قبل ساعة ونصف من موعد تنفيذ تهديده بطمس الحضارة الإيرانية من أجل إجبار طهران على فتح مضيق هرمز، أعلن ترامب قبوله بوقف إطلاق النار والتفاوض على الشروط التي أعدتها إيران لإنهاء الحرب، والتي تتضمن بوضوح السيطرة على المضيق، الأمر الذي جعل إعلان التهدئة اعترافا رسميا مدويا بالهزيمة والفشل، وهو ما واصلت إيران إثباته من خلال نجاحها في توظيف ورقة المضيق لفرض إدراج الجبهة اللبنانية في وقف إطلاق النار، رغم المعارضة الإسرائيلية، وكذلك من خلال موقفها الصلب في الجولة الأولى من المحادثات، والتي حاول الأمريكيون من خلالها تجاوز واقع الهزيمة وفرض مطالبهم التي لم تتحقق بالحرب، لكن النتيجة كانت عودة إلى السقوط في فخ التصعيد بعد محاولة الهروب منه، فإعلان ترامب عن فرض حصار بحري على إيران، بهدف حرمانها من ورقة مضيق هرمز، ينذر بمضاعفة أزمة أسواق الطاقة التي ضغطت على الولايات المتحدة بشدة خلال الحرب، لكن هذه المرة مع إمكانية لتورط واشنطن بشكل مباشر في مشاكل مع الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، وعلى رأسها الصين، وهو أمر قد يقود إلى اصطفاف المزيد من الأطراف مع إيران في تثبيت سيطرتها على المضيق، وبالتالي تثبيت بقية شروطها.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
“هزيمة”.. “فشل”.. “نكسة”:
حتى بالمستوى المتدني الذي هبطت إليه أهداف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والذي كان الموضوع الرئيسي لتهديد ترامب بـ”القضاء على الحضارة الإيرانية”، لم يتمكن ترامب من النجاح، فوقف إطلاق النار الذي أعلن أنه وافق عليه قبل موعد تنفيذ التهديد، لم يحقق الشرط الرئيسي الذي ربطه الرئيس الأمريكي به وهو “الفتح الآمن والكامل” لمضيق هرمز، إذ واصلت إيران إغلاق المضيق، ردا على عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما رسم صورة أكثر وضوحا لحجم الفشل، حيث أصبحت إيران هي من تفرض شروطها بأوراق ضغط استراتيجية جديدة أصبحت تمتلكها بسبب العدوان عليها.
وحقيقة أن ترامب نفسه حدد الخطة التي قدمتها إيران لإنهاء الحرب والمكونة من عشرة بنود – تتضمن تثبيت السيطرة الإيرانية على المضيق، ودفع التعويضات، والتمسك بحق تخصيب اليورانيوم- كأساس تفاوضي مقبول به، كانت شاهدا واضحا على أن القبول بوقف إطلاق النار لم يكن سوى “هروبا” أمريكيا مستعجلا وضروريا من ميدان المعركة التي خسرتها الولايات المتحدة بوضوح.
حتى “صورة النصر” التي تحرص القوى المعتدية على صناعتها لتغطية فشلها، لم تكن ممكنة، فعملية الإنزال في أصفهان والتي يرجح الآن أنها كانت تهدف لسرقة مخزون اليورانيوم المخصب، تحولت إلى محرقة للطائرات العسكرية الأمريكية واضطر الأمريكيون لتقديمها كعملية إنقاذ لطيار ربما لم يكن موجودا أصلا، بل كان هناك “صورة هزيمة” واضحة يمكن رؤيتها في مضيق هرمز المغلق، وفي “الطلقة الأخيرة” التي كانت إيران صاحبتها، واستهدفت من خلالها العمق الإسرائيلي والمصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في دول الخليج، بشكل كاف لتجديد التأكيد، مرة أخيرة، على أن القدرات الإيرانية لم تتضرر، وأن النظام الذي يقف وراء هذه القدرات أكثر قوة وتشددا ضد الولايات المتحدة وإسرائيل من أي وقت مضى.
ولهذا لم يكن من المستغرب أن تحضر توصيفات “الهزيمة” و”الفشل” و”النكسة” بشكل صريح وبكثافة في عناوين وسائل الإعلام الأمريكية والغربية وتحليلات وتصريحات الخبراء بشأن وقف إطلاق النار.
