هل وافقت المقاومة في غزة على تسليم سلاحها؟

اخترنا لك

| أحمد عبد الرحمن

راجت خلال الأيام الأخيرة روايات عديدة عمّا جرى في العاصمة المصرية القاهرة في ما يتعلّق بمسألة تسليم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة سلاحها كما تطالب “دولة” الاحتلال، وكما تشير بعض بنود خطّة ترامب للسلام، والتي راعت منذ الإعلان عنها قبل نحو ثمانية أشهر مصالح الكيان الصهيوني المجرم والمعتدي، في حين همّشت معظم مطالب الشعب الفلسطيني الذي تعرّض لحرب إبادة جماعية لم يسبق لها مثيل، بل وتعاملت مع حقوقه التي شرعتها كل المواثيق الدولية باستهتار ولا مبالاة واضحين وفاضحين.

خلال الأسبوع الماضي، عُقدت في القاهرة مشاورات ومباحثات وُصفت بالهامة والحاسمة، جاءت في ظروف إقليمية بالغة التعقيد بسبب استمرار التوتّر بين الحليفين الأميركي والإسرائيلي من جهة، وبين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، والذي وإن لم يبلغ بعد مرحلة التصعيد الشامل كما جرى في حرب الأربعين يوماً، إلا أن تداعياته ما زالت تُلقي بظلال كثيفة على مجمل التطورات في عموم المنطقة ومن ضمنها قطاع غزة.

إلى جانب التوتّر على الجبهة الإيرانية، تأتي التطورات المتلاحقة في ما يخص المواجهة في جنوب لبنان، والتي وعلى الرغم من إعلان وقف النار فيها لأكثر من مرة، إلا أنها استمرت في الاشتعال الذي قد يُنذر بتوسّع المواجهة إلى مديات أكبر وأخطر، لا سيّما في ظل تهديدات الاحتلال بالسيطرة على المزيد من الأراضي، في محاولة لتكرار المشهد الذي حدث في غزة، والذي ما زال يشهد حالة من التصعيد رغم الهدنة الهشّة التي تقترب كثيراً كما لم يحدث من قبل من السقوط والانهيار.

إضافة إلى التوتّر والتصعيد على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، فقد جاءت مباحثات القاهرة في ظل تصاعد وتيرة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والتي بلغت خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة مستوى قياسياً وغير مسبوق، تمثّل في ارتفاع وتيرة عمليات الاغتيال بحق قادة المقاومة، إلى جانب الاستمرار في فرض حصار خانق على كل مناحي الحياة في القطاع، واقتطاع مزيد من أراضي الفلسطينيين من خلال توسيع المنطقة الصفراء، والتي باتت تلتهم أكثر من 65% من مساحة القطاع، وهي في طريقها إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه إلى التهام مزيد من الأراضي، والسيطرة على مزيد من المساحات.

في ظل هذه الظروف المعقّدة والحسّاسة، جاءت مفاوضات القاهرة الأخيرة لتدارك ما يمكن تداركه، ولمنع الانهيار الشامل لاتفاق التهدئة في غزة، وللحؤول دون ذهاب الأمور إلى مرحلة من التصعيد الواسع الذي يمكن أن يُعيد الحرب إلى مربّعها الأول، هذا المربّع الذي كان من نتائجه سقوط أكثر من سبعةٍ وسبعين ألف شهيد، إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين، بالإضافة إلى دمار هائل أصاب أكثر من ثمانين في المائة من مناطق القطاع، والذي تُشير معظم التقديرات الدولية والأممية إلى حاجته إلى أكثر من أربعين سنة ونحو 90 مليار دولار ليستعيد عافيته، ويصبح صالحاً للسكن من جديد.

بعيداً عمّا جرى تسويقه في وسائل إعلام مختلفة، والتي تباينت تغطيتها لنتائج الاجتماعات الموسّعة والمكثّفة، فإن ما جرى الحديث بشأنه لم يختلف كثيراً عما سبقه من اجتماعات، سواء على صعيد المواضيع المطروحة، أو على صعيد ما ترتّب عليها من نتائج.

في مفاوضات القاهرة التي جمعت فصائل المقاومة الفلسطينية مع الوسطاء المصريين والأتراك والقطريين، تم التركيز على مسألة “نزع” سلاح المقاومة وكأنه الشيء الوحيد الذي نصّت عليه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذه الخطّة التي تجاهلت معاناة أكثر من مليونين وربع مليون إنسان في قطاع غزة، والذين عاشوا خلال فترة الحرب وما زالوا أوضاعاً مأساوية وغير إنسانية، وركّزت جلّ اهتمامها على حرمان الشعب الفلسطيني من مصادر قوّته، وتجريده من أي أدوات قد تساعده في التصدّي لمشاريع الاحتلال الذي لا يُخفي أطماعه في السيطرة على الأرض، وتهجير كل سكان فلسطين التاريخية بقطاعها الصغير والمنكوب، وضفّتها المحتلة والمحاصرة، إلى جانب سكّان النقب والجليل وباقي المناطق الفلسطينية.

