نحو جولة قتال أخرى.. كيف تهرب الولايات المتحدة وإسرائيل من واقع الهزيمة أمام إيران؟

اخترنا لك

يدفع انهيار المفاوضات الأمريكية الإيرانية الصراع نحو جولة جديدة قريبة من القتال، فإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من جانب واحد، عن تمديد وقف إطلاق النار، لا يخفف حقيقة تدهور التهدئة وانسداد أفق التوصل إلى حقيقي ينهي الحرب، خصوصا مع إصراره على فرض الحصار البحري، توازيا مع استقدام تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة، وهو المسار الذي يعززه العدو الإسرائيلي بتكثيف خروقاته لوقف إطلاق النار في لبنان، والتصعيد ضد غزة، حيث يبدو أن واشنطن “وتل أبيب” تعملان معا على ترتيب الصفوف وفرض نوعا من السيطرة على الطريق المؤدي إلى الجولة القادمة.

بالمقابل، فإن محور المقاومة الذي خرج من جولة الـ40 يوما منتصرا، ونجح في تثبيت قواعد اشتباك ومعادلات استراتيجية مهمة، أبرزها “وحدة الساحات”، لا يكتفي بالفرجة.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

ترامب يوجه مسار وقف إطلاق النار نحو التصعيد:

مع فرض الحصار على إيران ومحاولة فرض شروط تفاوضية لا تتناسب مع الفشل العسكري الأمريكي والإسرائيلي، أصبح واضحا أن الولايات المتحدة لا تريد أن تذهب نحو إنهاء الصراع مع إيران، لأن ذلك يتضمن بالضرورة الاعتراف بالهزيمة، وقبول الكثير من الشروط الإيرانية، وبالتالي فإن وقف إطلاق النار أصبح مكرسا لأهداف أخرى.

يبدو أن أبرز هذه الأهداف هو الاستعداد لجولة قتال أخرى، حيث تكشف التقارير وبيانات الملاحة الجوية عن تحركات متزايدة لإعادة تعزيز القوات الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة، تزامنا مع وصول حاملة طائرات ثالثة، وهو ما يشبه إلى حد كبير الوضع الذي سبق العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير الماضي.

وفي هذا السياق أيضا، فإن الحصار البحري الذي أعلن ترامب فرضه على إيران، والذي بدا في البداية كأنه محاولة لتحسين الموقف التفاوضي الأمريكي ضد إيران التي استخدمت ورقة مضيق هرمز بشكل فعال للغاية، قد أصبح مظلة للتحضير للتصعيد، فقد أثبتت البيانات الملاحية أن الحصار ليس فعالا في تحقيق هدفه المعلن كما يصوره ترامب والقيادة المركزية الأمريكية، إذا تمكنت عشرات السفن الإيرانية من تجاوزه، بما في ذلك ناقلات حملت ملايين البراميل من النفط الخام الإيراني، ما يعني أن المسألة ليست متعلقة فقط باعتقاد ترامب بأن الحصار سيحقق ضغطا اقتصاديا على إيران كما تقول بعض التقارير، بل بأن الحصار أيضا يوفر مساحة لحشد القوات والتعبئة والتخطيط في سياق الاستعداد لاستئناف القتال.

تشير التجارب العملية، بما في ذلك معركة البحر الأحمر، إلى أن البحرية الأمريكية لا تستطيع أن تمارس الحصار لفترة طويلة لأن ذلك سيستنزف موارد هائلة ويؤدي إلى إرهاق حاملات الطائرات والسفن الحربية التي ستضطر للذهاب إلى عملية صيانة طويلة، وبالتالي حرمان الولايات المتحدة من أصول هامة، وفي ظل استمرار تدفق حركة الشحن من وإلى الموانئ الإيرانية، فإنه لا معنى لحشد المزيد من حاملات الطائرات والسفن الحربية سوى الاستعداد للتصعيد الذي قد ينفجر من بوابة هذا الحصار نفسه، فقد أدى قيام البحرية الأمريكية باحتجاز واستهداف سفينة إيرانية إلى إفشال المفاوضات، واحتجاز إيران لسفينتين في مضيق هرمز، وهو ما يفتح حلقة من الفعل ورد الفعل قد تقود بسهولة إلى استئناف القتال على نطاق واسع.

