قراءة في شهادات القرصان الاقتصادي الأمريكي جون بركنز حول سياسة بلده في المنطقة والعالم

اخترنا لك

زكريا الشرعبي:

لطالما زعمت الولاياتُ المتحدة الأمريكية أنها حاميةُ حقوق العالَم وحريّاته، ونصَّبت نفسَها تحت هذه الشعارات شرطياً للعالم، هي الخير المطلق وما عداها هم الشرُّ المحض، فتبرر لنفسها التدخلات في كُلّ العالم، لا لدحض الشر الذي تزعمه ولكن لاستنزاف البلدان وثرواتها، وعلى حد تعبير مؤلف كتاب الاغتيال الاقتصادي للأُمَـم القاتل الاقتصادي جون بركنز، فما تسعى إليه أمريكا من خلال كُلّ تداخلاتها ليس سوى لتمكين شركاتها العابرة للقارات من بناء امبراطوريتها الاقتصادية.

وتجدر الإشارة قبل بدء الحلقة الثانية من استعراض كتاب الاغتيال الاقتصادي للأُمَـم لصاحبه جون بركنز، والذي عمل في أعلى مُؤسّسات الاقتصاد الدولي وشارك في إفقار كثير من الدول وقتل عدد من الرؤساء قبل أن يستجيبَ لضميره ويكشف الحقائق عبر الكتاب الذي بات الأكثر مبيعاً في العالم عام 2004، إلى العلاقة بين الاقتصاد والسياسة وتبيين من يحكم الولايات الأمريكية ولماذا حروبها اقتصادية بالدرجة الأولى!.نتيجة بحث الصور عن الرأسمالية الأمريكية اجرام

يعتقد البعض أن من يحكم أمريكا هم رؤساؤها، وقد نشأ هذا الاعتقاد عن معلومات خادعة تقدمها وسائل الإعلام الأمريكية ويمايز النّاس بين إدَارَة وأُخْـرَى تصل إلى البيت الأبيض، فيرون أن سياسة التهور التي يظهرها الرئيس الحالي ترامب هي سياسته الخاصة، ولو كان شخص آخر هو من فاز بالرئاسة فإن السياسة ستكون مختلفة، غير أن هذا الاعتقاد يجبُ أن ينمحي بمعرفة تفاصيل الإدَارَة الحقيقية للولايات المتحدة.

يقول جون بركنز في لقاء له مع قناة روسيا اليوم إن الرؤساء الأمريكيين ليسوا سوى أتباع لشركات الهيمنة ورجال الأعمال وفي حال خالف أحدهم السياسة المرسومة له فسيكون ضحية لهذه الشركات مثله مثل رؤساء الدول الأُخْـرَى الذين اغتالتهم أمريكا؛ لأنهم لا ينفذون سياستها.

ويذكّر بركينز بالرئيس الأمريكي كنيدي الذي تعرض للاغتيال عام 1963 بعد أن رفض خطط رُؤساء الأركان المشتركة أَوْ بالأصح الشركات الرأسمالية لتنفيذ هجمات كاذبة على الأرض الأمريكية لنيل موافَقة الشعب على شن حرب على كوبا.

وأشار بركينز إلى تطوُّر وسائل الرأسمالية الحاكمة في الرؤساء، موضحاً أن بإمْكَان هذه الشركات استخدام وسائل الإعلام وهي كلها وسائل تابعة لها، وتطلق شائعة على أحد الرؤساء ومن ثم إقصاؤه.

يتضح هنا من يحكم أمريكا، وكيف تعمل السياسة الأمريكية التي تديرها الشركات الرأسمالية بواسطة الساسة على الهيمنة والنفوذ على المُؤسّسات الدولي كصندوق النقد الدولي والأُمَـم المتحدة والهيئات التابعة لها.

أما عن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة فيتضح من حديث بركنز أن الشركات الكبرى هي من تحرك السياسة لتتمكن من الوصول إلى أهدافها بطرق ناعمة.

نتيجة بحث الصور عن جرائم الرأسمالية

 

الاغتيالُ الاقتصادي للأُمَـم.. إنقاذُ بلد من الشيوعية

يتناول القرصان الاقتصادي جون بركينز في كتابه الاغتيال الاقتصادي الأُمَـم في الجزء الأول من الكتاب نبذة عن حياته الشخصية ومسيرته ليصبح قرصاناً اقتصادياً، أما بداية عمله كقرصان اقتصادي فقد تناوله في الجزء الثاني من الكتاب، وقد كانت أول مهمة له إلى إندونيسيا.

