فإن قضايا التصعيد ضد منشآت الطاقة، وفتح مضيق هرمز، هي بعيدة عن الأهداف الرئيسية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وهذا يعني أن الأمريكيين والصهاينة ينزلقون بشكل ارتجالي نوعا ما في حرب متغيرة الأهداف وغير واضحة المعالم الأمر الذي يقلل من سيطرتهم على مجريات الأمور.
وقد مثلت التقارير التي كشفت هذا الأسبوع عن إجلاء آلاف الجنود الأمريكيين من المنطقة بسبب الضربات الإيرانية، تأكيدا على أن استمرار الحرب بشكل عام يدفع نحو مغادرة القوات الأمريكية من المنطقة، وهي نتيجة عكسية أخرى تستطيع إيران أن تحولها إلى وضع طبيعي جديد مع مرور الوقت.
“حزب الله” يفتح مسار عمليات بحرية:
لم تتوقف مفاجآت جبهة “حزب الله” التي تعمّق تداعيات خطأ التقديرات الإسرائيلية بشأنه، وقد شهد هذا الأسبوع تنفيذ أول هجوم على سفينة حربية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية، وهو هجوم هربت وسائل إعلام العدو من إنكاره إلى محاولة تغيير مجرياته، حيث اعترفت بأن الهجوم نجح في إصابة سفينة حربية بأضرار، ولكنها زعمت أن السفينة بريطانية، وهو ما نفته هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، حسب ما نقل مراسل صحيفة “التلغراف”.
بدا أن المزاعم الإسرائيلية تحاول التغطية على التطور الكبير الذي شكله الهجوم، وتحاول في الوقت نفسه استباق السيطرة على الرواية في هذا الميدان من العمليات، تحسبا لاستمرارها، وذلك من خلال تكريس عنوان “تهديد الملاحة الدولية والأمن البحري” بهدف تحشيد قوى أخرى ضد حزب الله.
هذه الضربة عكست قدرة الحزب على توسيع نطاق المعركة و”فتح” مسار عملياتي جديد يضاف على مساري المواجهة البرية، والعمليات الصاروخية والجوية، وهما مساران يعاني فيهما العدو الإسرائيلي بشكل كبير، حيث تتعاظم خسائره البشرية والمادية في ميدان الاشتباك البري بشكل مستمر، ويبدي حزب الله سيطرة كبيرة على وتيرة المواجهات من خلال قدرته الكبيرة على الانتشار والحفاظ على الزخم العملياتي الفعال، من خلال تنفيذ الكمائن القاتلة واستهداف القوات والآليات بأسلحة متنوعة، بما في ذلك المسيرات الإنقضاضية الصغيرة، وتبني تكتيكات عملياتية تقلص الخسائر في المعدات والأفراد (يتم إطلاق الصواريخ من آليات سبق استهدافها عدة مرات)، ويلاحظ أن نسبة وصول الصواريخ والمسيرات إلى العمق الإسرائيلي تزداد مع إنهاك الدفاعات الجوية الإسرائيلية، خصوصا مع تنفيذ عمليات مشتركة ومتزامنة مع إيران والقوات المسلحة اليمنية.
يقول العدو الإسرائيلي إنه مصمم على صناعة منطقة آمنة في جنوب لبنان، لكن ذلك قد يعني التورط في حرب طويلة تتراكم فيها الخسائر بشكل كبير، في ظل حرب إقليمية متعددة الجبهات، وحتى النجاح في تحويل بعض المناطق الحدودية إلى مناطق غير صالحة للحياة لا يضمن إنهاء أو إضعاف المقاومة التي يبدو أنها مستعدة لحرب غير تقليدية طويلة، وهي تمتلك قدرات أكبر بكثير مما كانت تمتلكه الفصائل الفلسطينية.
تشير مشاهد استهداف الآليات العسكرية الإسرائيلية باستخدام المسيرات الصغيرة التي يتم التحكم بها عن بعد إلى أن الجيش الإسرائيلي سيعاني كثيرا في الحفاظ على وجوده العسكري داخل لبنان، طالما أصر حزب الله على مواصلة الحرب.
من المتوقع أن العدو الإسرائيلي سيواصل العمل على محاولة دفع الداخل اللبناني للضغط على حزب الله، مع محاولة تنفيذ اغتيالات لقيادات الحزب، ودراسة خيار فتح جبهة من الحدود السورية، ومع ذلك، لا يبدو أن إسرائيل تمتلك بالفعل أي حلا واضح ومضمون وسريع للتعامل مع “الورطة” المفاجئة التي شكلتها عودة حزب الله القوية والحاسمة إلى المواجهة.
