نجح  في بيع ابنته أربع مرات ، وفشل في أن يزوجها مرةً واحدة…

اخترنا لك

في هذه المدينة يتشارك النساء الوجع خفية كما يتناقلن حادثة خطيرة دون أن تهمس احداهن في أذن الأخرى .

كانت الشمس تغيب في مياه البحر الأحمر و أنا احثُ الخطى إلى( بشرى ) وهو اسم مستعار في حي شعبي قد يكون حاليا بمقياس الأمان و السلامة الدولي “خط نار” و مع اتساع دائرة الحرب و قربها من حي غزة أحد أحياء مدينة الحديدة الفقيرة ضاقتْ عليها كل الخيارات ،  و لم يعد أمامها سوى البقاء كما فعل الكثيرين ممن لا يملكون قوت يومهم عدا ما جادت به المنظمات الدولية من غذاء وإيواء .

ولدان و بنت بقيا مع بشرى ، فتصنع البخور و بعض أدوات التجميل و تبيعه حتى تستطيع إعالتهم و دفع الإيجار ورسوم تعليمهم .

تعيش بشرى في عزلة فقد وجدتْ نفسها وحيدة بحجة أنها جلبت لأهلها العار برغم أن حكايتها لم تخترها بل وجدتْ ذاتها بطلتِها أو ربما ضحيتها التي فُرضت عليها .

 

“كنتُ في التاسعة حين تطلقتْ أمي من ابي الذي كان يضربها و يشتمها باستمرار ما جعلها تعود لأهلها في صنعاء _قرابة 300 كيلو متر شرقا_ كنا ثمانية أنا و إخوتي في دكان وحمام صغير ورغم سوء الوضع إلا أن أبي أضاف لنا الرقم تسعة و هي زوجته الجديدة ، ” كنا احيانا ننام في الحوش بين الهواء والبعوض و الفئران ” تقول بشرى .

 

تضيف و هي تسحبُ تنهيدة من أسفل صدرها ” كنتُ ألعب في الشارع حين جاء ابي و خلفه رجل يخبرني أنهُ سيأخُذني إلى أمي ، لم أكن أعرف أن هذا الرجل سيكون زوجي ، فقد أخذني إلى أمه التي عاملتني بقسوة و لم تهتم لسني ، كانت تمسك بيدي و تُدخلها إلى التنور لتعلمني كيف أصنع الخبز ، وزوجي الذي كان يضربني كلما حاولتُ منعهُ من الاقتراب مني ، كان يجبرني على النوم بقربه ويفعل حركات صعبة وقاسية اشبه ما تكون باغتصاب طفلة ، لم أفهمها في حينها  ، مضتْ ثلاثة اشهر لي معه لم استطع التحمل هربتُ بعدها إلى أخوالي الذين ساعدوني في الطلاق منه.”

 

ليست بشرى وحدها بل ما لا يقل عن 60% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشر من اعمارهن في حين تتزوج اخريات بنسب تتراوح مابين 30% و 40% قبل بلوغهن 15 عاماً بحسب مركز الرصد و الحماية في منظمة سياج للطفولة و هو ما يعني الآف ال”بشرى” و يا للكارثة .

 

تقول بشرى : “رجعتُ إلى أبي ، كان يجعلني و إخوتي الصغار ندور المحلات و البيوت نتسول الطعام و قيمة القات له ولزوجته و لم يسمح لنا بالذهاب إلى المدرسة و كان يضربنا لسبب و بدون سبب ، لم نشعر بالأمان معه ابدا”

 

و هي بهذا تميط اللثام عن سبب من أسباب تسرب 3.7 مليون طفل من المدارس ، نصف مليون منهم نتيجة للنزاع الدائر حتى نهاية 2018 بحسب اليونسيف .

 

كان الأسى يعتصرُ حنجرة بشرى و هي تكمل بنصف إبتسامة : “زوجني أبي بعد عامين من طلاقي الأول برجل يحمل نفس طباعه فقد ضربني في – الصباحية – صباح اليوم الثاني للعرس بسبب خروجي للعب فكنتُ ما زلتُ طفلة”

“حملت و اجهضت و بعد شهرين حملتُ بتوأم ذكور” تنهدتْ بشرى و اكملت : “بعد ولادتي تفاجأت بزواجه من أخرى ليجلس معها في غرفتي و يعاشرها على سريري ، لم استطع التحمل ، شكوتُ لأبي فطلقني منه و أنا حامل في الشهر السابع – تبكي – أخذ طليقي أولادي.

ولدتُ بإبنتي ، كان أبي وزوجته قبل ذلك يضرباني حتى تسيل الدماء من يداي وأرجلي ويسباني بسوء الأخلاق إن تأخرتُ في جلب شيء لأبنتي الصغيرة حتى ضاق حالي وهربتُ منهما وطلبتُ من والد طفلتي أن يأخذها ويربيها مع أخويها.

