إغلاق مضيق هرمز كشفت عن وجه آخر، أكثر تعقيداً وأشد فتكاً من أزمة الوقود ؛ حيث انتقلت شرارة التوتر من المياه الدافئة للخليج العربي لتحدث زلزالاً صناعياً غير مسبوق في المجمعات البتروكيماوية العملاقة شرق آسيا، مسببة ما بات يُعرف اليوم بـ “أزمة البلاستيك الآسيوية”.
خاص- الخبر اليمني :
في عمق هذه الأزمة تقبع مادة “النافتا” (Naphtha)، ذلك السائل النفطي الوسيط الذي لا يسمع عنه المستهلك العادي كثيراً، لكنه يمثل الحجر الأساس واللبنة الأولى لكل ما يحيط بنا من صناعات حديثة. فالنافتا هي الغذاء الرئيسي لمصانع “التكسير بالبخار” التي تحول هذا المشتق إلى غازات الإيثيلين والبروبيلين، والتي تصنع منها لاحقاً كافة أنواع الحبيبات البلاستيكية.
وإذا كان للنفط الخام احتياطيات استراتيجية تؤمن الدول بها نفسها لشهور، فإن النافتا مادة ذات تدفق مستمر، ولا تحتفظ المصانع الآسيوية بمخزون منها يتجاوز أسبوعين أو ثلاثة في أفضل الأحوال. ومع اعتماد قوى صناعية كبرى مثل الصين، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتايلاند على مضيق هرمز لتأمين أكثر من نصف احتياجاتها من هذه المادة الحيوية، فإن توقف حركة العبور الطبيعية كان بمثابة قطع مفاجئ للشريان الأبهر الذي يغذي هذه المصانع.
الارتدادات الاقتصادية لهذا الانقطاع المفاجئ ظهرت سريعاً وبعنف. فقد قفزت أسعار النافتا في الأسواق الآسيوية بنسب قياسية تخطت الـ 65%، مما وضع عمالقة البتروكيماويات في مواجهة خيارات أحلاها مر. واضطرت شركات كبرى في كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة إلى إعلان حالة “القوة القاهرة”، وخفضت طاقاتها التشغيلية إلى مستويات دنيا لم تشهدها منذ عقود. هذا الشلل الإداري والإنتاجي لم يتوقف عند حدود أسوار المصانع، بل زحف سريعاً إلى قطاعات حيوية تمس حياة ملايين البشر اليومية؛ حيث بدأت تلوح في الأفق أزمة خانقة في قطاع تغليف الأغذية وحفظها، وارتفعت كلفة إنتاج المستلزمات الطبية المعقمة، ناهيك عن التهديد الذي يواجه قطاع صناعة السيارات والأجهزة الإلكترونية التي يمثل البلاستيك المقوى جزءاً رئيسياً من تركيبتها.
وفي محاولة مستميتة لاحتواء هذا التدهور، بدأت العواصم الآسيوية رحلة البحث عن بدائل اضطرارية عبر مسارات بحرية وبرية بعيدة كاللجوء إلى النافتا الروسية أو شحنات حوض الأطلسي، بالرغم من كلفة الشحن الباهظة التي تلتهم هوامش أرباح المصنعين.
كما فرضت دول مثل كوريا الجنوبية قيوداً صارمة على تصدير المادة محلياً للحفاظ على أمنها الصناعي الداخلي، في حين حاولت الصين تعويض جزء من النقص عبر تشغيل مصانعها القائمة على الفحم، وهي تقنية بديلة لكنها لا تغطي كافة أنواع البلاستيك المتطور عالي الجودة.
إن هذه الأزمة الحالية تعيد صياغة المفهوم التقليدي للأمن الجيوسياسي، وتؤكد أن مضيق هرمز ليس مجرد صنبور للوقود الأسود، بل هو مفتاح تشغيل للمصانع والشركات التي تكسو بمنتجاتها رفوف المتاجر في كل أنحاء المعمورة.
وطالما بقي هذا الممر الحيوي رهيناً لطبول الحرب وحسابات الردع العسكري، فإن المستهلك في أقصى شرق آسيا وفي العالم سيبقى يدفع ثمن هذا الحصار من تفاصيل حياته اليومية، بانتظار حل سياسي يفك وثاق الملاحة الدولية.


