إن أسوأ ما في الحروب، هو استصغار ردة فعل الخصم؛ هذا تماما ما جعل العدوان على طهران ينقلب إلى لعنة، انتهت بالكشف عن ضحالة أسطورة جيش الاحتلال الذي لا يقهر وقوى عظمى لا تنهزم. أساطير أخرى تساقطت تباعا، فباتت السماء عارية، ولم تبق نقطة لم تبلغها صواريخ الخرساني. استطاعت الصواريخ الإيرانية تدويل تبعات الاعتداء، وهي تعيد فتح ملفات كثيرة كانت قد اجلتها في سياق ما أسمته بالصبر الاستراتيجي. تملك إيران بنك أهداف دقيق بكل القواعد وغرف العمليات في المنطقة، والتي تدار الحرب من خلالها ، وبعض من هذه الأهداف مدخرة لتوقيت استراتيجي دقيق، وهي تحبل بمفاجآت كثيرة . كشفت الحرب عن وجود صواريخ ومسيرات ذكية قادرة أن تصيب من تورطوا في تسهيل عملية العدوان، وتلاحقهم زنقة زنقة. هذا طبيعي؛ إنها الحرب، والكل يجب أن يتحمل فيها مسؤوليته. فحين تصبح الحرب وجودية، لن يبق للجمل غير المفيدة قدرة على التغليط. ما تؤكده طهران اليوم، هي أنها لم تعد تتساهل مع التهديدات التي تمس أمنها القومي من الجوار.
لقد عبث الاحتلال والدولة العظمى بالمنطقة، والحقيقة أنها عدوان في جوهره على العرب، لأن كسر شوكة الإيرانيين هي مجرد مقدمة في أجندة الاحتلال للمضي في ابتلاع البلاد العربية. وقبل ذلك اعتقدوا أن النصرة الحاكمة بدمشق بفضل تمكينهم، قادرة على دخول لبنان وتسليمه للاحتلال، وهكذا سارعت هذه الجماعة للتعبئة ووضع جيش ورقي عرمرم على الحدود اللبنانية والعراقية. بدا واضحا أن العمالة لا ملة لها، كما بدا واضحا أيضا أن العمالة الملتحية هي أشد وطئا في اللعبة. اليوم وبعد انبعاث مفاجيء للمقاومة في الجنوب، والتئام محور المقاومة، سيكون من الصعوبة تفعيل المخطط الذي اقتضى إسقاط سوريا لصالح بديل ناشيء من قلب القاعدة، لغرض ارتسم في رأس أحمق. فالخطة تقضي بتشكيل حليف في حرب برية يحشد لها الاحتلال والدولة العظمى جحافل المرتزقة، حيث يتم إقحام الارهابيين وكل المرتزقة الذين يتم تجميعهم على الحدود، كي يحقق الاحتلال وحليفه صفر ضحية في حرب برية، تبدو العملية -بداهة- كمغامرة حمقاء، لأن الطرف الإيراني جهز مليون مقاتل عقائدي لهذه المهمة. وقد تم تحذير جماعة النصرة المتحكمة بدمشق من استمرار تواجد ضباط الاحتلال وحلفائه المقيمين بالفورسيزن وغيره، من أن صواريخهم قادرة أن تصلهم حيث هم. اليوم وفي حال انطلاق هجوم بري، سيكون المحور في حل من أمره، حيث تصبح الطريق معبدة لاحتلال الجليل، وإعادة تحرير الشام وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، هذه المرة عبر ثأر الجغرافيا والمقاومة.
ويبدو أن الاحتلال وحليفاؤه يدركون تماما أن المعركة البرية هي أخطر من الحرب عن بعد. ومن هنا بدأ التلويح والترهيب المبطن بالنووي، لكن صواريخ إيران ستكون جاهزة حينئذ لتدمير ديمونة بالكامل، لك أن تتخيل المشهد.
