الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

ِقراءة في خرائط تقسيم المنطقة العربية.. من سايكس ـ بيكو إلى » روبن رايت «1-3

 

عباس السيد:

تعود بداية مخططات التقسيم إلى مئة عام مضت، وتحديداً عام 1916، حين قررت كل من بريطانيا وفرنسا تقسيم إرث السلطنة العثمانية، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، لتظهر مؤامرة “سايكس- بيكو”، والتي أدت إلى تغيير معالم دول “الهلال الخصيب”. وبعد سنة من الاتفاقية ، جاء وعد بلفور بإقامة دولة لليهود عل أرض فلسطين .

وقد أسست اتفاقية سايكس ـ بيكو، لدول عربية قطرية بناء على حدود وضعها المستعمر، نمت معها ظروف التجزئة، والانغلاق؛ ونتج عنها حالة من اللا استقرار، كما هيأت في الوقت نفسه لنشوء الكيان الصهيوني الذي أعلن قيامه عام 1948على أرض فلسطين في بيئة ضعيفة مفككة متخلفة.

 

« لقد أثبت العالم العربي عجزه عن التحليل المنطقي للمستقبل، حتى أولئك الذين يتصايحون للتحذير من مخططات الأعداء، يفعلون ذلك بناءً على أوهام يتخيلونها وأساطير يتداولونها، وليس على أساس معرفي علمي. لذلك، يحبذ الخبراء الصهاينة نشر استراتيجياتهم المستقبلية علنًا لتوعية أكبر عدد ممكن من اليهود والإسرائيليين بها، دون أدنى قلق من اطلاع العرب عليها، فإمكانية تصدي حكوماتهم لتلك الخطط إزاء معرفتهم بها شبه معدومة”.

إسرائيل شاحاك ـ المحلل السياسي الإسرائيلي والأستاذ بالجامعة العبرية

سايكس بيكو والوحدة العربية

كان أهم هدف لمخطط سايس بيكو ، هو اجهاض مشروع الوحدة العربية والحيلولة دون أن يتبلور المشروع إلى طموح سياسي على الأرض العربية بعد خروج العثمانيين وأنتهاء خلافتهم .

ومع ذلك ، لم يمنع مخطط سايس بيكو من عودة الحلم العربي بالوحدة الذي لاح مجددا بظهور مشروع القومية العربية الناصري ، لكنه أصطدم بالخصوصية القومية الذاتية والمحلية .

كان واضحا حرص القائمين على سايكس بيكو، على عدم السماح بقيام دولة كبيرة تهدد مصالحهم ، فعملت على استمرار هذه الدول. وكان نجاح هذه المعاهدة واستمراريتها لسببين، الأول فشل قيام مشروع قومي عربي شامل، والسبب الثاني هو رفض الدول العربية بعد إعلان استقلالها وتحررها، إقامة وحدة عربية ينتج عنها دولة عربية واحدة، لأن قادة هذه الدول حرصوا على استمرار حكمها الفردي للبلاد ، ما أدى في النهاية إلى استمرار سايكس بيكو إلى يومنا هذا .

وبموجب الاتفاقية ، نشأت أربع كيانات، هي: لبنان، فلسطين، سورية، الأردن . لم تكن هذه الدول الأربع تحمل مزايا قومية تمثل الهوية الوطنية المحلية، لأن هذه الدول كان يجمعها تاريخ واحد، بعكس ما حاول القائمون على هذه الدول إبرازه من هوية وطنية خاصة مختلفة عن باقي الهويات الأخرى. فالهوية الوطنية الفلسطينية اتخذت طابعها الوطني لا من تنافرها مع الهوية السورية، بل من مواجهتها محاولات الإلغاء والطمس التي مارستها “إسرائيل” منذ قيامها في سنة 1948 .

