اتفاق بلا انسحاب: هل تحوّل التفاوض مع السلطة اللبنانية إلى غطاء لبقاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب؟

اخترنا لك

الخبر اليمني-خاص:

تتحرك جولة التفاوض الجديدة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، المرتقبة في روما منتصف يوليو/تموز، داخل معادلة مختلة منذ لحظتها الأولى: اتفاق إطار برعاية أمريكية، احتلال إسرائيلي مستمر في الجنوب، سلطة لبنانية تحاول تسويق التفاوض بوصفه طريقًا إلى الانسحاب، وتل أبيب تتعامل مع النصوص لا كالتزامات متبادلة، بل كأداة تمنحها وقتًا إضافيًا لتثبيت وقائع عسكرية على الأرض.

فما سمي “اتفاق الإطار” لم يولد كوثيقة تلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، وإنما كمسار تفاوضي مفتوح، قالت واشنطن إنه “خطوة أولى”، بينما بقيت تفاصيله الأساسية شحيحة ومفتوحة على التأويل.

والأهم أن الاتفاق، وفق ما نشرته وسائل إعلام عربية منها الجزيرة، لا يجبر إسرائيل على الانسحاب من المساحات الواسعة التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان، في وقت تواصل فيه تل أبيب الإيحاء بأنها ستبقي لنفسها حق الهجوم داخل لبنان متى رأت ذلك ضروريًا.

تفاوض غير متكافئ

بهذا المعنى، لا تبدو المشكلة في وجود تفاوض بحد ذاته، وإنما في طبيعة التفاوض وشروطه. فلبنان يدخل الجولات المتعاقبة وهو يطالب بجدول زمني للانسحاب واستعادة السيادة، بينما تدخل إسرائيل وهي تمتلك الأرض والسلاح والدعم الأمريكي والقدرة على تجميد التنفيذ متى شاءت.

لذلك تبدو التسريبات اللبنانية عن الإصرار على جدول زمني للانسحاب خلال جلسة روما أقرب إلى محاولة لامتصاص الغضب الداخلي منها إلى تحول حقيقي في ميزان التفاوض، خصوصًا أن مطلب الانسحاب سبق أن طُرح قبل جولات سابقة، ثم انتهى الأمر إلى اتفاق إطار لا يتضمن آلية إلزامية واضحة لانسحاب كامل.

 

الشروط الإسرائيلية… احتلال باسم الأمن

وتزداد هشاشة الموقف اللبناني حين نقرأ ما تقوله إسرائيل علنًا، لا ما تسرّبه بعض الدوائر اللبنانية. فقد قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد إعلان الاتفاق إن الأهم بالنسبة له هو بقاء إسرائيل في “المنطقة الأمنية” داخل جنوب لبنان، وإن هذا البقاء سيستمر ما دام حزب الله لم ينزع سلاحه.

هنا يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بما تريده تل أبيب لا بما يفرضه القانون أو السيادة اللبنانية، ويتحول الاحتلال من خرق واضح إلى بند تفاوضي قابل للتمديد باسم الأمن.

اقرأ أيضا:لبنان| اتفاق هدنة أم اتفاق إهانة

الوقائع الميدانية تناقض الوعود

ووفق رويترز، نفت كل من إسرائيل ولبنان حدوث أي انسحاب إسرائيلي فعلي من جنوب لبنان، بعد تصريح أمريكي تحدث عن “خطوة حسن نية” إسرائيلية. بل إن مسؤولًا إسرائيليًا نفى وجود أي انسحاب من “المنطقة العازلة”، وقال متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إن أي إعادة انتشار لن تتم إلا بعد نزع سلاح جنوب لبنان وحزب الله.

أما مسؤول عسكري لبناني فقال إن التطورات على الأرض تظهر عكس الانسحاب، وإن الجيش الإسرائيلي يفرض المنطقة العازلة حتى على الجيش اللبناني نفسه.

هذه التفاصيل تكشف جوهر اللعبة… فالولايات المتحدة تعرض العملية بوصفها مسارًا لاستعادة السيادة اللبنانية، بينما تستخدم إسرائيل المسار ذاته لتكريس احتلال مشروط ومؤجل النهاية.

فالحديث عن “مناطق تجريبية” أو “انسحاب تدريجي” لا يغيّر الحقيقة الأساسية. إسرائيل ترفض جدولًا واضحًا، وتريد التفاوض على كل منطقة على حدة، وتصر على البدء بمناطق لا تقع أصلًا في قلب المنطقة التي تتمسك بها عسكريًا. وبحسب رويترز، فإن لبنان يريد خريطة طريق لانسحاب كامل، بينما تصر إسرائيل على التفاوض المنفصل لكل منطقة من دون جدول زمني.

 

جولة روما… المسار ذاته

أما جولة روما، المقررة في 15 و16 يوليو/تموز على مستوى السفراء، فهي الجولة السادسة منذ الربيع بين بلدين لا تربطهما علاقات دبلوماسية ولا يزالان من الناحية الرسمية في حالة حرب. غير أن مكان التفاوض أو عدد جولاته لا يغيران جوهر المأزق. واشنطن ترعى مسارًا يمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا، فيما تطلب من لبنان أن يقدّم التزامات أمنية وسيادية قبل أن يحصل على أبسط حق، وهو انسحاب الاحتلال من أرضه.