المعضلة العربية في هذه الحرب، أنهم لا يملكون مشروعهم، وربما قد استهتروا بضرورة قيام مشروع عربي يؤمن لهم سيادتهم، ويحررها من الارتهان للمشروع الأمبريالي، فلقد اتضح أن العرب لم يكونوا بالفعل حلفاء حقيقيين لواشنطن، حيث تمت التضحية بأمنهم ومصالحهم، في معركة هي لصالح الاحتلال، قبل أن يدركوا بأن الاحتلال نفسه فقد كل أساطيره في حماية نفسه. ليس في وسع العرب حتى رفض القرار الأمريكي في هذه المغامرة، ولكن ارتهانهم لهذا التنسيق أصبح اليوم مكلفا.
لبنان نفسها التي تعيش غياب دولة قادرة ومقتدرة بشروط اتفاق الطائف، لم تستطع استثمار الهدنة التي التزمت بها المقاومة، بل غاب التناسب بين الموقف الدبلوماسي وواقع العدوان اليومي على المدنيين. وقد كان انبعاث المقاومة من تحت الرميم، قد غير الموازين، فتحول الجنوب إلى مقبرة للميركافا، وانهزام جيش الاحتلال أمام مقاتلي المقاومة على المسافة الصفر، الأمر الذي قوبل بالجحود السياسي. ودائما سيكون الحائط القصير هو إيران، فتغيب أيضا المناسبة: هل سيتحقق الحياد اللبناني بعد طرد السفير الإيراني؟
لقد كان لبنان قوي بشعبه ومقاومته وكيانه الاجتماعي، غير أن المفارقة مرة أخرى تكمن في غياب التناسب بين فعل المقاومة وخطاب الهزيمة الرسمي، الذي تعبر عنه المراهقة السياسية، والتي مفاده المغالطة السياسية التالية: الاستسلام هو أفضل طريقة لتحقيق السيادة.
هناك من عينه على الوطن، وهناك من عينه على الكازينو. لكن ما يلفت الانتباه، أن المقاومة في الجنوب فتحت ثغرا في الحرب لم يكن في الحسبان، حيث اعتقد الاحتلال وأعوانه في الداخل، بأن التزام الهدنة هو مؤشر على نهاية المقاومة وليس التزاما. هذا يؤكد أن النظام العربي الرسمي هو اليوم في وضعية الشلل. وربما كانت هذه فرصة سانحة لإعادة تموقعهم خارج الخيار الخطأ، أي بناء مشروعهم وتأمين أمنهم القومي، والدخول هم بدل الاحتلال في حوار استراتيجي مع إيران، والتحرر من الايرانوفوبيا التي اصطنعوها بأنفسهم، فكانت نهايتها هي ما يحدث اليوم من خراب. فلقد كان من مصلحة العرب وإيران وتركيا الإتفاق على استراتيجيا مشتركة تحمي أمنهم، لكنهم فضلوا المراهنة على الأجنبي.
ليست القوة العظمى وحدها من قرأ قصيدة الوداع على طهران وعلى عموم محور المقاومة، بل أصبح ذلك ديدن لكل خشاش الأرض.
لقد قرأ المرجفون على إيران قصيدة الوداع، قصيدة تقطر صديدا وحقدا لم نر مثله في البلاد. مرضت المنطقة بالايرانوفوبيا، بل باتت حالة شديدة التعقيد، لأنها فوبيا مقرونة ببارانويا حادة. فالخصوم استشرفوا نهاية وشيكة لبلد يمتد في التاريخ آلاف السنين، لكن الكراهية من شأنها استصغار خطورة الأمر. ويبدو أن المحللين الغربيين هم أكثر تواضعا هذه الأيام من نقاري الخشب في بيدائنا العربية، حيث كل يوم ينعق ناعق: لقد أزفت الآزفة.