دينامية التفتيت

بواقع الحال، شكلت سايكس – بيكو الإطار البريطاني – الفرنسي للتعبير عن عصر الامبريالية الأوروبية مطلع القرن العشرين. وكانت روسيا القيصرية شريكاً هامشياً. وقد فرضت نتائج الحرب العالمية الثانية تعديلات على الاتفاقية ، حيث دخلت إيطاليا في ليبيا وإسبانيا في المغرب على خط تقسيم المنطقة وثرواتها. وورثت الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً بعد عام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر) التركة الأوروبية.

بعد مضي مائة عام على إتفاقية سايكس ـ بيكو ، أثار العديد من المفكرين والباحثين ومراكز الأبحاث العديد من الأسئلة حول الإتفاقية . وتأتي في مقدمة تلك الأسئلة: هل حققت الاتفاقية أهدافها، وهل هي مستمرة أم انتهت، وهل هناك اتفاقية جديدة مماثلة يتم العمل على وضعها اليوم؟

يرى الكثير من المحللين والسياسيين العرب والأجانب ، إن سايكس – بيكو وملحقاتها لا تزال مستمرة ، ولا يبدو أنّ هذا المعنى في طريقه إلى الانتهاء قريباً. ذلك أن دينامية التفتيت التي أطلقتها الاتفاقية تحوّلت – بعد مائة عام – من كونها دينامية تمزيق خارجية فرضت بالقوة العسكرية، إلى دينامية تمزّق داخلي لا تزال فعالة ومستمرة ، رغم التراجع الكبير الذي شهدته السطوة الغربية في المنطقة التي كانت متمثلة في الاحتلال المباشر .

قبل عام ، كتب وزير الخارجية الألماني الأسبق ، يوشكا فيشر، مقالا ، قال فيه : « إن القوى الإقليمية ، وليس القوى الخارجية ، هي التي ستخلق النظام الجديد في الشرق الأوسط على حطام نظام سايكس بيكو.» وأضاف: «في الوقت الذي تنهي فيه الحروب بالوكالة، مثل تلك التي تجري في سوريا، أعمالها، فإن سايكس – بيكو سيغدو اتفاقاً من التاريخ».

وبهذا المعنى، يكون سايكس – بيكو قد انهار، حيث لم يعد بإمكان القوى الغربية ضمانة بقائه ، كما لم يعد بإمكانها إعداد بديل عنه. صحيح أنها لم تفقد قوتها على التدخل والتأثير، ولكن ذلك شيئاً آخر مختلف.

رأي الوزير الألماني يحمل بداخله تبرئة للغرب واميركا فيما يخطط للمنطقة ، فهو يتجاهل دور القوى الإستعمارية الجديدة فيما يحدث من حروب وأزمات في المنطقة تمهد لعملية التقسيم.

البديل الأسوأ لـ « سايكس ـ بيكو «

يؤكد البعض أن الكرة باتت الآن في ملعب القوى الإقليمية. ومن هنا يمكن فهم التقارب الإسرائيلي – الخليجي، والاهتمام الإسرائيلي بإقامة علاقات مع قوى إقليمية، تشكل ظهيراً هاماً، وليس بديلاً بالضرورة لرعاته الغربيين. لكن ينبغي التأكيد على أن إنتهاء سايكس بيكو، أو إنهيارها ، لن يكون لصالح مشروع الوحدة العربية ، أو دولة الخلافة الإسلامية ، بل لصالح مشروعات أسوأ بكثير من سايكس بيكو ، وهو ما يجري تسويقه بإسم « الشرق الأوسط الحديد « .

وفي هذا الإطار ، يرى الدكتور شاهر إسماعيل الشاهر ، مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات بدمشق ، أن سايكس- بيكو انتهت ، وذلك أمر مؤكد، لكن كل شيء الآن غامض، وسيكون هناك وقت طويل قبل أن تتضح ما هي النتائج . ويؤكد الشاهر أن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط من أحداث، مخطط ومرسوم له مع نهاية اتفاقية سايكس بيكو، وما يجري حالياً هو العمل على صياغة سايكس بيكو جديدة سترسم ملامحها حسب نتائج الصراع في المنطقة.

