التاريخ العربي الحديث: فنتازيا «التقدّم إلى الخلف» و«الصعود إلى الهاوية»

اخترنا لك

الخبر اليمني:

د.صادق القاضي:

في نسق مختلف، كان يُفترض أن تظهر «القاعدة» و«داعش» أولاً، ربما قبل بداية القرن الماضي، كنتاج أمين لقرون طويلة من الانحطاط، والسيطرة العثمانية الكهنوتية على عقول وأجساد ومقدرات الأمة العربية والإسلامية.
بعد ذلك، يُفترض أن يقوم «الإخوان» والوهابيون، كمحركات للمد الديني وآباء روحيين لهذه الجماعات، بتسلم الأنظمة في المنطقة، وتنفيذ نماذجهم الأصولية للحكم، ومهما كانت هذه النماذج رجعية، فهي ستمثل ظاهرة تقدمية بالمقارنة، خروجاً من عصر الإرهاب، ومرحلة إدارة التوحش، إلى نظام الخلافة، أو أي نظام إسلامي يعمل على تحقيق ولو الحد الأدنى من مظاهر والتزامات الدولة.
بعدها، وفي تراكم ديالكتيكي منطقي، سيبدأ المد القومي والاشتراكي بالتصاعد، وصولاً إلى السلطة، وبلورة تجربة يسارية تقدمية ناجحة، بخلق مجتمع مدني، وبناء البنية التحتية لمؤسسات الدولة المدنية الحديثة.
قد لا تصل هذه التجربة اليسارية إلى تحقيق الديمقراطية والتبادل السلمي الفعلي للسلطة، لكن المسألة تظل مسألة وقت وتراكمات تنموية، فبتنمية الوعي وتحديث قيم المجتمع والاقتصاد والفكر، سيكون الانتقال الديمقراطي ممكناً، وصولاً، أخيراً، إلى عصر النهضة وإقامة مجتمعات مدنية معاصرة، ودول ديمقراطية حديثة.
هكذا حدث في الشرق والغرب والشمال والجنوب، تحرك التاريخ قدماً، بداية بالسلطات الدينية، مروراً بالاستبداد العلماني، وصولاً إلى الديمقراطيات الليبرالية الحديثة التي اعتبرها فرانسيس فوكوياما، في كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992م): «نقطة النهاية في التطور الاجتماعي والثقافي للإنسانية، والشكل النهائي للحكومات».
لكن ما حدث في السياق العربي أن التاريخ هنا، وبخلاف حركته في أي مكان آخر، سار بالمقلوب، وانتهى حيث بدَأ تاريخ الأمم الأخرى، لقد بدأ التاريخ العربي الحديث بعصر النهضة، وانتهى بعصر الإرهاب، بدأ بليبرالية العراق وسوريا ومصر في بداية القرن الماضي، وانتهى بإطلالة «داعش» في مسرح الأحداث على رأس الألفية الثالثة!
لماذا؟!
القضية معقدة. هناك عوامل كثيرة داخلية وخارجية، ثقافية وسياسية ودينية واقتصادية، شاركت بمجملها في صناعة هذا السقوط المريع، وإن كان أهمها، أو ربما أكثرها وضوحاً، توازي وتزامن هذا السقوط المطرد مع سقوط مطرد على الجانب الفكري الديني في الحياة العربية والإسلامية.
إن ما بات على درجة عالية من الوضوح والإجماع أن الفكر والخطاب الإسلامي، كانا خلال تاريخهما الحديث يتقدمان إلى الخلف، ويتجهان باطراد من الرقي والانفتاح والنزاهة، إلى الأقل رقياً وانفتاحاً ونزاهة، وصولاً إلى الضحالة والانتهازية والعنف، عبر سلسلة متصلة من رموز الفكر الإسلامي تضم بالترتيب:
– جمال الدين الأفغاني(1838 – 1897 م).
– الشيخ محمد عبده (1849 – 1905م).
– الشيخ محمد رشيد رضا (1865 – 1935).
– حسن البنا (1906 – 1949م).
– سيد قطب( 1906 – 1966م).
ومن مدرسة هذا الأخير تخرج كل من:
– عبد الله عزام، عبد الحميد كشك، أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، محمد بديع، خيرت الشاطر.
على الصعيد الشيعي، ومع أن الفكر الشيعي أكثر مركزية، وبالتالي تنظيماً وانضباطاً، فإن الانتقال من علي شريعتي إلى الإمام الخميني، تلخص الكثير.
لا أحد يدري حقيقةً إن كان هذا الوعي الديني سبباً أو نتيجة للواقع العربي، وفي كل حال بدأ الفكر الديني بالانفتاح وانتهى بالانغلاق، بدأ بالتسامح والحوار والدعوة للعقل والتفكير، وانتهى بالتزمت والتطرف والنصوصية والتكفير والعنف والإرهاب.
وفي المقابل، كان الواقع العربي، خلال أكثر من مئة عام، ينحدر من السيء إلى الأسوأ، ويسير على العكس تماماً من منطق الديالكتيك المادي، ومن حركة الزمن، ومن النسق المنطقي لحركة التاريخ

أحدث العناوين

استياء شعبي بعدن من تجاهل نداءات أسرة توفي أطفالها محترقين

أثارت تجاهل فرق الدفاع المدني في محافظة عدن لنداءات أسرة توفي أطفالها محترقين موجة استياء شعبي في منطقة الشيخ...

مقالات ذات صلة