تقع إندونيسيا في جنوب شرق آسيا وفي أوقيانيا وتضم 17508 جزر، وتحتوي على ثروات هي الأكَبر بين ثرواْت جنوب شرق آسيا، وقد دفع احتواؤها على هذه الثروات الأمريكيين للتوجه نحوها خصوصاً بعد فشلهم في السيطرة على فيتنام.

كانت إندونيسيا في تلك المرحلة وتحديداً في سبعينيات القرن الماضي تعيشُ في وضع اقتصادي صعب، حيث لم تتمكن من استغلال ثرواتها الباطنية، وقد استغل الأمريكيون هذه الظروف وقدموا أنفسَهم للإندونيسيين بأثواب الكرم والسخاء ومصطلح الاستثمار لا الاستعمار.

أوفدت شركة ماين جروب إحدى كبريات الشركات الرأسمالية الأمريكية فريقاً من قراصنة الاقتصاد إلى اندونيسيا، من بينهم “جون بركنز”، وكانت مهمة هذا الفريقِ -كما يقول بركنز- هي أن يخدع الإندونيسيين بأن استثمار الشركة الأمريكية في مجال الكهرباء ببلدهم ستمكّنهم من رفع الدخل الاقتصادي القومي للبلد بنسبة عالية.

والحقيقة أن ذلك الخداع كان مقدمةً لإفقار الشعب الاندونيسي وإغراقه بالديون، يقول جون بركنز وهو يتحدث عن أهداف الفريق: عند وصولنا أقام مدير مشروعنا، شارلي إلنغويرث، وليمةَ عشاء لنا في مطعم أنيق تابع لشركة بان أمريكان في الطبقة العليا، وبعد أن تناولنا الشرابَ قال مدير المشروع: لا ننسَ أن علينا مهمةً يجبُ إنجازُها،.. “نحن هنا لننقذَ البلاد من قبضة الشيوعية، مسؤوليتنا أن نتأكدَ من أنها لا تتبعَ خُطَى جاراتها في الشمال، فيتنام وكمبوديا ولاوس. إن نظاماً كهربائيا متكاملاً لهو عنصر أساسي؛ لأنه أكثر من أي عامل فردٍ آخر (باستثناء ممكن للنفط)، سوف يضمن حكم الرأسمالية والديمقراطية”.

 ثم قال، وقد أخذ نفَساً آخر من سيجاره وحرّك بضع بطاقات في يده، “نعلم كلنا، إذ نتكلم عن النفط، مدى اعتمادِ بلادنا عليه. يُمكنُ إندونيسيا أنْ تكون حليفةً قويةً لنا في هذا الشأن؛ لذلك أرجوكم، وأنتم تُطوِّرون هذه الخطةَ الرئيسية، أن تقوموا بما في وسعكم لتضمنوا أنّ صناعةَ النفط وكلَّ ما يخدمها – من موانئ وخطوط أنابيب وشركات إنشائية – تنالُ كلَّ ما قد تحتاج من كهرباءَ خلال كامل مدة هذه الخطة التي تستغرق خمسةً وعشرين عاماً”.

 ثم رفع عينَيه عن بطاقات ملاحظاته، ونظر إليَّ مباشرةً، وقال، ”أنْ تُخطئ في إعطاء تقدير أعلى خيرٌ من أن تبخسَ تقديرك”.

لم تكن خدمة اندونيسيا هي هدفهم كما يظهر ولم يكن ادّعاء حمايتها من الشيوعين لأجل سواد عيون أهلها، وإنما من أجل النفط، فوقوع اندونيسيا تحت سَيطرة الاتحاد السوفيتي سيحرم الولايات المتحدة الأمريكية من حقل نفطي واسع.نتيجة بحث الصور عن أمريكا وافقار اندونيسيا

 يقول بركنز معلقاً على هذا: وإذ تقلّبتُ في فراشي، وجدتُ مُحالاً أنْ أُنكرَ أنّ شارلي وكلَّ واحد غيره في فريقنا قد جاؤوا جميعاً لأسبابٍ أنانية. لقد كنا نُعزِّزُ السياسة الخارجية للولايات المتحد ومصالح الشركات، وكان يحفزُنا الطمعُ، لا الرغبةُ في تحسين حياة الغالبية العظمى من الإندونيسيين.