قال آرون ديفيد ميلر، المفاوض المخضرم السابق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط: “الحرب، كما شاهدناها خلال الأسابيع الستة الماضية، قد انتهت. وأعتقد أنه إذا كان الأمر كذلك، فقد كانت هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة”، وقالت مجلة (ذا إيكونومست) إن “ترامب هو الخاسر الأكبر، فقد تعثرت أهدافه الحربية الرئيسية، وكشفت الحرب عن ضحالة رؤيته لأسلوب جديد لاستخدام القوة الأمريكية”، وأكد مركز التقدم الأمريكي (وهو مركز أبحاث في واشنطن) أنه “سواء كان وقف إطلاق النار هذا يمثل نهاية دائمة للحرب أم لا، فإن نتيجة الحملة التي استمرت ستة أسابيع لا جدال فيها: الولايات المتحدة في موقف أضعف مما كانت عليه قبل الحرب” مضيفا أن “إيران، عمليا، خرجت منتصرة من عملية (الغضب الملحمي).
وكُتب في مجلة (ذا نيويوكر) الشهيرة ان الحرب كانت “فشلا استراتيجيا وكارثة أخلاقية” لترامب، وأنها كانت “حماقة” مكلفة للغاية، ولذلك تجنبها جميع الرؤساء السابقين للولايات المتحدة.
ولم يصبح “وقف إطلاق النار” فقط شاهدا صارخا على أن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية أو حتى البديلة في الحرب، بل سلط الأضواء أيضا النتائج العكسية للعدوان على إيران والتي تجعل الهزيمة الأمريكية أشد وقعا وتأثيرا، وبحسب “بلومبرغ” فإن وقف إطلاق النار قد عزز وجهات النظر لدى عواصم أوروبا والشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة تعرضت لـ”نكسة استراتيجية” من مفاعيلها تعزيز قوة الصين وروسيا، وإهدار نقاط القوة الأمريكية.
وقال بيتر ريكيتس، مستشار الأمن القومي البريطاني السابق: “على الرغم من أن إيران تكبدت خسائر مادية فادحة وخسائر بشرية كبيرة، فإنها خرجت من هذه الأزمة أقوى استراتيجياً. لقد صمد النظام، وأظهر مدى النفوذ الهائل الذي يمنحه إياه التحكم في مضيق هرمز”.
وإلى جانب ما تمثله السيطرة على مضيق هرمز من ورقة استراتيجية جديدة باتت إيران تمتلكها، فإن المسؤولون في الشرق الأوسط والغرب يتحدثون عن مخاوف من أن النظرة تجاه الولايات المتحدة تتغير، فالحلفاء الخليجيون يرون واشنطن مرة أخرى تتركهم في منتصف الطريق، والعديد من الدول ترى سقوطا أخلاقيا وعسكريا أمريكيا قد يدفعها نحو تعزيز علاقاتها مع خصوم ومنافسي الولايات المتحدة الذين سيتجهون نحو التكاتف بشكل أكبر.
ويقدم الفشل الأمريكي أمام أيران دليلا جديدا على “عدم قدرة الولايات المتحدة على التكيف بشكل كافٍ مع أحدث التطورات في أساليب خوض الصراعات العسكرية” كما يكشف قصورا كبيرا لدى المخططين الأمريكيين في توقع ردة الفعل الإيرانية، برغم وجود وقت كاف للتحضير للحرب، واختيار توقيت إطلاقها، بالإضافة إلى إثبات عدم قدرة الولايات المتحدة على تجاوز العديد من المشاكل غير الجديدة، كمحدودة الأنظمة الدقيقة عالية التقنية، وهو ما قد يمنح خصوم الولايات المتحدة ثقة أكبر بقدرتهم على الانتصار على الولايات المتحدة في أي مواجهة، خصوصا مع تأكدهم من أن حلفاء واشنطن سيصبحون أكثر ترددا في الانضمام إليها.
محاولة إسرائيلية للهروب من الكارثة:
في إسرائيل كانت الشعور بخيبة الأمل واضحا تماما، فقد عبر المسؤولون الإسرائيليون طيلة أسابيع الحرب عن مخاوفهم من أن ينهي ترامب الحملة العسكرية بإعلان عن تحقيق أهداف الحرب، وهو ما فعله الرئيس الأمريكي حرفيا، وقد حاول إعلان نتنياهو صرف الأنظار عن ذلك من خلال القول إن قرار وقف إطلاق النار تم بتنسيق مسبق مع إسرائيل، لكن ذلك لم يغط على حقيقة أن حربا أخرى ضد إيران فشلت في تحقيق أهدافها، بل وارتدت عكسيا.