مخططات ما بعد « سايكس ـ بيكو «

الحديث المتداول حول تقسيم العراق وليبيا وسورية ، وتدعيم النزعة الطائفية لدى “الأقليات” في سائر دول الوطن العربي، بشكل أو بآخر، يتماشى مع محاولة تنفيذ تلك المخططات القديمة . فما هي تلك المخططات ؟.

هناك العديد من المخططات لتقسيم المنطقة العربية والعالم الإسلامي ، والمثير أنها ليست سرية ، كما جرى في إتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916 ، بل مخططات معلنة يتبنى معظمها سياسيون يهود أو متصهينون . وهنا تجدر الإشارة إلى ما أعلنه المحلل السياسي الإسرائيلي والأستاذ بالجامعة العبرية « إسرائيل شاحاك « حيث قال : « لقد أثبت العالم العربي عجزه عن التحليل المنطقي للمستقبل ، حتى أولئك الذين يتصايحون للتحذير من مخططات الأعداء، يفعلون ذلك بناءً على أوهام يتخيلونها وأساطير يتداولونها، وليس على أساس معرفي علمي. « ويضيف شاحاك : « لذلك، يحبذ الخبراء الصهاينة نشر استراتيجياتهم المستقبلية علنًا لتوعية أكبر عدد ممكن من اليهود والإسرائيليين بها، دون أدنى قلق من اطلاع العرب عليها، فإمكانية تصدي حكوماتهم لتلك الخطط إزاء معرفتهم بها شبه معدومة”.

وسنعرض هنا عدداً من المخططات لتقسيم الدول العربية والإسلامية من باكستان شرقا إلى المغرب :

أولا : خطة عوديد يينون 1982 (لبننة العالم الإسلامي)

يعتبر « عوديد يينون « العقل المدبر للعديد من استراتيجيات حزب الليكود الإسرائيلي ، وقد نبتت في ذهن « يينون « فكرة لبننة العالم الإسلامي كله ، فهي تقريباً الطريقة الوحيدة التي قد يتمكن بها شعب صغير، مثل “الشعب اليهودي” من حكم مساحة تمتد من النيل إلى الفرات. بالإضافة إلى المصلحة المادية في التقسيم الطائفي للمنطقة ، رأى يينون فائدة أخرى في إرساء شرعية الكيان الصهيوني ، بما أن كل طائفة ستكون لها دولة ، فوجود “دولة يهودية” يصبح مبرراً من الناحية “الأخلاقية.”

نشر يينون خطته في مجلة (كيفونيم) وترجمتها (اتجاهات)، عدد فبراير 1982، والمجلة هي الإصدار الرسمي لقسم المعلومات بالمنظمة الصهيونية العالمية، وكان عنوان الخطة المنشورة بالعبرية:استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات . وقد تم غزو لبنان بعد أربعة أشهر من نشر الخطة .

وبحسب الخطة ، فإن أهم محاور الاستراتيجية المستقبلية لإسرائيل عقب الانتهاء من لبنان، يجب أن تتركز في تقسيم العراق لثلاث دول “شيعية وسنّية وكردية“ ، ومن بعد لبنان والعراق ،يأتي دور مصر وليبيا والسودان وسورية واليمن والمغرب العربي وإيران وتركيا والصومال وباكستان. استمد يينون واقعية مخططه من إشكالية أن الحدود العربية الحالية غير قابلة للدوام ، مما يجعل الدول العربية أشبه ببيوت مبنية من أوراق اللعب ـ حسب وجهة نظره ـ وقدم عوديد يينون عددا من الأسباب لتدعيم رأيه ، ومنها :

ـ الحدود وضعتها دول استعمارية دون اعتبار لهويات الشعوب وتوجهاتها ورغباتها .

ـ معظم الدول العربية تضم عدة طوائف غير منسجمة.تستحوذ على الحكم طائفة بعينها “في بعض الأحوال الطائفة الحاكمة أقلية مثلما هي الحال في سورية والعراق ولبنان والبحرين”.