ثم يوضح أن هذهِ هي سلطة الشركات والتي تدُلُّ على أخوّةً شديدة الترابط بين قلة من الرجال ذوي الأهداف المشتركة، يتنقّلُ أعضاؤها كثيراً وبسهولة بين مجالس إدَارَة الشركات وبين المناصب الحكومية، مشيراً إلى أنّ رئيسَ البنك الدولي، روبرت مكنَمارا، كان مثلاً نموذجياً. فقد انتقل من منصبه كرئيس لشركة فورد للسيارات، إلى وزير للدفاع تحت رئاسة كُلٍّ من كينيدي وجونسُن، ثم تبوّأ أعلى منصب لأقوى مُؤسّسة مالية في العالم.

 ويكشف بركنز هيمنة المُؤسّسات الرأسمالية على الجامعات وتزيينها لمفاهيم الرأسمالية مبيناً فيقول: تبيّن لي أَيْضاً أن أساتذتي في الجامعة لم يفهموا الطبيعة الحقيقية للاقتصاد الكلي: أنّ مُساعَدةَ الاقتصادِ على النموّ، غالباً ما تجعلُ تلك القلَّة من الناس المتربعةَ على قمة الهرم تزداد ثراء، بينما لا تفعلُ شيئاً لمن هم في القاع سوى أن تدفعهم أكثرَ إلى الأسفل.

 

إغراقُ إندونيسيا بالديون للاستيلاء على نفطها

ومضياً في تنفيذ المهمة زَعَم الأمريكيون أن مدينةَ جاوة تحتاجُ إلى كمية كبيرة من الكهرباء، ويوضح بركنز أنه وضع تقديراً لنموِّ أحمال الكهرباء بنسبة 17 في المئة سنوياً ولم يكن ذلك صحيحاً فأكبر حمل كهربائي كما يؤكد مستشار الفريق ومهندس كهرباء بوسطن لا يمكن أن ينمو أكثر من 7 إلى 9 في المئة لأية فترة مستمرة. وهذا في أحسن الأحوال. بل إن ستة في المئة معقولة أكثر.

ويقصد بنمو حمل الكهرباء هو زيادة الطلب على الكهرباء في المدينة الاندونيسية جاوة.

يقول بركنز: صفع هوارد مكتبه بقلم الرصاص وحدّق إليّ وقال، “بلا ضمير! هذا كلُّ ما في الأمر”. وأشار بذراعيه إلى المكاتب خلف جُدران مكتبنا. “أنتم جميعاً بعتُم أنفسَكم للشيطان. أنتم هنا لأجل المال”. وذلك عند طلب الفريق منه رفع تقديرات الأحمال.

أبرم الفريقُ عقدَ الاستثمار مع الحكومة الإندونيسية آنذاك ومن خلال العقد عملت الشركة الكهربائية على إغراق اندونيسيا بمبالغ عالية من الديون لمدة 25 عاماً مقابِلَ تقديرات كهربائية أكثر من حاجتها، وقد كان على إندونيسيا أن تسدّدَ هذه الديون أَوْ أن تمنحَ للشركات الأمريكية حق استغلال الثروة النفطية في البلد، وكان الخيار الأخير هو الخيار المفروض عليها.

نتيجة بحث الصور عن الشعب الاندونيسي تراث

الشعبُ الاندونيسي يدرِكُ الوحشية الأمريكية

كان الاندونيسيون يدركون أنه لا يأتي من وراء أمريكا إلا الشر، غير أن حكوماتهم أَصْبَـحت رهينةً للأمريكيين وخداعهم، وهنا يشير بركنز، إلى عرض مسرحي نفذه أمامه شبان اندونيسيون عن وحشية أمريكا والمُؤسّسات الدولية وكذا إلى حوار مع فتاة اندونيسية عقب العرض حيث يقول:

 قال الجالسُ إلى جانبي، “الإندونيسيون يهتمون جداً بالسياسة. ألا يذهبُ الأمريكيون إلى عروض كهذه؟”.