في وسائل الإعلام العبرية وصل التعبير عن الإحباط إلى حد السخرية اللاذعة، حيث كتب المحلل العسكري في صحيفة “معاريف” آفي أشكنازي أن “زئير الأسد” وهو الاسم الإسرائيلي للعملية العسكرية ضد إيران، قد انتهى به الأمر إلى “مواء قطة” وأنه “بعد 40 يومًا من القتال وتدمير 5000 مبنى، حقق الإيرانيون انتصارًا ساحقًا، فبرغم اغتيال خامنئي، بقي النظام قائمًا، وظلت القدرات النووية موجودة، وأصبح مضيق هرمز بمثابة صراف آلي لطهران، وخرجت إسرائيل والولايات المتحدة من هذه الحملة باتفاق يُعتبر استسلامًا استراتيجيًا محضًا”.
وقل داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في مركز دراسات الأمن القومي بتل أبيب: “هذه كارثة هائلة، كان من المفترض ألا تحدث أبداً، وستُلقي بظلالها على المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة” حسب ما نقلت مجلة (ذا نيويوركر).
ومثل سيطرة إيران على مضيق هرمز بالنسبة للولايات المتحدة، كانت عودة “حزب الله” القوية إلى الساحة إحدى مظاهر الفشل الذريع التي تصعب على إسرائيل ادعاء النصر، ولذا، قبل أن تمر 24 ساعة كاملة على إعلان وقف إطلاق النار، أعلنت إسرائيل أنها لن تطبق التهدئة على الجبهة اللبنانية، بل نفذت تصعيدا هو الأعنف منذ بدء الحرب، الأمر الذي سيتحول لاحقا إلى أحد العقبات الرئيسية المبكرة التي تواجهها المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
عكس هذا الموقف الإسرائيلي حرصا واضحا على تقويض معادلة “وحدة الساحات” التي نجحت إيران وقوى محور المقاومة في تثبيتها خلال الحرب بشكل غير مسبوق، وتم تعزيزها في خطة اتفاق إنهاء الحرب، من خلال شرط وقف القتال على كافة الجبهات، وهي نتيجة عكسية واضحة للعدوان.
وقد نجحت إيران في إجبار إسرائيل على تقليص نطاق اعتداءاتها على لبنان، بعد أن ربطت إيران تخفيف القيود على مضيق هرمز بوضع الجبهة اللبنانية، وهو ما عكس صعوبة تجاوز واقع “وحدة الساحات”.
وعلى أية حال، فقد قدم التصعيد ضد لبنان دليلا واضحا على أن “المحور” الذي كان يراد تدميره من خلال العدوان على إيران، قد أصبح أقوى، فقبل الحرب كانت إسرائيل قد قدرت أن حزب الله تضرر بشدة إلى درجة أنه لن يخاطر قريبا بخوض أي معركة مفتوحة مع الجيش الإسرائيلي، لكنها خرجت من الحرب وقد عاد إلى الميدان بأداء أقوى وأكثر فاعلية، وبموقع أكثر تقدما في المعادلة الإقليمية، إلى درجة أنه بات أقرب إلى إجبار إسرائيل على وقف عدوانها على لبنان أخيرا، وهو ما لم يتحقق قبل العدوان على إيران.
كشف الموقف الإسرائيلي عن حرص واضح على إبقاء باب عودة الولايات المتحدة إلى التصعيد مفتوحا، باعتبار أن تقويض شروط إيران سيعيق التوصل إلى اتفاق حقيقي وكامل، وقد أعلن نتنياهو في وقت لاحق إن المعركة مع إيران لم تنته وأنه يجب “إخراج كميات اليورانيوم المخصب” من إيران، في محاولة واضحة لتقويض ادعاءات ترامب بالنصر، وهو ما يعكس مجددا طبيعة التموضع الانتهازي لإسرائيل في الصراع، والذي يعتمد على “جر” الولايات المتحدة بشكل دائم إلى التصعيد، بغض النظر عن مصلحة واشنطن وقدرتها على تحقيق أي شيء، وقد ربط البعض بين عودة قضية ملفات “إبستين” إلى الواجهة بعد وقف إطلاق النار، وبين رغبة إسرائيل في دفع إدارة ترامب نحو العودة إلى الحرب.
لكن حديث نتنياهو عن أن المعركة لم تنته، ليس سوى اعتراف باستحالة توجيه ضربة قاضية لإيران وقوى المقاومة، فالمعركة مستمرة لأن الولايات المتحدة وإسرائيل فشلتا مرة أخرى في إنهاءها وحسمها، واضطرتا لمواصلة تجرع الهزيمة على دفعات من خلال “تأجيل” بقية المواجهة إلى جولات قادمة، وقد كانت الدفعة الأخيرة هائلة بشكل لافت.