لقد تسبب الحصار الأمريكي عمليا بإفشال مفاوضات وقف إطلاق النار التي كان يفترض بها أن تستند إلى الخطة الإيرانية ذات النقاط العش، ما يعني أن ترامب تعمد على الأرجح إفشال ذلك المسار الدبلوماسي، لتحويل وقف إطلاق النار إلى تهدئة بلا أي التزامات أو إطار مسبق، وهو ما كان الأمريكيون والإسرائيليون يسعون إليه بوضوح أثناء الحرب، لكنهم اصطدموا بحرص إيران على ضمان عدم تعرضها لعدوان آخر، وبالتالي اضطر ترامب للإعلان عن قبول الخطة الإيرانية كأساس تفاوضي فقط للحصول على وقف إطلاق النار. ولذلك، بعد التخلص من هذا الأساس، لم يجد ترامب حرجا في أن يعلن من جانب واحد عن تمديد وقف إطلاق النار.

السلوك الإسرائيلي يعكس طبيعة موقف جبهة العدوان:

كان العدو الإسرائيلي واضحا في إصراره على أن يكون وقف إطلاق النار بلا أي التزامات أو أطر، وقد سعى منذ البداية لفصل جبهة لبنان عن الجبهة الإيرانية، وربما لو لم يواجه مقاومة شرسة في “بنت جبيل” لما أعلن وقف إطلاق النار لاحقا، حتى في وجود ضغوط أمريكية.

على أية حال، تشير الخروقات الإسرائيلية المكثفة والمتصاعدة لوقف إطلاق النار مع لبنان إلى حرص واضح على إبقاء بوابة التصعيد مفتوحة، والابتعاد عن أي التزام، وهو ما يبقي حالة التعبئة وحشد القوات والموارد مستمرة، بحيث يُستأنف القتال واسع النطاق في أية لحظة، أو يحدث ذلك تدريجيا.

كما يعكس تصعيد وتيرة القصف الإسرائيلي على قطاع غزة في الأيام الأخيرة رغبة العدو في تعزيز مساعي الاستفراد بجبهات المقاومة والفصل بينها، وترسيخ حالة “الاستباحة” الدائمة لها تحت مظلة “وقف إطلاق النار” نفسه.

وبالمحصلة يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين يعملون بشكل متسق على استغلال حالة التهدئة غير الملزمة لترتيب الصفوف ومحاولة فرض نوع من “السيطرة” على ساحة المعركة، على أمل دخول الجولة التالية باستعداد أكبر وامتلاك موقع متقدم.

ومن الواضح أن العدو الإسرائيلي يحرص على فرض عقيدة القتال المستمر والمفتوح، وتجنب أي التزامات أو فترات هدوء طويلة، وهو ما لا تقاومه الولايات المتحدة رغم أنه يضر بمصالحها.

الانتصار يمنح إيران موقعا أقوى في الصراع:

يشير رفض إيران تمديد وقف إطلاق النار وعقد جولة ثانية من المحادثات مع الأمريكيين، إلى إدراك لحقيقة أن طاولة المفاوضات قد دُفعت بعيدا عن الأرضية التي كان يفترض أن تقف عليها، والمتمثلة في الخطة ذات العشر النقاط، وبالتالي فإن أي تفاوض سيكون مستندا الآن إلى إطار أمريكي بديل متمثل في “الحصار البحري”، ولذلك يشدد المسؤولون الإيرانيون على استحالة التفاوض مع استمرار هذا الحصار.

