| محمد حسين واحدی*
لم تكن عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران تحمل في طياتها مصير إيران فحسب، بل اتخذت أبعاداً إقليمية لم نشهد لها مثيلاً من قبل. فقد ردت إيران على الفور بمهاجمة الكيان الصهيوني والدول المحيطة بالمنطقة، لدرجة أن ترامب نفسه اعترف في تصريحاته قائلاً: “لم أكن أتوقع إطلاقاً أن ترد إيران بشكل فوري”. علاوة على ذلك، تعرضت إسرائيل لهجوم عنيف من قبل حزب الله؛ وكان الهجوم الذي انطلق من لبنان تجاه الكيان الصهيوني غير مسبوق تقريباً، إذ لم يتوقع مسؤولو الكيان بتاتاً أن يمتلك حزب الله القدرة على الهجوم كما في السابق، في وقت ظن فيه جميع المحللين أن أمر هذه الجماعة قد انتهى.
لكننا شهدنا شيئاً آخر في الحرب الأخيرة؛ فحزب الله لم يعد كما كان قبل عملية “الغضب الملحمي”، تماماً كما أن الكيان الصهيوني لم يعد كما كان قبل أحداث السابع من أكتوبر. لقد تصرف حزب الله طوال عدة أشهر بصمت وتحمُّل لانتهاكات وقف إطلاق النار من قبل الكيان الصهيوني، مما جعل غالبية الناس يعتقدون أن هذا التنظيم لن يعود إلى سابق عهده. لكننا فجأة شهدنا واقعاً مغايراً تماماً، بل ومختلفاً حتى عن عام ۲۰۰۶، لأنهم اختاروا واستخدموا أسلوب الحرب الحديثة ضد الكيان الصهيوني.
لقد انتقلت هذه الحروب من أوكرانيا إلى سوريا ثم وصلت إلى لبنان، ويُعد استخدام الطائرات المسيرة أمراً شائعاً في هذا الأسلوب؛ حيث يتم استخدام مسيرات “FPV” الصغيرة (ذات رؤية الشخص الأول) لمهاجمة الدبابات والأفراد. وتتم هذه الطريقة عن بُعد باستخدام أجهزة تحكم ذكية والذكاء الاصطناعي، ولهذا السبب وقف الكيان الصهيوني عاجزاً في المعركة الأخيرة ضد حزب الله. حتى إن صحيفة “معاريف” الصهيونية صرحت بوضوح في تقرير جديد لها: “إن قوات الجيش الصهيوني، وتحديداً الفرقة ۳۶، تدرك بعد كل معركة أن حزب الله في مستوى عالٍ من الجاهزية للقتال”.
مؤخراً، بدأ الكيان الصهيوني بتركيب شباك حديدية فوق دباباته لمواجهة مسيرات قوات المقاومة؛ وهي
دبابات تستخدم أساساً نظام الدفاع المطور “تروفي”، لكنهم الآن لا يملكون سبيلاً آخر لمواجهة مسيرات “FPV” الخاصة بحزب الله. لقد صدمت المعركة الأخيرة الكيان الصهيوني لأنهم لم يتوقعوا إطلاقاً أن يدخل حزب الله الحرب بهذه الكثافة. وهم يحاولون حالياً إضعاف هذه الجماعة عبر هجمات عنيفة على لبنان تُعرف باسم عملية “الظلام الأبدي”، ولكن دون جدوى حتى الآن؛ إذ تحولت مسيرات حزب الله إلى كابوس يقض مضاجع إسرائيل، وهذا بشهادة وسائل الإعلام الإسرائيلية نفسها.
ولمواجهة هذه التهديدات، لجأت إسرائيل إلى استخدام “دمى انتحارية” بهدف استنزاف ذخائر وأسلحة حزب الله، لكني لا أظن أن هذا الحل سيكون فعالاً؛ لأن محور المقاومة لم يعد مستورداً، بل أصبح أحد منتجي الأسلحة الحربية في العالم. وبالطبع، ليس المقصود هنا المعدات الثقيلة والمدرعات، بل الأسلحة التكتيكية والأكثر استخداماً مثل أنواع الصواريخ، والمسيرات، والقذائف، وغيرها.
والسؤال الرئيسي هنا هو: كيف دخل حزب الله
الحرب فجأة ضد إسرائيل؟ لقد كانت صدمة هذا الهجوم كبيرة على الإسرائيليين لدرجة أن المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم لم يتوقعوا هذه الخطوة. وهناك إجابتان فقط على هذا السؤال: أولاً، الهجوم الإسرائيلي على إيران؛ وثانياً، إضفاء الشرعية على إعدام الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل، وهو الأمر الذي أثار غضب جميع المسلمين في العالم.
*ماجستير في الفكر السياسي