لم يعد “نشاط الدعم البحري الأمريكي” في البحرين (NSA Bahrain) مجرد قاعدة خلفية لإدارة المصالح الحيوية في مياه الخليج، بل تحول مع مطلع عام 2026 إلى شاهد حي على اهتزاز أركان الوجود العسكري التقليدي للولايات المتحدة في المنطقة.
متابعات- الخبر اليمني :
فالمقر الذي يضم قيادة الأسطول الخامس، وجد نفسه أمام اختبار “القدرة على البقاء” بعد سلسلة من الضربات الإيرانية الدقيقة التي أخرجت مفهوم “الحصانة الأمريكية” من دائرة الخدمة.
على مدار عقود، شكلت منطقة الجفير في قلب المنامة حجر الزاوية للاستراتيجية البحرية الأمريكية، ومظلة لما يسمى بـ “القوات البحرية المشتركة”.
إلا أن الهجمات الأخيرة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية الإيرانية، أثبتت أن الجغرافيا لم تعد تشكل عائقاً أمام التكنولوجيا العسكرية الصاعدة. هذه الضربات، التي وصفت بالأكثر جرأة في تاريخ الصراع الإقليمي، استهدفت بشكل مباشر شل “الأعصاب المركزية” للقاعدة، متمثلة في منظومات القيادة والسيطرة (C2) وشبكات الاتصالات فائقة التطور التي تربط الأسطول الخامس بمراكز القرار في البنتاغون.
رغم الضجيج الإعلامي الذي يحيط بمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية من طراز “باتريوت”، إلا أن الميدان كشف عن فجوات تقنية أمام كثافة الرشقات الصاروخية وتكتيكات “أسراب المسيرات”.
هذا الواقع الميداني فرض على واشنطن اتخاذ قرارات كانت تعد “محرمة” سياسياً في السابق؛ حيث بدأت عمليات إجلاء واسعة النطاق لعائلات العسكريين والموظفين غير الأساسيين نحو القارة الأمريكية، في خطوة يراها مراقبون إقراراً ضمنياً بعدم القدرة على توفير الحماية الكاملة في مواجهة الأجيال الجديدة من الأسلحة الإيرانية.
لا تنفصل أحداث قاعدة البحرين عن السياق العالمي الأوسع؛ حيث يرى خبراء أن استهداف “القلب النابض” للوجود الأمريكي يعكس نهاية عصر القواعد الثابتة التي كانت تفرض السيطرة المطلقة على ممرات الطاقة العالمية مثل مضيق هرمز.
اليوم، وبدلاً من استعراض القوة من الموانئ، تضطر البحرية الأمريكية لإعادة توزيع مهامها على قطع بحرية متفرقة في عرض البحر وقواعد بديلة، في محاولة لضمان “استمرارية القيادة” التي باتت مهددة في مقارها التقليدية.
إن ما تشهده منطقة الجفير ليس مجرد صدام عسكري عابر، بل هو إعلان عن ولادة واقع جيوسياسي جديد، حيث فقدت القواعد الأمريكية ميزتها كأدوات ردع كلاسيكية. ومع تأثر البيئة اللوجستية والاقتصادية المحيطة، يبقى السؤال المطروح في أروقة مراكز الأبحاث: هل تنجح واشنطن في ترميم صورتها المتضررة، أم أن زمن “القواعد الكبرى” قد ولى أمام صعود القوى الإقليمية التي تمتلك جرأة القرار ودقة السلاح؟