وفي الصباح أعادوني إلى جحيم أبي ، زوجني أبي للمرة الثالثة  من شاب غير سوي أسكنني في بيت زوج أمه المتوفاة واخوه الذين كانا يحاولان الاعتداء عليَّ جنسياً ، طلبت من زوجي الإنتقال إلى بيت أخر فرفض ولم يستطع حمايتي من تحرش زوج أمه وأخوه ذو الخمسة عشر سنة فاضطررت للهرب ، لكن لا فائدة وجدوني وأجبروني على العودة إلى بيت الزوجية ، عدتُْ ولكني هربتُ في اليوم التالي ، كنتُ أتسولُ في الأسواق لأجمع قيمة تذكرة سفر إلى صنعاء عند أمي ولكنهم أرجعوني إلى أبي الذي ربطني في سلسلة طويلة قبل أن يسبقهم زوجي ويطلقني وكنتُ حاملاً في الشهر الثالث .

تبتسم بشرى كعادة الموجوعين حين يحاولون إبقاء رماد قوتهم فوق نيران حياتهم قبل أن تجرفها رياح الذاكرة فتبكي ، و تستطرد حديثها : ” ولدتُ بطفلي أيمن ليزوجني أخي  على رجل يكبرني بأربعين عاماَ ، كان رجل ثري لكنه بخيل ، كانتْ طليقته تهددني وتتوعدني وأبناءها ، حملتُ من زوجي العجوز بولد وبنتْ قبل أن تتدهور حالته الصحية ويصاب بجلطة ، انتهز أبناءه فرصة مرضه وقاموا بتطليقي منه حتى لا أرث منه إن توفى .

 

كنتُ أامل أن أستقر أخيراً عند هذا العجوز برغم مرضه وكبر سنه ، تابعتْ بشرى : حدثتُ نفسي كثيراً إلى من ألجأ ؟ وبعد تفكير لجأتُ إلى محامي ليُخرج لي حقوق أولادي ، مضى زمن في المحكمة وحكمتْ لي  بنصيب أولادي نصفه أتعابه والنصف الأخر تحفظت عليه حتى يكبر أولادي فما زالا قاصرين” .

 

تتحسر بشرى على ما آلت إليه هي وأبناءها وتقول : “في الحقيقة إني أعيشُ في صراع ما حدث معي ، في بعض الليالي أقوم وأختبئ في المطبخ ليبحث أطفالي عني وهم يصرخون ، وأحياناً كثيرة أكلم نفسي ليقترب ولدي ذو السابعة  مني ليسألني من تكلمين ؟ فأتظاهر أني اتكلم في الهاتف ، أشعرُ بإضطرابات نفسية وهواجس تخرجني دون وعي كلما فكرتُ في أولادي الذين أُُُخذهم أبوهم مني  ، أخافُ أن يضيعوا حين يكبرون ويلقون باللوم عليّْ في ذلك كما فعل أهلي والمجتمع .

 

تعاني بشرى حالة ذهان أو ما يسمى طبيا Psychosis و هو ما يفسر اختبائها أو تحدثها بمصطلحات ليس في وقتها مثل أن تقول “لا” بصوت عالي و تضع يديها في وضعية دفاع و كأنها ستتعرض للضرب و تلاحظ بعد هذا أنها كانت بمفردها و أن ما حصل لم يكن إلا مجرد تخيل،  بحسب كلام المختص النفسي .

 

“أنا الآن أعيش وحيدة مع ولدي اليتيم أيمن الذي مات أبوه في الحرب ، و ورياض ورضا الذين تركهما والديهما العجوز بعد أن طلقني منه أولادهُ غصباً” تردف هي قائلة .

 

كانت بشرى حين يطلقها أبوها و يخبرها انه سيزوجها برجل أفضل من الأول تعتقد أنهُ سيزوجها برجل تستقر معه في حين كان الأب يفكر في رجل أثرى من الأول ، و لم تكتشف ذلك الا بعد زواجاتها المتكررة

والفاشلة  ، “ربما كسب أبي المال ولكنهُ خسِرني  للأبد ، كلام الناس يقتلني أكثر وخاصة لما يقولوا مطلقة اربع مرات و يحملوني فشل لم ارتكبه أنا ” قالت بشرى كلامها بحسرة و كأنها وجدتْ حائط مبكى تُريقُ دموعها عليه لنؤمن نحن بحقيقة أنها لم تكن فاشلة و ليس حظها بل ظلمُ ذوي القربى .

 

لم أصدق عينايِ أنني اجلسُ إلى جانب فتاة من مواليد 91 أي لم تبلغ الثلاثين بعد و هي بهذه السنوات القليلة و الوجع الكبير قد تشكلت على هيئة امرأة تجاوزت الأربعين و قد اضاف المرض الجلدي الذي لم تستطع معالجته إلى بشرتها الشاحبة لون داكن فأصبحت كأنها مصبغة بالألم ، شعرتُ

وأنا أتأملها أنني ظلمتُ نفسي حين نبشتُ ذاكرتها بعد أن طمرتْ أوجاعها بالكثير من التفاصيل التي يمكن أن تفعلها شابة في مقتبل العمر و لايجوز إجتماعيا أن تُسرد هنا لكنني أُقر بهزيمتي النفسية أمام وجع بشرى فكل ألم يحتمل دون ألم بشرى و كل مغفرة لا تشملها رياء و نفاق .

نجح الأب في بيع بشرى أربع مرات ، وفشل في أن يزوجها مرةً واحدة…

أحدث العناوين

Aden Govt’ Establishes Oil Bank in Partnership with US Company

The Saudi-led coalition-backed government has establish a new oil bank in agreement with an American company in the city...

مقالات ذات صلة