 ثم سألتْ فتاة جميلةٌ تجلس أمامي عبر المائدة، وكانت تتخصص باللغة الإنكليزية في الجامعة، “لكنك تعمل للبنك الدولي، أليس كذلك؟

 قلتُ لها إن عملي الحالي مع بنك التنمية الآسيوي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. فقالت، “أليست في الحقيقة شيئاً واحداً؟” ثم سألتْ دون أنْ تنتظر جواباً، “أليس الوضعُ كما أظهرتْه المسرحية هذا المساء؟ ألا تنظرُ حكومتُكم لإندونيسيا ولغيرها من البلدان وكأننا حفنة من…”، وإذ كانت تبحث عن الكلمة المناسبة، قال أحد أصدقائها، “حبّات العنب”.

 “بالضبط. كأننا حفنة من حبّات العنب. يُمكنُك أن تلتقط وتختار. اترك إنكلترا. التهم الصين. ارم إندونيسيا”.

 ثم أضافت فتاةٌ أُخْـرَى، “بعد أنْ تستولوا على نفطنا”.

سألتُهم لِمَ، في رأيهم، اختار الدالانغُ الدولَ الإسْلَاميةَ وحدَها، باستثناء فيتنام.

 ضحكتْ لسؤالي الفتاةُ، وقالت، “لأن هذه هي الخطة”.

وقال آخر، “ليست فيتنام سوى عمل عابر، كما كانت هولندة بالنسبة إلى النازيين، عتبة عبور”.

 واستمرت الفتاة قائلةً: “الهدفُ الحقيقيُّ هو العالمُ الإسْلَامي”.

ويسرد بركنز الحوارَ الذي يؤكد على وعي الاندونيسيين ووعي معظم سكان العالم بوحشية أمريكا فيقول: لَمْ أستطع أنْ لا أُجيبَ على هذا، فقلتُ مُحتجّاً، “من المؤكد أنكِ لا يمكنُ أن تصدّقي أنّ الولايات المتحدة ضد الإسْلَام”.

قالت: “آه، لا؟ عليك أنْ تقرأ أحد مؤرخيكم، بريطانيٌّ اسمه توينبي. في الخمسينيات تنبّأ بأن الحرب في القرن القادم لن تكونَ بين الشيوعيين والرأسماليين، بل بين المسيحيين والمسلمين”.

 قلتُ مصدوماً، “آرنُلد توينبي قال هذا؟”

 “بلى. اقرأ كتابه الحضارة على المحك وكتابه العالم والغرب”.

 سألتها، “لكنْ، لماذا يجب أنْ تكون مثلُ هذه العداوة بين المسلمين والمسيحيين؟”

 تبادلوا النظرات فيما بينهم. لعلهم وجدوا من الصعب أنْ يُصدِّقوا أنني يُمكنُ أن أسألَ مثل هذا السؤال الغبي.

 ثم يخلص إلى نهاية الحوار فقال: عندئذٍ حدقت الفتاة التي تدرس اللغة الإنكليزية إلى عينيّ مباشرة، وقالت، “كفاكم جشَعاً وأنانية. عليكم أن تُدركوا أنّ في العالم ما هو أهمُّ من منازلكم الكبيرة ومتاجركم المبهرجة. الناس يموتون من الجوع، وأنتم قلقون على النفط لسياراتكم. يموت الأطفالُ من العطش وأنتم تبحثون عن أحدث الأزياء. أُمَـم مثلنا تغرَقُ في الفقر، وشعبكم لا يسمع صراخَنا طلباً للمساعدة. تسدُّون آذانَكم عن أصوات من يُحاولون أن يقولوا لكم ذلك. تصِمُونهم بالتطرُّفِ والشيوعية. عليكم أن تفتحوا قلوبَكم للفقراء والمسحوقين، بدل دفعهم أكثر إلى الفقر والعبودية. لم يبقَ الكثيرُ من الوقت. إن لم تتغيروا، هلكتم”.

 

لقراءة الحلقة الأولى :

مؤلِّفُ الكتاب الأَكْثَر مبيعاً في العالم: كانت مهمّتي هي إجبار الدول على الرضوخ والقبول باتفاقيات قروض مُجحِفة لا يمكنُها سدادُها

أحدث العناوين

اليدومي ينجح في مغادرة إقامته الجبرية في الرياض

نجح رئيس الهيئة العليا لحزب الإصلاح محمد اليدومي في مغادرة مقر إقامته الجبرية في السعودية. متابعات-الخبر اليمني: وظهر اليدومي  في العاصمة...

مقالات ذات صلة