ـ توجد صراعات على الحدود بين عدة دول عربية.تصارع الأيديولوجيات بين الإسلاميين والقوميين والوطنيين سيصعد الصراعات الداخلية في كل دولة.

لم يرسم يينون خرائط لمخططه ، ولكنه رأى سورية مقسمة لأربع دويلات “سنّية في دمشق، وأخرى في حلب، ودرزية في الجنوب، وعلوية في الساحل”، وتصور أن المغرب العربي سيُقسَّم بين العرب والبربر، أما الأردن فعدّها وطن المستقبل للفلسطينيين بعد رحيل “مُلك الهاشميين”، وأما الخليج العربي فوصفه بـ”قصور على الرمال” نخب حاكمة في أبراج عاجية ، وغالبية السكان من جنسيات أجنبية ، وجيوش ضعيفة.

يينون يتوقع انهيار مصر

من المهم هنا استعراض ما كتبه يينون عن رؤيته لمصر بتفصيل أكثر: نظام حكم عقيم مفلس بيروقراطي وغير كفء – تكدس سكاني– شح موارد– تخلف علمي– نخب ثرية وأغلبية مطحونة فقيرة محرومة من الخدمات الأساسية– بطالة– أزمة سكن- اقتصاد يشهر إفلاسه في اليوم التالي لتوقف المساعدات الخارجية– يمكن إعادة البلاد لوضع النكسة في ساعات.

في كلمة واحدة، وصف يينون مصر بالدولة الهشة .. الأقباط المنعزلون المتقوقعون جاهزون للاستقلال بدويلتهم في الصعيد، بالنسبة لسيناء، كشف يينون عن حقيقة علمية مهمة، ألا وهي تطابق التكوين الجيولوجي بين سيناء ومنطقة الخليج، أي أنها تحوي نفس الكنوز النفطية، مما يعني إضافة ثروة اقتصادية مهولة إلى جانب البعدين الديني والاستراتيجي، وبالتالي حتمية عودة سيناء لحكم إسرائيل طبقًا للخطة، هذا يفسر جزئيًّا حرص إسرائيل البالغ منذ اتفاقية السلام حتى الآن على بقاء سيناء صحراء قاحلة لا تنمية فيها، ولا تعمير باستثناء الشريط السياحي الساحلي، المصيبة أن هذا ما كان يفكر فيه الصهاينة منذ بدايات اتفاقية السلام، وفي الشهور الأولى لحكم مبارك، بينما يحاول قادة مصر أن يقنعونا أن عهد الحروب قد ولى، وأننا في مرحلة تطبيع وسلام مع إسرائيل، والمصيبة الأعظم أن يكونوا هم أنفسهم مقتنعين بهذا.

الكارثة الأكبر أن يينون قال أن كل ما سبق لن يحدث لمصر باستخدام قوة عسكرية أو صراع مسلح، بل هو على يقين أن أداء النظام الحاكم في مصر سيسوق البلاد لذلك الانهيار من تلقاء فساده وسوء إدارته بدون أي تدخل مباشر من الإسرائيليين.

ثانيا : خرائط برنارد لويس 1992

يقوم مشروع برنارد لويس ، وهو بريطاني أمريكي من أصل يهودي ، ويعمل أستاذا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة « برينستون « على تقسيم المنطقة طبقاً لخطوط عرقية وطائفية ولغوية. ويعتبر برنارد لويس اجتياح العراق للكويت عام 1990 النهاية الفعلية لسيطرة العرب على سلاح البترول ، فلن تتمتع بعده أية دولة نفطية بالاستقلال أو القوة، وكلمة السر هي (التحكم من الخارج)، دون الحاجة لاحتلال عسكري على الأرض ، إلا بالقدر الذي يحمي موارد البترول إذا تعرضت لخطر مسلح.

ويتفق لويس مع خطة يينون على محو الدولة اللبنانية من الوجود، وتقسيم العراق لـثلاث دويلات “سنّية وشيعية وكردية”، وضم سيناء “لإسرائيل”، ولكنه اختلف مع يينون في الآتي :

ـ استبعد تقسيم مصر، (على أن تضم “إسرائيل” سيناء ، كما في خطة يينون).

