إيران ومحور المقاومة: ضرورة الأمن القومي العربي بعيداً عن وهم الطائفية

اخترنا لك

أبو بيروت:

تواجه الأمة العربية اليوم حملات ممنهجة لتزييف وعيها القومي والسياسي، لعل أبرزها تلك الأصوات التي تروج لمقولة إن تحالف الشعوب العربية أو تعاطفها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية يمثل “خيانة للمذهب والأمة”. إن هذا الطرح السطحي يتجاهل حقائق التاريخ القريب والبعيد، ويعجز عن قراءة الواقع الجيوسياسي لعموم المنطقة، حيث يهدف بالأساس إلى تمزيق النسيج العربي وخدمة مشاريع الهيمنة الخارجية.
الحديث عن “شيعية إيران” في مواجهة “سنية العرب” يعكس جهلاً بالتاريخ الإداري والروحي للمنطقة. فالمذهب الشيعي، في امتداده السياسي والدولتي الكبير، انطلق بوضوح من قلب المغرب العربي وتحديدا من تونس مع تأسيس الدولة الفاطمية، قبل أن ينتقل شرقا ليتخذ من مصر منارة له. وفي المقابل، فإن إيران لم تكن شيعية منذ الأزل؛ بل إن الدولة الصفوية، التي كانت سنية المذهب في بداياتها، هي من اتخذت قرار تشييع الشعب الإيراني آنذاك، واستعانت في ذلك بعلماء المذهب الشيعي من جبل عامل في لبنان. هذا التداخل التاريخي يثبت أن المذاهب الإسلامية لم تكن يوماً حكراً على جغرافيا أو قومية معينة، بل هي إرث مشترك وصناعة متبادلة بين شعوب المنطقة.
وعلى الصعيد الاجتماعي الإنساني، يظهر هذا التلاحم الروحي في كل بيت عربي؛ إذ لا تكاد تخلو عائلة موسعة على امتداد الوطن العربي من أسماء تبركاً بآل البيت، مثل: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. إن حضور هذه الأسماء واجتماعها في الأسرة العربية الواحدة هو دليل قاطع على أن الوجدان العربي مبني أصلاً على حب آل البيت، وهو حب عابر للاصطفافات المذهبية المصطنعة.
إن محاولات تصوير إيران كعدو “فارسي” قومي يسعى لابتلاع المنطقة تتناقض مع بنية الدولة الإيرانية الحديثة. فإيران في واقعها دولة مواطنة تتسع لتعايش مختلف الأديان، والمذاهب، والقوميات. بل إن النواة الصلبة التي أرست القواعد العلمية، والتسليحية، وثبتت المبادئ الإيمانية بالقضية الفلسطينية، تجسدت في قادة تاريخيين ينتمون لقوميات غير فارسية. ولعل المرشد الأعلى، باعتباره رمزاً قائداً حشد خلفه تشييعاً مليونياً غير مسبوق، ينحدر من أصول آذرية، وهو حال جزء كبير من النخبة السياسية والعسكرية في البلاد. هذا التنوع يبرهن على أن هوية الدولة هناك محكومة بالمبادئ والأهداف الاستراتيجية، لا بالعرق أو العصبية الشوفينية.
لم تكسب إيران مكانتها السياسية والشعبية في الوجدان العربي نتيجة تبشير مذهبي، بل بسبب تبنيها الثابت والعملي لقضايا المستضعفين في الأرض، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. في وقت تراجعت فيه أنظمة عربية عديدة نحو مربع التطبيع والتخاذل، نجحت طهران في دعم وتطوير “محور المقاومة” كجدار صد حقيقي في وجه المشروع الصهيو-أمريكي.
هذا المشروع الاستعماري لا يستهدف إيران لذاتها في المقام الأول، بل يهدف إلى تفكيك الأمة العربية والقضاء على عناصر قوتها وتصفية القضية الفلسطينية، لتكون الساحة مهيأة تماماً للاستفراد بالجمهورية الإسلامية لاحقاً. من هنا، يصبح التحالف مع هذا المحور مصلحة عربية عليا لحماية الأمن القومي العربي، وليس تبعية أو تفريطاً.
إن ملايين العرب الذين يعلنون تعاطفهم ودعمهم لهذا المحور لا ينطلقون من تحول عقدي أو ديني، بل هو انتقال واعي من حالة التعاطف الوجداني مع المظلومية التاريخية لآل البيت، إلى حالة “التشيع السياسي المقاوم”. وهو فكر يتجاوز الأطر المذهبية الضيقة ليلتقي حول هدف واحد: مجابهة الاستعمار والاحتلال.
إن الانتماء للفكر المقاوم اليوم ليس خياراً ترفياً، بل هو واجب وطني وقومي تفرضه وحدة المصير. فالعدو لا يفرق بين مذهب وآخر عندما يسقط قذائفه، والحفاظ على كرامة الأمة ومستقبل أجيالها يتطلب الانعتاق من أوهام الفتن الطائفية، والالتفاف حول البندقية التي تعرف طريقها جيداً نحو تحرير الأرض والإنسان.

 

كاتب من تونس

أحدث العناوين

After the Closure of Abha International Airport… Travel Warnings and Flight Cancellations to Abha and Najran

Follow-ups – Al-Khabar Al-Yemeni:Decisions from airlines and international warnings regarding Abha International Airport have followed in succession, with the...

مقالات ذات صلة