يبدو أن سوء تقدير القرائن وسوء قراءة مقدمات سقوط الأمم وقيامها، هو السبب الكافي لهذا الخلط الفاحش والأحمق الذي جعل من المستقبليات ضربا من الهذيان يلتف على الحقائق الواقعية والتاريخية. أي عماء هذا الذي يقذفنا فيه التحليل السياسي الفاقد لشروط ومفاهيم علم السياسة؟ إنهم حقا يهينوننا بمفارقاتهم!
لماذا نحن مجبرون على التعويض النفسي في مقام التحليل العلمي لحوادث السياسة؟ مرة أخرى تثأر المفاهيم ممن يستهين بدور علم السياسة والتاريخ، وغالبا ما نصبح بهلوانين على طريق العلائق بين الأمم. هل باتت السياسة مأوى للجهل؟!
نحن في حروب مفتوحة، وليس لنا أكثر من واجب وصف ما يجري بروية العقلاء ، حيث إن تعقيد الواقع لا يمكن أن يكشف إلا عما هو محتمل، كما لا يمكن لتعقيد الواقع أن ينكشف من خلال ذهنيات تبسيطية مصرة على التكرار . ثمة علاقة جدلية فيما ذهب إليه باسراب نيكولسكو بين تعقيد الواقع وتعقيد النظرية. والحق، أن مهلكات النظرة التبسيطية لتاريخ صراع الأمم يفوق مهلكات وأضرار الحرب نفسها. فهذه تترك خرابا ماديا وتلك تترك خرابا عقليا؛ وسيبقى السؤال: ماذا في وسع حرب كهذه أن تحقق من مخرجات؟
من كان في الحرب امرئا تلعابة لا عهد له بالحرب ومخرجاتها الاستراتيجية، سيركن إلى التمنى والاحجيات البالية، وسيبتعد عن ذات الشوكة في رؤية الأشياء وتحليلها، استهتارا بالمتلقي، وجلبا للإهانة للعقل العربي، باعتباره لم يعد عقلا قادرا على استيعاب الواقع، بل بات أبله عقل بين عقول الأمم.
النسبية كمفهوم سائل في استعمال الأغبياء، لا نجد له تطبيقا عند الحاجة، يصعب تطبيق وتقبل نتائج النسبية على ما يجري اليوم في المنطقة. النسبية والاحتمال هما أبرز عدوان للتبسيط.
الثابت في معادلة الحرب اليوم، بل المفاجأة الكبرى، هي فكرة الصمود التي أبطلت مفعول الاعتراف في فلسفة الصراع بين السيد والعبد طبقا للمنظور الهيغلي المؤسس للفلسفة السياسية الأمريكية عبر وسيطها الأكبر ليو ستراوس، الوريث الأكبر للتأويل الكوجيفي لهيغل والأب الروحي للفلسفة السياسية الأمريكية. إن مفعول عدم استسلام طهران لمطالب واشنطن في هذه الحرب يضاهي مفعول كل أسلحة الدمار الشامل، فلأول مرة فشلت خدعة المخاطرة وتحطمت نظرية كوجيف_ليوستراوس، وبات التردد سيد الموقف. يصعب استيعاب هذه الحقيقة لمن يقرأون الحرب في ضوء القياس المفارق، وما أكثرهم في عرصاتنا.
لا تسعى إيران من خلال هذه الحرب غير المتكافئة إلى إسقاط أمريكا، لا تقولوا قادة الحرب ما لم يقولوه، بل هي تسعى لإسقاط مفهومي المخاطرة والاعتراف، في جدلية صراع السيد والعبد. وفي هذه المعركة لا أحد سيسقط الآخر، بل هناك حرب جدية لإسقاط سردية الهيمنة. الصمود الإيراني سيحرر واشنطن من أزمة الهيمنة.
هذه المعركة التي كان من الممكن تفاديها، هي اليوم ترغم أمريكا لاستعادة فكرة هينتنغتون: لا يمكن لأمريكا أن تهيمن على العالم إلى الأبد. ومن هنا يبدو أن صمود طهران سيعجل بهذه القناعة والعمل على توفير سردية جديدة لن يجدوا لها _ في أسوأ الحالات _ نموذجا أفضل من سردية هنتنغتون، أي العودة من حيث أتوا.
إن الفلسفة السياسية هنا حاكمة على الفعل السياسي، ولا شيء هنا قابل للتمني، إنه صراع سرديات، ومخاطرة لتوليد ما هو أكثر استجابة للتحدي الواقعي للحرب. ترى، هل سيتحقق هذا من دون كلفة؟ لقد نبههم هنتنغتون الذي أساءوا وأسأنا قراءته، لمخاطر الحرب الحضارية القادمة.
إن المتابعات الساذجة لآناة الحرب، يجعل أحكام الليل تمحوها أحكام النهار، ولا نهاية لهذا المسلسل الهندي. لا أحد يملك التنبؤ بمدى قدرة أمة على الصمود، وانقلاب الصورة بين فجوات تركيب الواقع.