اقرأ أيضا: من غزة إلى العراق مروراً بلبنان.. هل تنجح خطط أمريكا بتفكيك المقاومة مقابل خروجها من المنطقة؟

 

الموقف اللبناني بين الخطاب والواقع

اللافت أن السلطة اللبنانية تحاول الظهور بمظهر من يفاوض بشروط عالية، فتسرّب أنها ستطالب بجدول زمني للانسحاب، وتلمّح إلى أنها لن تقبل بتكريس الاحتلال.

لكن التجربة القريبة تقول إن هذه اللغة غالبًا ما تُستخدم قبل الجولات لتخفيف الضغط الشعبي والسياسي، ثم تتراجع عند لحظة التوقيع أو التنفيذ. وهذا ما يجعل الحجة اللبنانية الرسمية ضعيفة: كيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن روما ستنتج ما لم تنتجه واشنطن، بينما الاتفاق نفسه لا يضع الانسحاب الكامل كشرط سابق، ولا يمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها؟

إسرائيل… وضوح في الأهداف

في المقابل، تمارس إسرائيل سياسة أكثر وضوحًا وأقل تجميلًا. فهي لا تخفي أنها تريد منطقة أمنية في الجنوب، ولا تخفي أنها تربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، ولا تخفي أنها ستواصل الهجوم متى اعتبرت أن هناك تهديدًا.

وبذلك تتحول المفاوضات من أداة لإنهاء الاحتلال إلى آلية لإعادة تعريف الاحتلال بوصفه “إجراءً أمنيًا مؤقتًا”، مع أن المؤقت في التجربة الإسرائيلية كثيرًا ما يتحول إلى واقع دائم ما دام لا يواجه بكلفة سياسية أو عسكرية.

اتفاق بلا انسحاب: هل تحوّل التفاوض مع السلطة اللبنانية إلى غطاء لبقاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب؟ #اتفاق_الإطار
احتجاجات شعبية في شوارع بيروت ليلة الإعلان عن اتفاق الإطار.

انقسام لبناني حول اتفاق الإطار

ولذلك لا يمكن فصل الجدل حول اتفاق الإطار عن الانقسام الداخلي اللبناني. فوكالة أسوشيتد برس نقلت أن الاتفاق الأمريكي بوساطة عمّق الانقسامات في لبنان، لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، ما أثار رفض الحزب وحلفائه، بينما ترى الحكومة اللبنانية أنه مدخل لاستعادة السيادة.

لكن الخلاف الحقيقي لا يدور فقط حول سلاح حزب الله، بل حول سؤال أعمق: هل يجوز تحويل انسحاب الاحتلال إلى جائزة مشروطة بمطالب إسرائيلية، بدل أن يكون حقًا لبنانيًا غير قابل للمساومة؟

ميزان تفاوض يميل إلى تل أبيب

ما يجري إذن ليس تفاوضًا متوازنًا بين طرفين متكافئين، بل مسار تديره واشنطن بميزان يميل بوضوح إلى إسرائيل. فتل أبيب تحتل وتفاوض، تضرب وتطالب بالضمانات، ترفض الجدول الزمني ثم تقدم الرفض بوصفه حرصًا على الأمن.

أما لبنان الرسمي فيحاول القفز إلى الأمام عبر تسريبات عن شروط قاسية، لكنه يظل محكومًا بسقف الاتفاق نفسه وبالدور الأمريكي الذي لا يبدو وسيطًا بقدر ما يبدو ضامنًا لمرونة إسرائيل وصلابة شروطها.

اقرأ أيضا: لبنان.. الشيخ نعيم قاسم: اتفاق الإطار تنازل خطير وخطئية والمقاومة لن تتخلى عن سلاحها وشعبها

 

هل تنجح روما في فرض الانسحاب؟

لهذا تبدو جولة روما، قبل انعقادها، محاطة بسؤال واحد: هل ستكون محطة لفرض جدول انسحاب واضح، أم حلقة جديدة في مسار يمنح إسرائيل وقتًا إضافيًا لتثبيت احتلالها تحت عنوان التفاوض؟

المؤشرات حتى الآن لا تمنح بيروت سببًا كبيرًا للتفاؤل. فما دام الاتفاق لا يلزم إسرائيل بالانسحاب، وما دام الاحتلال يملك حق تجزئة الأرض والوقت والشروط، فإن كل حديث عن “إصرار لبناني” على جدول زمني سيبقى اختبارًا لا تقرره التسريبات، وإنما ما سيظهر على الأرض: هل ينسحب الاحتلال فعلًا، أم ينجح مرة أخرى في تحويل التفاوض إلى ستار ناعم لبقاء قاسٍ؟

أحدث العناوين

The Ministry of Health in Gaza announces an increase in the death toll from the war

The war in the Gaza Strip continues to claim more victims, as Israeli airstrikes and military operations persist across...

مقالات ذات صلة