وبغضّ النظر عمّا تم تقديمه من مقترحات لتجاوز “الانتكاسة” الحالية في ما يخص اتفاق غزة، والذي لا يشهد كما يعتقد البعض حالة من المراوحة تمنعه من التقدّم باتجاه المرحلة الثانية منه فحسب، بل يشهد تراجعاً واضحاً وخطيراً يُنذر بانهياره بشكل كامل وشامل، لا سيّما أن الاحتلال لم يلتزم بمعظم بنود المرحلة الأولى من هذا الاتفاق، ويعمل من دون أي مواربة ليس فقط للتنصّل من التزاماته الواردة فيه، وإنما من أجل تجاوزه والعودة إلى مربع الحرب خصوصاً قبيل الانتخابات البرلمانية القادمة.

ما يهمّنا في هذا المقام هو الإشارة إلى أن موقف المقاومة بخصوص مسألة تسليم السلاح لم يتغيّر، وهو موقف مبدئي وثابت غير خاضع للمساومة أو الابتزاز، وهو موقف نابع من إدراك المقاومة بكافة فصائلها لأهمية إبعاد هذا السلاح من أي مقاربة يطرحها الوسطاء قد تمنح العدو انتصاراً فشل في تحقيقه طوال أكثر من عامين من عمر الحرب.

في وسائل إعلام عديدة أغلبها إسرائيلية، وأخرى عربية محسوبة على دول خليجية بعينها تم تبنّي سردية تشير إلى موافقة المقاومة في غزة على التخلّي عن سلاحها، ورغبتها (أي المقاومة) في تفويت الفرصة على الاحتلال ومنعه من العودة إلى حرب الإبادة الجماعية، ووصولها إلى قناعة بأن هذا السلاح لم يعُد قادراً على حماية الشعب الفلسطيني، أو الوقوف في وجه الاعتداءات الإسرائيلية التي ازدادت خلال الفترة الأخيرة كمّاً ونوعاً.

هذه السردية بصيغها المختلفة لم تكن صحيحة على الإطلاق، وهي تنافي جملة وتفصيلاً الموقف الراسخ الذي تتبناه المقاومة في هذه القضية بالتحديد، وهو موقف تم إبلاغه لكل الأطراف ذات الصلة بكل شفافية ووضوح، ودمن دون أي لبس أو مواربة، وبالطريقة التي لا تسمح بحدوث أي سوء فهم قد يؤدي في مرحلة ما إلى تناقض ما بين الأفعال والأقوال.

وعلى الرغم من موافقة المقاومة على بعض المقاربات الجديدة التي تتعلّق بهذا الشأن، والتي تمت الإشارة إليها من خلال استخدام مصطلحات من قبيل “تحييد وتجميد وتسكين ” وغيرها، إلا أن الموقف المبدئي وغير القابل للنقاش كان واضحاً ولا يقبل التأويل، وهو يشير إلى رفض أي شكل من أشكال تسليم السلاح سواء للدولة العبرية، أو لأي جهة أخرى غير فلسطينية، بل ورفض أي طرح قد يؤدي إلى حرمان الشعب الفلسطيني من مصادر قوّته، حتى لو كانت بعض البنادق الفردية، أو الإمكانيات محليّة الصنع التي لا تقارن على الإطلاق بما يملكه العدو من قدرات وإمكانيات.

يمكن لنا الإشارة إلى سببين رئيسيين وحاسمين دفعا المقاومة في غزة لعدم قبول أي طرح قد يقترب من بعيد أو قريب من مسألة نزع سلاحها، وهما سببان قديمان جديدان، ولا يرتبطان فقط بما يجري من عدوان في الوقت الحالي، بل هما يتعلقّان في الأساس بالقضية الأم التي تحظى باهتمام كل الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية وميولهم السياسية، وهي قضية استعادة حقوقهم المحقّة والمشروعة، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الكفاح والنضال الذي مارسته كل الأجيال السابقة، والذي لا يمكن استبداله بأي طريقة أخرى، خصوصاً في مواجهة عدو متعنّت ومتطرف ومجرم، ولا يُقيم وزناً لأي تفاهمات أو اتفاقيات، ولا يحترم كما أثبتت التجربة كل المواثيق والعهود التي أشارت إليها العشرات من القرارات الدولية.

السبب الأول هو معرفة المقاومة التي لا تقبل الشك أن هذا العدو لن يتوقف عن عدوانه أو إجرامه حتى لو سلّمت آخر رصاصة لديها، وهو عدو مجرم وقاتل ويسعى منذ نشأته للتوسّع والسيطرة على أراضي الغير، بل وعلى مقدراتهم وخيرات بلادهم كما يفعل حالياً في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها.