إن هزيمة أمريكا في واحدة من أكبر حروبها في المنطقة لا يعني نهاية أمريكا كقوة عظمى في عالم قادم متعدد الأقطاب، هناك فرق بين سقوط الأمم ونهاية القدرة على الهيمنة. هناك منطق لسقوط الأمم يجب قراءته في فلسفة التاريخ وليس في تعليق الهواة، وليس بالضرورة أن يكون سقوط الأمم ناشئا عن معركة. فالأمم العاجزة عن الاستمرار في التاريخ هي التي لا تملك قدرة على الحرب طويلة الأمد، هي التي ينخرها الفساد ويختل فيها العقد الاجتماعي، هناك من يخلط بين التحليل الجيوستراتيجي والنميمة السياسية في مجالس السوء.
إن الخوف على الأمم هو بالأحرى خوف من سقوط عقلها السياسي وعدم استيعابها لفلسفة التاريخ وانهيار سرديتها المؤسسة.
ثمة شيء واضح، وهو أن من السهولة أن يتحكم الاحتلال في القرار الأمريكي من أن يفرض على المنطقة قرار الحرب إلى الأبد. لن تستطيع الدولة العظمى تحمل هذا العبيء إلى الأبد، هذه سردية مؤجلة ستجدها واضحة عند وليام بلوم في الدولة المارقة، وعند هنتنغتون بالمفهوم لا بالمنطوق، في صدام الحضارات.
كانت الحرب بمنطقها الهيغلي وبقوة حرب النجوم التي هيمنت على سردية الحرب الباردة قد تحولت إلى حرب ناعمة، أي قوة جذب كرستها هوليود في دراما الحروب الأمريكية المحسومة النتائج ابتداء من الجينيريك، غير أن فشل مشروع جوزيف ناي بعودة سياسة التدخل على أساس الحرب الخشنة، أنهى القوة الناعمة بوصفها هي القوة الثابتة قبل وبعد القوة الخشنة. اليوم أسقطت واشنطن معنى النظام الدولي، حين أصبح العالم يتحدد مصيره داخل الكابنيت. يتوقف انتصار القوة العظمى على قدرتها على قوة الجذب وكضامن لاستقرار النظام الدولي. مفهوم الثقة أساسي في الحرب الناعمة، وها قد تبخر خلال هذه الحرب. إن توزيع الأدوار بين واشنطن والاحتلال، انتهى. واشنطن تحارب ضد سقوط الكيان، لكنها فشلت، وهو فشل يتهدد وجود الكيان كما يتهدد سردية الهيمنة. واما العقل المغلق الأمريكي(The Closing of the American Mind) كما وصفه ذات ألان بلوم في عمله المهم، هو اليوم عاجز عن تمثل سردية أخرى من دون عنف الفطام، ومن هنا اعتبرنا هذه المعركة بمثابة فطام قسري، تربية على تجاوز مرارة فقد السردية القديمة، إنها حرب بمثابة إكسير مرضى الهيمنة. لقد راهن بلوم على منطق النهايات، وربما حقق تلميذه فوكوياما حلم المخاطرة، لكن الظاهر أن خيبة الأمل هنا واضحة، ومع أن بلوم نصح فوكوياما قبل الدخول في مغامرة الفلسفة السياسية، إلى شد الرحال نحو باريس لمتابعة محاضرات رولان بارت وجاك دريدا، فقد فشل فوكوياما في استيعاب قوة الميتافورا ودور العلامة في قيام المعنى ومعضلة تاريخ الكذب، لأن نهاية التاريخ نفسها لو اخضعناها لتفكيك جينيالوجيا الكذب دريديا سنجدها أكبر مثال للكذب السياسي في بنية الخطاب الإمبريالي. إن مفهوم المخاطرة الكوجيفي والفوكويامي فقد عنفوانه في النظام الرأسمالي. إن الرأسمال جبان، وللمخاطرة هاهنا حدود.
تتخلل الحرب القائمة اليوم فجوات ومفاوضات محكومة بغياب الثقة، فالحرب والمفاوضات فقدت معناها في زمن الميغا-كذب السياسي. لن يجدوا الحديث عن مدرسة البراغماتية مقابل مدرسة دوغمائية، التوزيع المخاتل والتهجي الأصفر لمفاهيم تحولت إلى رماد في الحرب الإمبريالية التي يتفادى سنافير التقوال الجيو-باندي أن يسمونها باسمها. لا تنتظر من سماسرة الإمبريالية وذيولها أن يقدموا الرؤية الصحيحة لفائض القوادة السياسية الأمبريالية، وأخشى أن تتكامل الأدوار بين هذا الرهط وذاك الرهط ممن اختاروا الوهم أسلوبا في ملأ الفضاء العمومي بأضاليل ما قبل علم السياسة وخرائف ما قبل التاريخ.
د. إدريس هاني- كاتب مغربي