كواليس اتفاق عمان لتبادل الأسرى بين صنعاء والرياض: اختراق إنساني أم مناورة؟

اخترنا لك

| على ظافر

المفاوضات التكميلية بين وفد صنعاء من جهة، والرياض والأطراف اليمنية الموالية لها، في العاصمة الأردنية عمان، توّجت بالتوقيع النهائي على كشوف وقوائم الأسرى والمعتقلين من جميع الأطراف. هذا الإنجاز يأتي بعد خمسة أشهر من المراوحة والجمود التي تلت إعلان اتفاق مسقط الإطاري في كانون الأول/ديسمبر الماضي، ليمثل خطوة إنسانية هامة يؤمل من خلالها إغلاق واحد من أعقد الملفات الإنسانية الشائكة نهائياً.

توقيع “عمان” امتداد لـ “ستوكهولم” و”مسقط”

أكدت مصادر وثيقة الاطلاع على سير المفاوضات أن إقرار وتوقيع القوائم الحالية يستند بالكامل إلى تفاهمات سابقة ومفاوضات مكثفة بين وفد صنعاء الوطني والوفود الأخرى بقيادة السعودية.

وأوضحت المصادر أن هذا الاتفاق يندرج ضمنياً تحت مظلة “اتفاق السويد” التاريخي الموقع عام 2018، ويعدّ تنفيذاً مباشراً لاتفاق الإطار المبرم في سلطنة عمان أواخر العام الماضي.

هندسة صفقة التبادل المرتقبة بالأرقام

تشمل الجداول المعتمدة والموقّعة في عمّان إطلاق سراح قرابة 1700 أسير ومعتقل من  الأطراف كافة بآلية تبادل تم التوافق عليها بين الأطراف بحضور الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي:

صنعاء: من المقرر الإفراج عن 580 أسيراً ومعتقلاً من القوات التابعة للأطراف الأخرى التي تقودها السعودية.

الأطراف الأخرى بقيادة السعودية: من المقرر أن تفرج عن 1100 من أسرى ومعتقلي صنعاء في السجون السعودية والأطراف اليمنية المنضوية تحت قيادتها.

البُعد الإقليمي: تتضمن القوائم التي قدمها الفريق الوطني الممثل لصنعاء 7 عسكريين سعوديين (بينهم طياران) و20 عسكرياً من القوات السودانية المشاركة في العدوان على اليمن.

تربط الأطراف عملية التنفيذ الفعلي لصفقة التبادل، بجهوزية واستكمال الإجراءات اللوجستية والفنية من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر(ICR) التي من المقرر أن تنتهي قبل العاشر من تموز/ يوليو القادم، وسط آمال بأن تشكل هذه الخطوة قوة دفع لتجاوز العراقيل اللوجستية والأمنية كافة.

السعودية: الحسابات والدوافع السياسية

إدراج العسكريين السعوديين السبعة، ولا سيما الطيارين، أثار تحليلات واسعة لدى المراقبين حول طبيعة الدوافع الحقيقية للرياض.

ويرى محللون أن حرص النظام السعودي على إنجاز هذه الصفقة تحديداً ينبع من رغبة حثيثة في  إنهاء الملفات ذات الحساسية الداخلية لديه من دون الاكتراث لمصير بقية الأسرى من كل الأطراف.

ويأتي هذا الحرص الانتقائي السعودي بالتزامن مع استمرار الرياض في الحروب غير العسكرية مثل الحصار المفروض على مطار صنعاء الدولي ومنافذ البلاد ومواصلة القيود الاقتصادية والمعيشية التي تستهدف الشعب اليمني وقوته باستمرار قطع المرتبات، وكذلك الحرب الأمنية من خلال تجنيد وتشكيل عدد من خلايا التجسس ضد صنعاء، بمعنى أن خفض التصعيد العسكري القائم منذ عام 2022 لم يترجم بعد إلى انفراجة حقيقية في الملفات الإنسانية والاقتصادية الأوسع التي تمس حياة المواطن اليمني اليومية.

مسار التفاوض: من صفقة شاملة إلى صفقة جزئية؟

يكشف رصد المسار الزمني للمفاوضات عن تراجع واضح في سقوف التوقعات العددية؛ إذ كان من المقرر إتمام هذه الكشوف في 27 كانون الثاني/يناير الماضي بموجب اتفاق مسقط الموقّع في 23 كانون الأول/ديسمبر 2025. ولم يقتصر التعثر على تأخير زمني شارف على خمسة أشهر، بل امتد إلى تقليص الأعداد المستهدفة بالتبادل بشكل حاد:

اتفاق مسقط (كانون الأول/ديسمبر 2025): استهدف الإفراج عن 2900 أسير ومعتقل من جميع الأطراف.

إعلان عمّان الحالي (أيار/مايو 2026): استقر عند 1700 أسير ومعتقل فقط (بفارق 1200 اسم تم استبعادهم أو ترحيلهم لجولات قادمة).