هناك إيمان مُطلق لدى المقاومة الفلسطينية وكافة أبناء الشعب الفلسطيني بأن هذا السلاح وإن كان لا يرقَى إلى مستوى منع الاحتلال من ارتكاب كل الجرائم والموبقات، ولا من احتلال الأرض ومصادرة المقدّرات، إلا أنه يبقى مصدر إزعاج وخوف لدى هذا الاحتلال يمنعه من حسم المعركة، أو انهاء القضية، بل وحرمانه من مجرّد الاعتقاد بأنه قد حقّق نصراً حاسماً وناجزاً، وهو أمر في غاية الأهمية لـ “دولة” مارقة تسعى للسيطرة وبسط النفوذ، ولحكومة متطرفة ورئيس وزراء فاسد يحاول الهرب والفرار من قدر بات محتوماً ولو بعد حين.

سبب ثانٍ يدفع المقاومة إلى التمسّك بسلاحها، ورفض أي طرح يدعو إلى عكس ذلك هو اعتقادها اليقيني بأن تسليم هذا السلاح الذي بذلت من أجل الحصول عليه الآلاف من المهج والأرواح من أعراق شتّى، ومر البعض منه من طرقٍ ومسالك تبعد آلاف الكيلومترات عن أراضي القطاع، يعد إعلان استسلام كامل وغير مشروط لـ”دولة” الاحتلال، ولكامل دول محور الشر في المنطقة والعالم، وهو أمر لم يقبل به الشعب الفلسطيني طوال عقود من صراعه مع الاحتلال، مفضّلاً تقديم أعظم التضحيات من خيره أبنائه ومجاهديه، على أن يقبل بهذا الأمر.

طوال مسيرة الشعب الفلسطيني النضالية بدءًا من الشهيد عز الدين القسام، مروراً بالشيخ أحمد ياسين والدكتور فتحي الشقاقي والقائد أبو على مصطفى والآلاف ممن سبقوهم أو لحقوا بهم، وصولاً إلى آخر شهيد سقط بالأمس وأول أمس، فإن مسألة التخلّي عن سلاح المقاومة تعد خيانة من الدرجة الأولى، وأن من يقبل بها يُعد خارجاً عن الإجماع الوطني بكل ما للكلمة من معنى، وأن هذا الأمر في حال حدوثه بغض النظر عن الظروف المحيطة به أو الأسباب الموجبة له يمكن أن يدق آخر مسمار في نعش القضية الفلسطينية، وتسجيل انتصار ساحق للمشروع الصهيوني وهو أخطر المشاريع على وجه الأرض.

على كل حال، وكما تشير الكثير من المعطيات يمكن للمقاومة أن تتعاطى مع بعض الطروحات حول سلاحها بما يؤدي إلى نزع جزء من مبررات الاحتلال لعودة الحرب، ويمكن لها أن تقبل صيغ تساعد في إنزال عدوها عن شجرة الغطرسة والتوحّش، إلا أنها من دون أدنى شك لن تقبل أي طرح أو صيغة توصل في بعض نتائجها أو تداعياتها إلى سحب سلاحها، سواء بشكل جزئي أو كلّي، وهي كما تؤكد قولاً وفعلاً لن تقع في فخ بعض الجهلة الذين يعتقدون أن مقاومة الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه يجب أن تقتصر على المقاومة السلمية أو الشعبية، إذ إنها تدرك أكثر من غيرها أن هذا العدو المجرم، والمسلّح من أعلى رأسه وحتى أخمص قدميه لا يفهم إلا لغة القوة، وأن لا مجال للحديث أو التفاوض معه إلا عبر فوهة البنادق.

صحيح أن تكلفة هذا الطريق باهظة، وصحيح أن التضحيات التي يجب بذلها ستكون عظيمة وهائلة، إلا أنها تبقى أقل بكثير من الضريبة التي سيتم دفعها على طريق الذل والاستسلام، وهو طريق لم يسبق للشعب الفلسطيني أن سلكه خلال مسيرته النضالية الطويلة، هذه المسيرة التي يبدو أن نهايتها السعيدة قد اقتربت كما لم يحدث من قبل، فما عبّدته دماء مئات آلاف الشهداء، وعذابات مثلهم من الجرحى والأسرى والمحرومين لن ينتج إلا نصراً عزيزاً مؤزراً، قد يراه البعض بعيداً، ولكننا ومعنا كل أحرار الأمة نراه أقرب من أي وقت آخر، وصدق الله القائل: “يرونه بعيداً ونراه قريباً وإنا لصادقون”.

 

المصدر: “الميادين نت”

أحدث العناوين

​بأقدام الدقائق الأخيرة.. قطر تخطف نقطة ثمينة من أنياب سويسرا

خطف المنتخب القطري تعادلاً ثميناً من نظيره المنتخب السويسري بنتيجة (1-1)، في المباراة التي جمعتهما لحساب الجولة الأولى من...

مقالات ذات صلة