| فؤاد البطاينة*
أمّا وقد تخلى العرب مطبعين وغير مطبعين عن فلسطين ووصلت سوسة الخيانة الى عصابة من الفلسطينيين شكلوا نظاما عميلاً لكيان الإحتلال وذراعاً له في رام الله في محتوى سلطة حوّلت منظمة التحرير إلى منظمة تمرير صهيونية، واغتصبت شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني لتزوير إرادته في تصفية القضية وذبح شعبها وملاحقة مقاومته، ويتنافس اليوم رجالها على مناصبها استحقاقاً لخلو الساحة لهم على جثث مئات الألاف من الضحايا الغزيين المدنيين والمقاومين وعلى تاريخ من تضحيات الشعب الفلسطيني وعلى وقع التطهير العرقي في غزة والضفة، فلا عذر بعد لقادة الرأي والفكر والسياسة الفلسطينيين في الشتات والداخل يبرر لهم التقاعس عن دور مفترض لهم بأخذ زمام المبادرة من سلطة فيشي؟
فليس من المعقول أن تنجح عصبة من الأغبياء والخونة في هذا بينما أخيارنا يدمنون على الفشل في بلورة عمل سياسي جماعي مواجه ويكتفون بالعمل الخطابي فرادى أو مجموعات تحت عشرات اليافطات في شتات أوروبا وأمريكا والعالم أجمع. نحن هنا نوصف أنفسنا ونوصف السلطة ولا نلعنها فاللعن دون فعل نفاق. نوصفها لصنع النقيض وإسقاطها. عامة الشعب قدمت من التضحيات وضريبة الدم ما لم يقدمه شعب أخر، وفيه مقاومون بعزيمة غزة وجنين لا يُترك لذئابِ وضباعِ الأرض، ولا حماس تترك. عبارة (فري بالستاين) لم نسمعها من شعوب الغرب ونخب العالم منذ قيام الكيان، بل سمعناها إثر طوفان الأقصى المقاوم، أليست هذه قاعدة للبناء السياسي الممأسس. “اسرائيل” لا يُمكنها الإنسحاب طوعاً من شبر أرض تحتله ففي هذا إسقاطاً لمشروعها ولموتها. وإن كان تحرير الأرض يأتي بطريقة ما، فهذه الطريقة لن تتشكل إلا بفعل المقاومة أو تأثيرها.
وإلى متى ستبقى إيران ومحور المقاومة متكفلين بالقضية الفلسطينية ومواجهة الإحتلال على ذات النسق مع تكالب خونة العرب والمسلمين وتحالفهم مع أمريكا وكيان الإحتلال في عالم يعيش مخاضا منقلبا على نظام الطغيان الدولي ومجلس أمنه المترنح نحو نظام آخرَ من مخزون أنانية الأقوياء عنوانه احتكار الطغيان وسمته سحق القوي للضعيف يعمل عليه ترامب، يلغي سردية التحالفات الأيدولوجية ويتوج ميزان الربح والخسارة كأساس لتوازنات القوى وتحقيق المصالح والأطماع معاً. لا رب له ولا مكان فيه لمتكل ولا متواكل.
وفي المقابل نشهد أياماً عصيبة على نظرية الطغيان التاريخي وعلى حملة مشعل التغيير معاً. شاهدنا الرعونة الأمريكية تجتمع مع الحكمة الصينية. فذاك يطلب العون على وأد مشعل التغيير في إيران، وهذا لا يسعفه ولكنه يستغل أزمتة ويُكيف الحكمة الصينية لخدمة منظوره فيلعب دوراً تشجيعياً ً لترامب لصنع فرصة للتعاون الثنائي على هجر فكرة المعسكرين المُخسّرة واستبدالها بالنزوع لتعددية الأقطاب في غير لباسها، مؤشرها غياب فكرة الأمن الجماعي الذي أسقط عصبة الأمم ويطيح اليوم بمنظمة الأمم. الصين ليست في وارد إيران، وليس لديها ما تقدمه لأمريكا بالمجان أكثر من عدم الدعم العسكري لإيران. الصين تعلم بهوس أمريكا في احتكار عرش القوة وترضي غرورها، وتعلم بأغراضها منها وتسعى اليها.
ولكن هل ينطلي هذا على الفكرة الصهيونية ومعها الأمريكية التي لا تقبل الشراكة ولا الندية ؟،وكيف تنسى الصين تجربة روسيا عندما أبدت حسن النوايا لأمريكا وفككت الاتحاد السوفييتي، وبقيت ملاحقة ومصالحها مستهدفة. ثم هل تدرك دول العالم الآخر بمن فيها العربية ودول المنطقة بأن أياً من أمريكا وروسيا والصين لا يمكن أن يبنون معها أكثر من صداقات لا ترقى لأكثر من تحقيق مصالحهم. وأن حق الفيتو جاء لعدم وقوع صدام بين الدول الكبرى أو النووية كي لا ينهي لعبتها الإفتراسية للغير، لعبة الأمم. دول العالم من غير الكبار هم في النظرية بيادق على الرقعة مهما بلغت رتبها. ومثالها الشيخة اكرانيا، إلا أن الحكمة أيضاً فارسية زانها الإسلام، فكانت إيران النموذج الذي يُسقط النظرية.
فالنموذج الإيراني ليس مُرضياً لا للكبار ولا للمستكبرين من الدول على السواء. الدول الخمس الكبرى كلها ما بين معادي الى إيران في الحرب وبين غير داعم لها. إيران تخوض حرباً عالمية كبرى بلا نووي ومهما كانت أو سميت النتيجة فقد انتصرت في فتح الطريق لتغير وجه التاريخ سياسيا وعسكرياً نحو عالم مختلف في نظام بلا امبراطوريات غاشمة. وبصرف النظر عما ستستقر عليه الحرب، على الدول البيادق التي تعيش على هامش الرقعة أن تعلم، بأن قيمة النموذج الإيراني ليست في مجرد قدرة الإرادة على الصمود بوجه أعتى قوة، بل في نقطتين أخرتين:
ـ الأولى: هي في أخذ العبرة بوهمية وخطورة اعتماد الدول على الغير أو على الأصدقاء في حماية نفسها بدلاً من اعتمادها على نفسها أولاً.
ـ الثانية: أقول صحيح أن الدول وخاصة الكبرى تُخضع قراراتها لمصالحها، إلّا أن مصالحها هذه له ميزان وقيود وأنها وحدها التي تعلمها، وليس الآخرين.
فروسيا ضحت بعشرات المليارات ا لمستدامة في العراق وليبيا ولم تتدخل لنجدتها طبقاً لميزانها لا لميزان العراق وليبيا. وإن تعلق الدول العربية بأمريكا بلا قيم هو كمن يتعلق بأوهن أحبال الهواء. وفي هذا السياق فإن القضية الفلسطينية لن تجد نصيرا من دولة كبرى أو ذات قيمة عسكرية. ونصيرها الحقيقي هي الشعوب عندما تقف بصلابة خلف المقاومة. إنها قضية أكبر مما نوصفها، إنها شرارة التغيير في العالم حافظ المقاومون على استمرار وهجها.
*كاتب عربي أردني