هذا الفارق العددي أثار الهواجس لدى المراقبين وأهالي الأسرى، إذ عدّوه مؤشراً سلبياً على غياب الرغبة الكاملة لدى الأطراف الأخرى بقيادة السعودية في إنهاء هذا الملف بشكل جذري وتبييض السجون من الأسرى والمعتقلين، ما يعني إبقاءه كورقة ضغط، مقابل رؤية صنعاء التي طالما نادت بتطبيق قاعدة “الكل مقابل الكل” لإنهاء المعاناة الإنسانية لجميع الأسرى عائلاتهم دفعة واحدة.

وفيما يطرح البعض أن الرياض في حال حصلت على أسراها دفعة واحدة ضمن الصفقة المرتقبة، قد تتنصل من استكمال الملف لإطلاق بقية الأسرى الذين لم تشملهم الصفقة،بعث رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، رسالة طمأنة في هذا السياق، وكشف أن صنعاء حصلت على “ضمانات من الأمم المتحدة” لاستكمال بقية الملف ضمن مراحل لاحقة. وفي موازاة ذلك، أكد أن صنعاء لا تزال تحتفظ بـ “2000 أسير من الأطراف الأخرى” وأكد أن إعلان توقيع قوائم وكشوف الأسرى بين جميع الأطراف في الأردن” خطوة أولى من اتفاق مسقط” ستتلوها خطوات لاستكمال الملف حتى تصفير وتبييض السجون من الأسرى والمعتقلين، مؤكداً أن “أغلب أسرى الجانب الوطني في صنعاء الذين نعلم أماكن سجونهم، أصبحوا الآن داخل الاتفاق، وأن هناك ضمانات متعددة بتنفيذ الخطوات التي تم الاتفاق عليها في مسقط”.

وفي ظل غياب السقوف الزمنية في ما أعلنته الأطراف بخصوص الصفقة الجزئية المرتقبة، أوضح المرتضى بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر ستبدأ يوم 10 تموز/ يوليو بالنقل الفعلي من جميع المناطق ومن جميع المطارات المتفق عليها”، وخلال فترة الشهرين الممتدة من أيار/مايو إلى تموز/ يوليو ستعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على استكمال الإجراءات اللوجستية، كما أن اللجان من جميع الأطراف ستواصل عمليات النزول الميداني إلى السجون للتأكد من بقية الأسرى، واعتبر أن هذه الإجراءات لا يمكن إنجازها في أسبوعين أو ثلاثة أسابيع و قد تستغرق ما يقارب ستة أسابيع.

بين التفاؤل الحذر ومخاوف المناورة

التجربة خلال جولات المفاوضات الماضية وما اتسمت به من تراجع وتأجيل، تضع الصفقة المرتقبة في مربع “عدم اليقين” السياسي؛ إذ ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الأطراف التوافق والتوقيع على قوائم الأسماء من دون أن يتبع ذلك تنفيذ عملي على الأرض، نتيجة التعقيدات اللوجستية وتأثير القرار السعودي على التزامات الأطراف الموالية له والمنضوية تحت قيادته.

ضمن هذا السياق، وفي ظل المخاوف من تكرار التجربة من قبل الرياض في التعقيد والعرقلة، أبدى رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى نوعاً من التفاؤل الحذر، مشيراً إلى أن ” هناك جدية من كل الأطراف، لأنه ليس هناك خاسر في هذه الصفقة، كما أن الرابح الأكبر هم الأسرى وأهاليهم من كل الأطراف”، واعتبر أن هذه الجولة تختلف مقارنة بسابقاتها التي “لم تستكمل ولم يكن هناك إمكانية لتمديدها”، وأضاف أن الأطراف كافة تمكنت خلال جولة عمَّان من “حل جميع العوائق، والتوافق على الأسماء، ومواعيد التنفيذ…الخ”، مرجحاً أنه “لا أحد من جميع الأطراف يمكن أن يعيق الصفقة المرتقبة”.

تبقى الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، ومدى سلاسة تحركات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المطارات المتفق عليها، المحك الحقيقي والفيصل لإثبات مدى جدية النظام السعودي ومرتزقته هذه المرة في حسم الملف، وهي كفيلة بتبيين ما إذا كان توقيع عمان خطوة أولى نحو تنفيذ اتفاق مسقط، أم جولة مناورة جديدة لإدارة الوقت.

 

المصدر: “الميادين نت”

أحدث العناوين

مسؤول عسكري إيراني يكشف تفاصيل خطة طهران للرد الفوري والشامل بعد تهديدات ترامب

كشف مسؤول عسكري إيراني، السبت، عن وضع إيران خطة للرد الفوري والشامل محل التنفيذ ردا على تهديدات الرئيس الأمريكي...

مقالات ذات صلة