ـ استبعد تقسيم سورية.

ـ ركز لويس أكثر على منطقة شرق الخليج العربي إيران وأفغانستان وباكستان وكيفية تقسيمها، وقد ذكر يينون ذلك، ولكنه لم يتطرق للتفاصيل .

على الرغم من إن خطة برنارد لويس هي أنموذج معدل لخطة يينون، في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، ولا تكتفي بخرائط صماء تستغل الصراعات الطائفية والعرقية، لكنها اشتملت أيضاً على إشعال تسعة حروب في المنطقة، والعاشرة حرب البلقان في أوروبا، والتي توقع أن تمتد لشرق البحر المتوسط. تلك الحروب ستسرع عجلة تقسيم المنطقة ، ويتوقع لويس حرباً كبرى عربية – إيرانية بعد تقسيم العراق إلى ثلاث دول .

وأشار لويس إلى دولتين فقط، ينبغي الحفاظ على استقرارهما وقوتهما واستقلالهما والاعتماد عليهما “إسرائيل” وتركيا ، إلا أن ذلك لم يمنعه من طرح تصور الدولة الكردية التي تقتطع جزءاً من تركيا.

ومن المثير للاهتمام أن لويس تكلم عن تنظيمات إسلامية مسلحة مصنوعة في بريطانيا ، وأن استبداد الحكام في الدول الإسلامية سيغذي تلك الميليشيات ، مما يصب في مصلحة خطط التقسيم، إذ إن الانتصارات العسكرية لهؤلاء ستسهم بصورة كبيرة في إضعاف السلطة المركزية ، ومن ثم تؤدي إلى سقوط الدول القائمة فقط على جبروت النظام، حيث تغيب المجتمعات المدنية الفاعلة، على غرار نظيراتها في الغرب ، كما يقول لويس .

في عام 1983 صادق الكونغرس الأمريكي على مشروع لويس وأصدر قرارا بأن يتم تبني خططه كخطة استراتيجية للسياسة الأميركيّة. وبعد عشر سنوات من نشرها ، وجدت رؤى برنارد لويس الاستعمارية النفطية ضالتها في إدارة جورج بوش الإبن ، التي استعانت به كمستشار لها قبل غزو العراق.

ثالثا : خرائط رالف بيترز 2006 (حدود الدم Blood Borders)

بدأ تداول مصطلح “الشرق الأوسط الكبير” في الميدان السياسي لأول مرة في تل أبيب، على لسان كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في يونيو عام 2006. التعبير الجديد الذي استخدمته الإدارة الأمريكية عكس جانبين أساسيين الأول: أن الوقت حان لإجراء عملية تغيير شاملة لمنطقة “الشرق الأوسط”، يمكن تشبيهها بالعملية الجراحية الصعبة. والثاني: أن رسم خارطة “الشرق الأوسط” من جديد، سيكون مفتاحاً لتحقيق ما يُعتقد أنه استقرار سياسي واجتماعي يضمن المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة وفي صدارتها النفط .

وفي شهر يونيو من العام ذاته ، أعطى الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي ، رالف بيترز “الشرق الأوسط” الحدود التي يرى أنها عادلة، في مقالة بعنوان « حدود الدم: كيف سيبدو الشرق الأوسط بحالته الأفضل؟» نشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكية (Armed Forces Journal)، وتضمنت خريطة جديدة للمنطقة مفصلة على أساس عرقي ومذهبي .

تجاوز « بيترز « التقاليد السياسية والمحرمات السابقة ، عبر إقامة دولة كردية تُقتطع لها مناطق شمال العراق وجنوب شرق تركيا وأجزاء من سورية وإيران . تقسيم ما تبقى من العراق إلى دولتين “شيعية وسنّية”، ويضاف إلى الدولة “الشيعية” مناطق من غرب إيران ومن شرق السعودية، والتي بدورها تقتطع منها المناطق الغربية المحاذية للبحر الأحمر، والتي تضم الأماكن المقدسة في مكة والمدينة في دولة مستقلة تكون شبيهة بالفاتيكان.