ستكون هذه الحرب أشد إيلاما على من فكر ثم قدر كيدا لا تحليلا. لكنها أيضا ستكون فرصة للهروب إلى الأمام لدى نمط آخر من الكائنات السياسية. وكما سمعنا بأن الأمور كانت مسرحية، فغدا سنسمع موالا مشابها، والسبب هو أن المصابين بعقدة إيران لن يهضموا انتصاراتها. والحق هو أن ثمة بالفعل متأيرنين، هذه المرة بمعنى حاملين لعقدة إيران إلى حد حجبت عنهم رؤية الأشياء كما هي. إنها دعوة للتحرر من هذا الداء العضال، والخروج من سجن أفقد المنطقة توازنها وحولها إلى جغرافيا بلهاء.
اليوم جازف الأمريكي والإسرائيلي بضرب بعض المنشآت الحيوية في أصفهان ولوح باستهداف أخرى، وبادلته إيران بتلويح يمتد إلى منشآت في المحيط الإقليمي. ما يؤكد أن إيران ذاهبة إلى شل الاحتلال وواشنطن وحلفائهما، وربما من هنا تبدأ حكاية شرق أوسط جديد، لكن بسردية يسطرها الارتداد غير المتوقع على العدوان. إنها استراتيجيا قلبت الصورة تماما، باتت طهران هي من يحاصر العالم.
إن ما تخشاه غالبية دول الخليج، هو أنها إذا استمرت الحرب، سيدخلون في قفزة “لانفطية” إلى الوراء هذه المرة. ماذا في وسع دول نفطية بلا نفط أن تفعله على مستوى احتواء المشهد العربي سياسيا؟ لقد قوضت الحرب ثلاثية الابتزاز :
1- ابتزاز نتنياهو لترامب
2- ابتزاز ترامب لدول الخليج
3- ابتزاز بعض دول الخليج للدول العربية.
إن استسهال ضرب إيران والتآمر عليها، انتهى إلى إدخال المنطقة في متاهة حارقة. حتى الصين وروسيا وأوروبا أصبحت تتفرج على هذا الفشل الذريع في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. لقد تساهل الإيرانيون كثيرا في المنطقة طيلة 45 عاما، حتى تجرأت عليهم أمم مجهرية، وتطاولت عليهم قوى مهملة، وتضخم سوء الثقة.
اليوم تبخرت كل الأهداف المعلنة وغير المعلنة من الحرب. فالمراهنة على سقوط النظام تحولت إلى خيبة أمل. هناك انسحابات من حكومة ترامب وحكومة الاحتلال، في المقابل لم يسجل على النظام الإيراني انسحاب أي مسؤول، ما عدا من قضى منهم شهيدا في عمليات الاغتيال.
يبدو أن التحدي اليوم ليس في القضاء على نظام شعبي قوي، حيث غالبا في الحروب تفقد النظم الحديدية قدرتها على الصمود، لكن النظم الشعبية تستطيع ذلك. التحدي اليوم ليس في تدمير النظام الايراني، بل التحدي القائم اليوم هو كيف يستطيع الأمريكي إقناع الإيرانيين بوقف الحرب، وكيف سيهضم الاحتلال هزيمته؟ وأي أفق سيبقى بعد هذه المغامرة الفاشلة؟ أهم مخرجات هذه الحرب، أنها شكلت اختبارا للقدرات الدفاعية الإيرانية، و أيضا لأول مرة لن تكون النكسة والنكبة لحظة مؤلمة في ذاكرة الصراع العربي- الإسرائيلي، بل، ابتداء من اليوم، سنتحدث عن نكسة الاحتلال ونكبته.
