| أحمد صالح سلوم*
“لم يعد صدى المدافع في غرب آسيا مجرد شأن إقليمي معزول، بل تحول منذ 28 فبراير 2026 إلى زلزال اقتصادي يضرب شرايين النظام المالي والتجاري العالمي.”
بات من الواضح أن معادلات القوة في العالم قد تغيرت جذريًا. فما كان يُعتبر قبل أشهر مجرد تهديدات نظرية لإغلاق مضيق هرمز وباب المندب، تحول اليوم إلى حقيقة ماثلة تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي بأسره. فالمحور الذي تقوده إيران وقوى المقاومة في صنعاء لم يعد مجرد فاعل إقليمي، بل أصبح قوة عظمى فريدة من نوعها، تمتلك القدرة على تحديد ملامح الاقتصاد العالمي وسياساته.
تكاليف العدوان: فاتورة التريليونات
إن استمرار العدوان على إيران، وعدم تقدير قوة ردع محور المقاومة، يضع الدول المعتدية أمام فاتورة اقتصادية باهظة. فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تجاوزت 50%، مع تسجيل سعر خام برنت زيادة تقارب 60% منذ بداية الحرب . ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل أسعار الغاز التي صعدت بنسبة 42%، مسجلةً ارتفاعًا كليًا في أسعار الطاقة تجاوز 24% .
إن استمرار هذا الوضع يهدد الاقتصاد العالمي بخسائر تقدر بنحو 600 مليار دولار، وقد ترتفع إلى أكثر من تريليون دولار إذا استمرت الأزمة . والأكثر إثارة للقلق هو تحذير صندوق النقد الدولي من أن معدل التضخم العالمي سيتجاوز 4.4% هذا العام، مع توقعات بانخفاض معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 3.1% . وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات نظرية، بل هي واقع يعيشه المواطن الأمريكي والأوروبي يوميًا، مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 25% خلال شهر واحد فقط .
أوروبا وأميركا في مواجهة الركود القاتل
إن الحديث عن “ركود قاتل” لم يعد مجرد تهديد، بل أصبح سيناريو مرجحًا بشكل متزايد. فمع استمرار إغلاق المضائق، تواجه الاقتصادات الغربية أزمة حادة تتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الأمريكية والأوروبية، مما يعكس تزايد المخاطر التي يراها المستثمرون في هذه الأسواق .
إن أوروبا، التي كانت تظن نفسها بمنأى عن تداعيات الصراع، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة. فقد ارتفعت أسعار البنزين في ألمانيا بنسبة 14%، وفي النمسا بنسبة 13%، مع تسجيل زيادات مماثلة في معظم الدول الأوروبية . وتشير التقديرات إلى أن أوروبا قد تخسر نحو 500 مليار دولار من ناتجها المحلي إذا استمر إغلاق باب المندب على الصادرات السعودية ، وهو ما سيدفع القارة العجوز نحو موجة جديدة من التضخم والركود .
محور المقاومة: قوة عظمى غير تقليدية
ما يميز هذه المرحلة هو أن محور المقاومة لم يعد يقتصر دوره على المواجهة العسكرية، بل تجاوزها ليصبح فاعلاً رئيسياً في تشكيل الاقتصاد العالمي. فبإغلاق مضيق هرمز وباب المندب أمام محمية ال سعود الصهيو أمريكية ، أصبح هذا المحور يمتلك أداة ضغط استراتيجية لا تقل خطورة عن الأسلحة النووية، إن لم تكن أكثر تأثيرًا في المدى القصير.
فقد تمكنت إيران من إحداث اضطراب واسع النطاق في منظومة الطاقة العالمية، لم يشهد له العالم مثيلًا منذ عقود، وربما تمثل هذه الأزمة إحدى أشد الأزمات وأعمقها أثرًا في قطاع الطاقة منذ بدايات سبعينيات القرن الماضي . وهذا التحول في موازين القوى يفرض على الدول الغربية إعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية، والاعتراف بأن الأمن الاقتصادي العالمي أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بمواقف محور المقاومة.
تصريحات ترامب الغبية: تسريع التدمير الذاتي
في هذا السياق، تأتي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تزال أسيرة عقلياتها القديمة، غير المدركة لحجم التحول الذي طرأ على موازين القوى. إن تهديداته بـ”الإسقاط الكامل” لإيران، وتدخله السافر في شؤون اختيار المرشد الأعلى الجديد، وإعلانه أنه لن يسمح لتوليه أي شخص دون موافقته، كلها تصريحات تعكس جهلًا خطيرًا بحقائق المرحلة .
إن هذه التصريحات، بدلاً من أن تردع إيران أو تضعف محور المقاومة، فإنها تسرع في تدمير الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات المرتبطة به من باب التبعية. فالتصعيد اللفظي والعسكري يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، ويدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، ويوسع دائرة المخاطر الاقتصادية التي تهدد الاستقرار المالي للولايات المتحدة وحلفائها .
الإعلام العربي بين المصداقية والمصالح
في هذا المشهد المتغير، يبرز دور بعض وسائل الإعلام العربية التي تسعى، بتوجيهات خفية، إلى تشويه صورة محور المقاومة وتقليل شأن انتصاراته. إن قنوات مثل الجزيرة والعربية والحدث، التي كانت تزعم الحياد، أثبتت مرارًا أنها مجرد أبواق تدور في فلك الأجندة الأمريكية، تنقل الرواية الرسمية دون نقد أو تحليل موضوعي .
فقد أظهرت التغطيات الإعلامية الغربية، وما تبعها من إعلام عربي تابع، انحيازًا واضحًا للسردية الإسرائيلية، مع تجاهل ممنهج لحجم المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي يتعرض لها الشعب الإيراني واليمني نتيجة العدوان الغربي . وهذا الموقف، بالإضافة إلى كونه غير مهني، يكشف عن تبعية هذه المؤسسات لمصالح الدول الغربية، التي تسعى من خلالها إلى تبرير سياساتها التدميرية.
نحو عالم متعدد الأقطاب
ما نشهده اليوم هو ولادة نظام عالمي جديد يتجاوز الهيمنة الأميركية، ويؤسس لعالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي التي تحدد موازين الأمور، بل أصبحت القوة الاقتصادية، والقدرة على التحكم بالممرات الحيوية، عوامل حاسمة في صياغة العلاقات الدولية.
إن مطالب دول العدوان بدفع خمسة تريليونات دولار لإيران ومثلها لصنعاء ليست مجرد مبالغة في الطلب، بل هي تعبير واقعي عن حجم الأضرار التي تسببت بها هذه الدول، وحجم الثمن الذي يجب أن تدفعه مقابل استمرار سياساتها العدوانية. فالخيار أمامها واضح: إما أن تعترف بالواقع الجديد وتدفع الثمن المطلوب، أو أن تواجه ركودًا قاتلاً سيكلفها أكثر من ذلك بكثير.
يجب أن تدرك الدول الغربية أن عصر الهيمنة الأحادية قد ولّى، وأن محور المقاومة أصبح قوة لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها. وإن استمرار سياسات التصعيد والعدوان لن يزيد الأمور إلا سوءًا، وسيدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانهيار، وسيكون الشعبان الأمريكي والأوروبي، قبل غيرهما، أول المتضررين من هذه السياسات القصيرة النظر.
*شاعر فلسطيني/ بلجيكي