مع ذلك، يعلم الإيرانيون أن المسألة ليست مسألة انسداد دبلوماسي فحسب، ولديهم من التجارب التفاوضية السيئة مع الأمريكيين ما يكفي ليعلموا أن رفض إنهاء الحرب يعني ببساطة الاستعداد لاستئنافها، وقد عكس قرار إغلاق مضيق هرمز واستهداف واحتجاز سفن مخالفة تابعة لشركة “إم سي سي” (مرتبطة بإسرائيل)، إصرارا واضحا على تطبيق مبدأ التصعيد بالتصعيد، وهو ما يعني الاستعداد للرد على أي انتهاكات أمريكية إضافية حتى لو تدحرج الأمر إلى استئناف القتال.

من خلال هذا الموقف تظهر إيران أن حالة الشدة والحسم التي أبدتها خلال الحرب، وبشكل فاجأ الأعداء والأصدقاء، تنحسب أيضا على الموقف التفاوضي، وهو ما يعزز حقيقة أن العدوان على إيران لم يضعف النظام الإيراني أو يعدل موقفه، بل زاده شدة وحزما، إضافة إلى حقيقة أن قدراته لا زالت سليمة وقد أثبتت فاعليتها الكبيرة للغاية.

قد يبدو للبعض أن الأمريكيين والاسرائيليين نجحوا في تحويل وقف إطلاق النار إلى مجرد خفض تصعيد بلا التزامات أو إطار تفاوضي، وهو ما كانوا يريدونه منذ البداية، لكن ذلك ليس دقيقا، فما كان يريده الأعداء هو أن يتوقف القتال فجأة وتعود الأمور لسابق عهدها وكأن شيئا لم يكن، بما في ذلك مضيق هرمز، ولكن إصرار إيران على فرض خطتها ذات النقاط العشر واضطرار الأمريكيين والإسرائيليين إلى التعامل معها ولو بصورة شكلية، كان مكسبا مهما للجمهورية الإسلامية، فقد أظهر ذلك ضعف الموقف الأمريكي والإسرائيلي بشكل واضح وجلي، وأسهم في تثبيت سيطرة طهران على مضيق هرمز وربطه بجبهة لبنان وجعل معادلة “وحدة الساحات” تصبح أكثر حضورا في واقع الصراع من أي وقت مضى.

وقد تحدث مسؤولون خليجيون عن قلق لدى أنظمتهم من أن الإطار التفاوضي لمحادثات باكستان ينطوي كان على خطر تكريس سيطرة إيران على المضيق وإهمال المخاوف الأمنية لدول الخليج، حسب ما نقلت وكالة “رويترز” وهو ما يعني أن إيران نجحت مجددا في وضع دول الخليج أمام خطورة الثقة بالأمريكيين.

إلى جانب قواعد الاشتباك الاستراتيجية التي فرضتها والخبرة التي اكتسبتها في الجولة السابقة، ستدخل إيران جولة القتال التالية وقد أثبتت أنها قادرة على إجبار أعداءها على إعلان قبول شروطها للخروج من ورطة الحرب معها، مع إمكانية الضغط عليهم بشكل أكبر في المرة القادمة، وفي المقابل ظهر الأمريكيون والإسرائيليون أكثر ضعفا وهشاشة، وانكشفوا أخلاقيا بشكل غير مسبوق، وهذه أمور مهمة، خاصة عندما يجد العالم نفسه غير قادر على التضحية بالمزيد من مصالحه في سبيل “هيمنة” انكشفت هشاشتها وانتهى عهدها، ولم يعد يجدي التعويل عليها.

لقد أضافت إيران إلى قوتها- المعروفة والراسخة- انتصارا كبيرا ومفيدا للغاية، وهذا يعني أنها ستدخل الجولة القادمة من الصراع أكثر صلابة وقدرة على التأثير.

“حزب الله” يعيد ضبط المشهد:

لا يزال السقف العالي للموقف الذي عاد به “حزب الله” إلى القتال، والمتمثل في التمسك بإنهاء العدوان والانسحاب من لبنان ورفض أي وقف إطلاق نار من جانب واحد، يمثل مشكلة كبيرة للعدو الإسرائيلي الذي كان قد اعتبر أن الخمسة عشرة شهرا التي سبقت استئناف القتال، هي “الوضع الطبيعي الجديد” بالنسبة للجبهة اللبنانية.