اليمن يحافظ على تأثير استراتيجية “مواكبة التصعيد المعادي”:
تمضي القوات المسلحة اليمنية في تثبيت موقعها في ميدان المعركة الإقليمية من خلال تنفيذ العمليات ضد إسرائيل بالاشتراك مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وهو ما يثبّت مسارا عملياتيا مهما جدا لمعادلة “وحدة الساحات”، ويعكس التنسيق الكبير بين أطراف المحور، والذي يعكس تماسك الموقف القتالي والسياسي الموحد، الأمر الذي يشكل ضغطا كبيرا على العدو، الذي يطمح إلى فصل الساحات والاستفراد بها.
حتى الآن لم ينفذ العدو الإسرائيلي أي هجوم على اليمن، وهو ما يعكس حرصا على إعطاء الأولوية للجبهات الأكثر سخونة وتطلبا (لبنان وإيران)، لكن من المؤكد أن هذا التكتيك يتضمن عملا استخباراتيا مكثفا لانتخاب وتتبع أهداف في اليمن لكي تبدو الاعتداءات الأولى ذات أهمية تغطي على مخاطر استنزاف الموارد على جبهة جديدة، سبق أن فشلت إسرائيل في ردعها.
أعلنت القوات المسلحة اليمنية هذا الأسبوع أن تدخلها العسكري “تدريجي” ويرتبط بسلوك العدو تصعيدا وتهدئة، وهو ما يعني أن أي تصعيد أمريكي إسرائيلي سيقابل بانتقال إلى مستوى أعلى من العمليات، سواء من ناحية شدة النيران وكثافتها أو من ناحية نطاق العمليات داخل كيان العدو وخارجه.
لم تعد حاملة الطائرات الأمريكية (جيرالد فورد) إلى البحر الأحمر منذ مغادرتها قبل انضمام اليمن إلى القتال، وليس من الواضح ما إذا كان فرض حظر بحري يمني على الملاحة المعادية يرتبط حصرا باستخدام البحر الأحمر في أي عمليات عدائية، أو أنه مرتبط بالتصعيد بشكل عام، وهو غموض يخدم أهداف الجبهة اليمنية وجبهة المحور ككل.
مع ذلك، قال عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي إن مسألة استهداف أي دولة إقليمية مرتبطة حصرا بالرد على التورط في أي عدوان أمريكي إسرائيلي ضد اليمن، وهي رسالة مهمة للسعودية بالذات، في ظل التقديرات الغربية التي تروج أن صنعاء قد تهاجم العمق السعودي كرد على التصعيد ضد إيران، وهذه الرسالة تضع السعودية أمام خطورة أي تحريك للمليشيات المحلية في اليمن، وهو أمر يدرسه الأمريكيون والإسرائيليون منذ مدة.
يدير اليمن انخراطه في المعركة بشكل مدروس، محافظا على تأثيره في ميدان “مواكبة التصعيد المعادي”، لجعل أي خطط تصعيدية من جانب الأمريكيين والصهاينة مرتبطة بمخاطر مرتفعة ذات سقف مفتوح، وهو أمر بالغ الأهمية، ولا يقلل من تأثير المستوى الحالي من الانخراط في القتال.
الجبهة العراقية تعزز سيطرة المحور على إيقاع المواجهة:
تواصل الجبهة العراقية عملياتها ضد القوات الأمريكية ليس داخل العراق فقط بل أيضا في القواعد القريبة في الكويت والأردن، وهو ما يحافظ على زخم مسار الحملة التي تقودها إيران ضد التواجد الأمريكي في المنطقة والتي كانت مفاجئة للأمريكيين، حسب اعتراف ترامب نفسه.
العمليات العراقية قد تشهد تطورا جديدا في حال نفذ ترامب تهديده بقصف منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، حيث من المحتمل أن توجه المقاومة الإسلامية في العراق نيرانها صوب منشآت طاقة وبنى تحتية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، تعزيزا للرد الإيراني على التصعيد.
إن الجبهة العراقية تساهم بشكل واضح في تعزيز سيطرة جبهة المحور على إيقاع ومشهد المعركة، فضلا عن مساهمتها في مضاعفة الخسائر الأمريكية.