ترامب ينصب لنفسه فخا جديدا:
عندما وُصف إعلان وقف إطلاق النار بأنه إعلان هزيمة للولايات المتحدة، لم يكن ذلك مجرد مبالغة في توصيف الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، بل كان يعني أن ترامب لا يملك أي خيار للخروج من الحرب بدون المزيد من الخسائر الكارثية سوى الخضوع للشروط الإيرانية.
بعد إعلان وقف إطلاق النار، نقل موقع (بوليتيكو) عن مسؤول دفاعي أمريكي قوله: “لا أعرف كيف يمكن التراجع عن هذا الوضع دون أن تعيد الولايات المتحدة تعريف أهدافها الاستراتيجية بشكل جذري. لا أستطيع أن أتخيل ما الذي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه أو تهدد به إيران في هذه المرحلة لتحقيق نتيجة مرضية”.
كان إعلان ترامب عن موافقته على الخطة الإيرانية المكونة من 10 بنود كأساس تفاوضي يشير بوضوح إلى أن هذا السبيل الوحيد لإقناع إيران بوقف إطلاق النار والتفاوض، لكنه لم يكن يعني أن الولايات المتحدة أو إسرائيل ستقبلان فعلا بتلك الخطة.
ومع ذلك بالنسبة لإيران، فإن ذلك كان يكفي ليؤكد لها أنها تمتلك اليد العليا، وأنها ليست بحاجة لتقديم أي تنازلات، ولذلك رفضت حتى أن تنخرط في المفاوضات في ظل التصعيد الإسرائيلي على لبنان الذي يشمله وقف إطلاق النار، ولم تنطلق المفاوضات إلا بعد أن قلصت إسرائيل نطاق الاعتداءات على لبنان بشكل ملحوظ.
دخلت إيران المفاوضات متمسكة بشروط خطتها ذات النقاط العشر، والتي تتضمن السيطرة على مضيق هرمز، واستمرار تخصيب اليورانيوم، وتعويض أضرار العدوان من خلال إطلاق الأموال الإيرانية المجمدة، وخروج القوات الأمريكية من المنطقة، وإنهاء الحرب في جميع الجبهات، وخلفها مطالبات شعبية كبيرة بعدم تقديم أي تنازلات تقوض الانتصار الكبير الذي تحقق، وتذكيرا مستمرا بالتجارب التفاوضية السيئة مع الولايات المتحدة.
بالمقابل، دخلت الولايات المتحدة المفاوضات بتقديرات خاطئة تشبه تلك التي استند عليها قرار شن العدوان، وبحرص على تحقيق مصالح إسرائيل التي تختلف عن المصلحة الأمريكية في الوقت الحالي حيث “تريد واشنطن تقليص انخراطها في الصراع، بينما تسعى إسرائيل للقضاء على التهديد الإيراني” وفقا لإيميلي هاردين مديرة برنامج الاستخبارات والأمن القومي والتكنولوجيا في “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، والتي أوضحت أن التباين الكبير بين الرغبات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية يجعل مساحة الاتفاق ضيقة جدا.
لذلك، لم يكن مستغربا أن تفشل الجولة الأولى من المحادثات، ولكن ذلك الفشل سلط الضوء على مدى قوة الموقف الإيراني التفاوضي، فعلى عكس الولايات المتحدة التي لا تمتلك ورقة ضغط سوى التهديد باستئناف القتال، وهي ورقة ليس لها تأثير كبير بالنظر إلى أن واشنطن تسعى للخروج من ورطة الحرب، كانت إيران تمتلك ورقة ضغط فعالة جدا هي “مضيق هرمز” الذي كانت الحاجة الماسة إلى فتحه أحد أسباب قبول الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، وسبب تقليص نطاق الغارات الإسرائيلية على لبنان قبل انطلاق المفاوضات.
قدم رد فعل ترامب على فشل المحادثات تأكيدا واضحا على مدى قوة هذه الورقة الإيرانية، حيث لم يعد ترامب للتهديد باستئناف القتال، بل أعلن عن فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بهدف منع إيران من الاستفادة منه وبالتالي محاولة دفعها للتخلي عن هذه الورقة التي ستلفت انتباه صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن الولايات المتحدة فقدت احتكارها للأسلحة الاقتصادية التي تعودت أن تضغط بها على الآخرين.