بالإضافة إلى ذلك، يتم ضم جزء من مناطق السعودية الشمالية الغربية إلى الأردن. كل ذلك تتم الدعاية له وتسويقه عبر محاولة دفع “إسرائيل” إلى العودة إلى حدود ما قبل 1967 مع إدخال تعديلات حدودية تنسجم مع مخاوفها الأمنية بحسب مشروع رالف بيترز.

الخارطة تدرس في كلية الناتو

يصب الحديث عن “شرق أوسط جديد” ترغب واشنطن في رؤيته على خريطة العالم ، وتجسيد رالف بيترز هذه الفكرة من خلال طرح استراتيجي متكامل ، في خانة التمهيد والتحضير لبلقنة المنطقة ، وهي مهمة أساسية لا ترتبط بالمصالح الأمريكية الإقليمية فحسب، وإنما بالصراع الخفي الحالي بين الدول العظمى للاستحواذ على مناطق النفوذ الاستراتيجية، واكتساب نقاط في السباق على زعامة العالم اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.

وعلى الرغم من الادعاء بأن خريطة بيترز “للشرق الأوسط الجديد” لا تعكس وجهة نظر وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنها تُدرّس حالياً في منهج التخطيط الاستراتيجي في كلية ضباط الناتو العليا في روما، بعد أن أجازتها الأكاديمية العسكرية الأمريكية التي يعمل بها رالف بيترز، بعد تقاعده من عمله كنائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات في وزارة الدفاع.

وقد أثار عرض خريطة بيترز في كلية الناتو العسكرية حفيظة تركيا، التي اندهش ضباطها أثناء دراستهم فيها من رؤية بلادهم وقد تغيرت حدودها الحالية ، ما دفع رئيس أركان الجيش التركي السابق يشار بيو كانت إلى الاتصال بنظيره الأمريكي معرباً له عن احتجاجه على عرض هذه الخريطة “المشوهة” “للشرق الأوسط”.

 

المخططات تصبح قرارات

لم تتوقف الخطوات الأمريكية لتسويق مشروع تقسيم “الشرق الأوسط” عند هذا الحد، إذ إن مجلس الشيوخ الأمريكي بادر في سبتمبر 2007 إلى إصدار قرار غير ملزم ، دفع به وعمل على إنجاحه « جو بايدن « نائب الرئيس أوباما ، يطالب الإدارة الأمريكية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق اتحادية “شيعية وسنّية وكردية”، وبالطبع رحب الأكراد بالقرار، وفي طليعتهم الرئيس العراقي السابق جلال طالباني . ويقول بيترز : إن الحرب وحمامات الدم في خضم إعادة تقسيم “الشرق الأوسط” لا يمكن تفاديها، لأن العدالة « التي نصّب نفسه قيّماً عليها « تتطلب ذلك. وقبل ذلك ، أقر الكونجرس الأميركي خطة برنارد لويس وأعتبرها جزءاً من السياسات الإستراتيجية الأميركية .

 

عناوين فرعية:

 

سايكس ـ بيكو مهدت لقيام إسرائيل .. وما بعدها يمهد لهيمنتها المطلقة على المنطقة

 

¶ التركة العثمانية التي ورثتها بريطانيا وفرنسا انتقلت إلى الأميركيين بعد العدوان الثلاثي على مصر

 

¶ “مجلس الشيوخ ” أصدر قرارا بتقسيم العراق .. وخطة « لويس « اعتمدت كجزء من الاستراتيجية الأميركية

¶ عوديد يينون : لبننة العالم العربي والإسلامي هي الطريقة الوحيدة لقيام ” إسرائيل الكبرى”

في الحلقة القادمة :

ـ خرائط ما بعد « الربيع العربي «

ـ دور « داعش « في مخططات التقسيم

ـ اليمن والسعودية في خرائط التقسيم .

قد يعجبك ايضا