ومع ذلك، لا زال أمام العرب فرصة للنجاة من المصيدة التي نصبها الاحتلال لواشنطن، قبل أن يدركه ثأر الجغرافيا. بل هي الفرصة الأكثر جدوى لفك الارتباط الاستراتيجي والعاطفي مع المشروع الأمبريالي الذي أظهر عجزه عن التحكم بمصير الحرب والمنطقة. فلقد أثخن الغرب في ابتزاز المنطقة، مستغلا تناقضاتهم ومؤامراتهم الداخلية في مزيد من السيطرة على مصيرهم. كل مشاكل العرب كان بامكانها أن تنحل في إطار مشروع عربي متكامل، لكن عناد العرب وتصرفهم كذئاب منفردة، جعل بأسهم بينهم شديدا. منحت إيران فرصة تاريخية العرب كي يتحرروا من التبعية – إن أرادوا -وبناء مشروعهم بتعاون مع أقطاب المنطقة، في عالم هم فيه في حاجة ماسة لهذا المشروع، سواء برسم القطب الواحد أو الأقطاب المتعددة في حال تشكل نظام دولي جديد، إن علاقة بين العرب وإيران ليست نافلة، بل هي استحقاق جيوستراتيجي لا مفر منه. وقد بات المشروع العربي حاجة تتأكد يوما بعد يوم، بعد أن تجاهل أهميته من يدفعون الثمن اليوم غاليا.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة التفكير في مفهوم “الأمن القومي” خارج صيغته التقليدية. فلم يعد الأمن يعني حماية الحدود الجغرافية فحسب، بل حماية القدرة على اتخاذ القرار داخل بيئة دولية كثيفة التداخل. إن التهديدات لم تعد خارجية فقط، بل أصبحت كامنة في هشاشة البنى الداخلية، وفي التبعية الاقتصادية، وفي العجز عن إنتاج المعرفة. ومن هنا، فإن الأمن في صيغته الجديدة هو قدرة مركبة على الصمود، والتكيف، والمناورة داخل نظام عالمي لا تحكمه قواعد مستقرة.وإذا كانت هذه الحرب قد كشفت حدود الاعتماد على القوى الكبرى، فإنها في الآن ذاته تعيد طرح سؤال العلاقة معها على أسس مختلفة. فالعلاقات الدولية لم تعد تدار بمنطق الحلفاء الثابتين، بل بمنطق المصالح المتحركة. وهذا يفرض على الفاعلين الإقليميين – وفي مقدمتهم العرب – الانتقال من موقع التلقي إلى موقع التفاوض، أي من الاندراج في استراتيجيات الغير إلى محاولة التأثير فيها، ولو ضمن هوامش محدودة. إن إعادة التوازن في هذه العلاقة لا تعني القطيعة، بل تعني إعادة تعريف شروطها.ومن هذا المنظور، تكتسب فكرة بناء أفق إقليمي مشترك بين القوى الكبرى في المنطقة – العرب، وإيران، وتركيا – بعدا يتجاوز الظرفية، ليصبح شرطا بنيويا لإعادة الاستقرار. غير أن هذا الأفق يظل رهينا بالقدرة على تجاوز الإرث الإيديولوجي المثقل بالصراعات، والانتقال إلى منطق “تدبير الاختلاف” بدل “إلغائه”. إذ لا يمكن لأي نظام إقليمي أن يستقر إذا بني على منطق الغلبة المطلقة، بل على توازنات دقيقة تعترف بتعدد الفاعلين ومصالحهم.
وأخيرا، فإن ما تفتحه هذه الحرب ليس فقط احتمالات إعادة رسم الخرائط، بل إعادة تعريف القواعد التي ترسم بها الخرائط ذاتها. نحن أمام لحظة تاريخية تتفكك فيها البنى القديمة دون أن تتبلور بعد بدائل نهائية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان على من يربح جولة بعينها، بل على من يمتلك القدرة على صياغة أفق استراتيجي قابل للاستمرار. وهنا تحديدا تتحدد قيمة “الفرصة العربية”: هل ستظل مجرد إمكانية نظرية تتكرر في الخطاب، أم تتحول إلى مشروع تاريخي يعيد للمنطقة قدرتها على الفعل داخل عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟
ما يتعين اخذه في الحسبان، هو أن تحولات المصالح أيا كان مسارها، فلا يوجد ضامن لاستقرار العلاقات الإقليمية غير المساكنة الجيوسياسية. ففي قلب هذا التحول في معادلة المصلحة، يوجد ثابت واحد لا يتغير، هو المصلحة التي تفرضها استحقاقات الجوار.