من الواضح أن هذا الإعلان يعكس تخبطا كبيرا، فمحاولة تنفيذ حصار بحري على إيران لا تهدد فقط بعودة التصعيد الذي هربت منه الولايات المتحدة، بل تنذر أيضا بمضاعفة أزمة أسواق الطاقة والشحن التي ضغطت بشدة على الأمريكيين خلال الحرب لدرجة أن ترامب لجأ إلى تخفيف العقوبات على النفط الإيراني في محاولة لمعالجة شحة الإمدادات، كما أنها ستجعل مسألة فتح المضيق أكثر تعقيدا بكثير مما هي عليه الآن.
لقد رفضت إيران فتح مضيق هرمز عندما هددها ترامب بـ”تدمير الحضارة الإيرانية”، ولا يوجد أي سبب يدفعها لتغيير موقفها الآن، لأن أي محاولة لفتح المضيق بدون تلبية شروط إيران هي ببساطة “فخ” ستكون تداعياته على الولايات المتحدة وشركاءها وعلى الاقتصاد العالمي أكبر بكثير من أي أضرار يمكن أن تلحق بإيران.
على سبيل المثال، قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إن “خطوة ترامب بإعلان حصار بحري لمضيق هرمز تهدد بتصعيد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، وهي مشترٍ رئيسي للنفط الإيراني” وقد يطال ذلك أيضا دولا أخرى لها علاقات تجارية بحرية مع إيران.
والآن بعد أن أصبحت الولايات المتحدة مسؤولة بشكل معلن وأوضح من أي وقت مضى عن “حصار مضيق هرمز”، فإن إيران ببساطة ستتبع مقولة: “لا تقاطع عدوك وهو يرتكب الأخطاء” وفي حال قررت استهداف السفن الحربية أو التجارية الأمريكية ردا على الحصار، فإن الفشل الأمريكي في فتح المضيق سيضاف إليه التعرض لضربات جديدة، وفي النهاية سيكون عليها إما أن تنسحب أو تخاطر بمحاولة السيطرة على المضيق عسكريا، وكلاهما خياران كارثيان.
لقد فقدت الولايات المتحدة بالفعل مضيق باب المندب، والآن، يقول مايكل سينغ المدير الإداري في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إنه “إذا بدت واشنطن عاجزة عن تأمين نقاط الاختناق البحرية الرئيسية، فقد يكون لذلك عواقب دائمة على أسواق الطاقة، وتمكين الخصوم من تهديد أو استغلال طرق مماثلة في مناطق أخرى”.
ويؤكد ريتشارد نيفيو، الباحث في نفس المعهد أن نقص الطاقة الناجم عن الحرب قد يجبر العالم على القبول بسيطرة إيران على المضيق ونظامها الخاص للعبور فيه، وحينها “ستجد واشنطن نفسها أمام ثغرة كبيرة في منظومة عقوباتها”.
وقد رد رئيس الوفد الإيراني المفاوض، محمد باقر قاليباف، على إعلان الحصار الأمريكي، برسالة للمستهلكين الأمريكيين جاء فيها: “استمتعوا بالأسعار الحالية لمحطات الوقود، فمع ما يسمى بـ ‘الحصار’ ستشعرون بالحنين للوقود الذي يتراوح بين 4–5 دولارات”.
وكان قاليباف قد علق على فشل المحادثات بالقول إن الأمريكيين فشلوا في كسب ثقة الوفد الإيراني، وهو ما يعبر عن إدراك لدى الإيرانيين بأنهم ليسوا بحاجة تقديم تنازلات مجحفة، وأن الولايات المتحدة هي التي تحتاج إلى الخروج من ورطتها.
هذا ما أكدته أيضا صحيفة “نيويورك تايمز” التي قالت إن “فشل المحادثات يترك إدارة ترامب أمام عدة خيارات غير مستساغة: مفاوضات مطولة مع طهران بشأن مستقبل برنامجها النووي، أو استئناف حرب تسببت بالفعل في أكبر اضطراب في الطاقة في العصر الحديث، واحتمال صراع طويل حول من يسيطر على مضيق هرمز” مشيرة إلى أن “المفاوضات بشأن آخر اتفاق رئيسي بين طهران وواشنطن، والذي تم التوصل إليه خلال إدارة أوباما، استغرقت عامين، وكان الاتفاق مليئاً بالتنازلات الأمريكية” بينما خيار التهديد باستئناف القتال “ليس مجديا”.