ومن خلال الرد على خروقات وقف إطلاق النار باستهداف جنود وآليات ومستوطنات العدو، يواصل حزب الله إعادة ضبط المشهد على الجبهة اللبنانية وفقا لهذا السقف العالي الذي ربما ظن العدو أنه قد يتمكن من تجاوزه مجددا من خلال إعلان وقف إطلاق النار، ثم مواصلة العمليات العسكرية من جانب واحد.

تؤدي عمليات الرد على الخروقات إلى تكبيد العدو خسائر مستمرة، وتجعل رفضه للالتزام بوقف إطلاق النار من أجل إبقاء نافذة لـ “فصل الساحات” مكلفا، علما بأن هذه النافذة ليس واسعة، فإذا قرر العدو التصعيد ضد لبنان بشكل واسع من المؤكد أنه ستكون هناك تداعيات إقليمية، وهذا ما يرجح أن التصعيد ضد لبنان قد يأتي ضمن قرار استئناف القتال الإقليمي.

إن الانتكاسة الإسرائيلية التي يشكلها خروج الجبهة اللبنانية من واقع “الاستباحة” ونجاح حزب الله في تثبيت معادلة “العين بالعين”، تتجاوز حتى “الفوائد” التي يمكن تحقيقها من خلال لعبة “التفاوض المباشر” مع الحكومة اللبنانية، لأنه ببساطة لا يمكن فرض أي نتائج تخرج بها تلك “المفاوضات” على حزب الله بدون إنهاء العدوان بشكل تام والانسحاب من لبنان.
ولا مبالغة في القول إن معضلة “حزب الله” من الأسباب التي تدفع العدو نحو تفجير جولة قتال إقليمية أخرى، ليس لأنه يرغب تماما في جولة قتال إقليمية، ولكنه لا يستطيع تحمل فترة هدوء يواصل فيها الحزب تطوير قدراته وفرض المزيد من المعادلات، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يصعّد ضد لبنان بدون تداعيات إقليمية، وبالتالي فإن القتال الإقليمي “لا بد منه”.

البحر الأحمر:

في اليمن، أكد السيد عبد الملك الحوثي مؤخرا أن وقف إطلاق النار الأمريكي الإيراني “هش”، مرجحا اندلاع جولة جديدة من القتال.

ومع عودة حاملة الطائرات الأمريكية (جيرالد فورد) إلى البحر الأحمر، فإن تدهور التهدئة يجعل ساحة البحر الأحمر ساحة قتال رئيسية، وهو ما سيكون تأثيره هائلا على أسواق الطاقة والشحن في ظل إغلاق مضيق هرمز.

وكلن حاملة الطائرات قد تنسحب قبل اندلاع التصعيد، خصوصا وأنها قد بلغت أطول فترة انتشار، بالإضافة إلى أن حاملة الطائرات (جورج بوش) قد وصلت إلى المنطقة مبحرة – بشكل غير معتاد- حول رأس الرجاء الصالح، من أجل تجنب عبور البحر الأحمر.

لكن اتساع الصراع إلى البحر الأحمر لا يقتصر على وجود سفن حربية أمريكية فيه، فمع تزايد وتيرة القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، قد تعود صنعاء لفرض الحصار البحري على السفن المرتبطة بإسرائيل في أي وقت، كما أن تمكن القوات المسلحة اليمنية من رصد تواجد إسرائيلي على إقليم أرض الصومال واستهدافه سيضم باب المندب ومحيطه إلى منطقة المخاطر لقطاع الشحن.

أحدث العناوين

Israel is brutally engaged in Lebanon that history has not known

For Dr. George Diab and his family, their home in the "Tell" area of ​​southern Lebanon was more than...

مقالات ذات صلة