خدعة حظر النفط سنة ١٩٧٣..التحضير المسبق: الحظر ثم التبعات

اخترنا لك

مقدمة المترجمة

 على عكس احداث تفجيرات سبتمبر التي لم يبتلعها وعي الشعب الامريكي، التي شكك في روايتها الرسمية شريحة كبيرة جداً من خبراء وناشطين واكاديميين من داخل الولايات المتحدة، يبقى  في الضمير الغربي وتحديداً عند الشعب الامريكي جرم “للعرب” لا يمكن نسيانه ولا غفرانه او الشك فيه… وهو ما حدث على اثر حرب أكتوبر  1973  من حظر النفط ورفع أسعاره.  هذا الجرم يتناقله الأمريكيون في كيانهم  أباً عن جداً.  ففي العقلية الامريكية بترول العرب هو حق “لرفاهية الشعب الامريكي” وباسعار زهيدة وأي تأثير على ذلك فهو غير مقبول ويعتبر تهديد ليس فقط لرفاهيتهم بل ولأمنهم الوطني.  بعد ان ظهر الى العلن دور بني سعود التاريخي وتماهيه مع الكيان الغاصب الصهيوني، كيف نستطيع التوفيق بين هذا التماهي السعودي الاسرائيلي في المواقف والسياسات وبين ما حدث تاريخياً من قطع السعودية (أُوبيك) النفط عن الغرب عام ١٩٧٣م  بذريعة إحتلال اسرائيل لفلسطين وغصبها حقوق الشعب الفلسطيني ؟؟  بشهادة الشيخ زكي يماني وزير البترول السعودي الأسبق،  التالي هو الرواية الوحيدة الصحيحة لما حدث بخصوص رفع اسعار البترول وقد قمت بترجمتها للعربية على عُجالة من كتاب “قرن من الحرب: السياسات الانجلو-أمريكية للبترول والنظام العالمي الجديد” للمؤلف ف. وليام إنجداهل.

A Century of War: Anglo-American Oil Politics and the New World Order

By F. William Engdahl, New Edition 2012

■ ■ ■

في نهاية السنة الاولى من عهد الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون ١٩٦٩م  بدأت تعصف بالاقتصاد الامريكي أزمات عدة أهمها الركود، هبوط في سعر الفائدة، هروب رؤوس الأموال، عجز تجاري وتخوف دولي من بيع الدولار الامريكي. انخفضت قيمة الدولار مقابل الذهب ووصل الحال لعجز احتياطي الذهب الامريكي عن تغطية الدولار مما دفع بنيكسون بتاريخ ١٥ أوغست ١٩٧١ الى فك ربط الدولار الامريكي بالذهب ممزقاً بذلك أحادياً اتفاقية بريتون وودس (١٩٤٤م). وكان لهذا تبعات دولية خطيرة وكل المحاولات الأوروبية لتدارك الوضع بائت بالفشل ورُفِضت أمريكياً، تحديداً من قطاع الوول ستريت المتنفذ مالياً الذي كان منطقه ان قوة الدولار الامريكي يجب ان لا تمس حتى ولو كان ذلك على حساب الانتاج الاقتصادي او الإزدهار الامريكي الوطني.  استمر انخفاض الدولار مقابل سعر الذهب ومقابل العملات العالمية التي تم تعويمها في وضع غير مستقر للنقد العالمي كما لم يسبق منذ ثلاثينات القرن الماضي.   كان  خلف استراتيجية نيكسون هذه في فك ارتباط الدولار الامريكي بالذهب ارباب البنوك التجارية في “مدينة لندن” ومنهم السير سيغموند واربرغ، إدموند دو روتشايلد، جوسلين هامبرو وغيرهم من الذين رأوْا فرصة اعادة المركز العالمي المالي الى لندن.

تزامن هذا كله مع وجود هنري كيسينجر كمستشار للامن القومي الامريكي والذي انصب اهتمامه على السيطرة على الاقتصاد العالمي وليس على تطويره حيث كان يرى أهمية العمل على تقليص عدد السكان في الدول النامية وليس على تطويرها بنقل التكنولوجيا او التطور الصناعي لها. واعتمد في ذلك على أيديولوجية مالثوس من القرن ١٩م.

في هذا الأثناء كان هناك فريق اخر من متنفذي ارباب البنوك الانجلو-أمريكية يخطط استراتيجية لإعادة القوة للدولار الامريكي وبالتالي من خلاله اعادة القوة السياسية عالمياً لهذه النخبة المتنفذة.

لم يكن التصميم خلف استراتيجية نيكسون في يوم ١٥ أوغست ١٩٧١م لتظهر الا بعد سنتين في أكتوبر ١٩٧٣م.   في مايو ١٩٧٣ عُقد اجتماع  سري لتجمع بيلديربرغ في سالتزجوبادن في منتجع جزيرة لعائلة والنبرغ السويدية وضم الاجتماع ٨٤ شخصية من نخبة المتنفذين الماليين والسياسيين وصناع القرار في العالم .  كان من بين اصحاب البنوك وشركات البترول  ديفيد روكفيلر،  ومن بين مسؤولين في الادارة الامريكية بريجنسكي وهنري كيسينجر.  استمع المشاركون الى سيناريو أمريكي لرفع ارباح بترول اوبك بنسبة ٤٠٠٪‏  ولوضع مخطط  لإدارة هذا الطوفان المالي الذي سيجنى ويتدفق من أرباح اوبيك والتي اطلق عليها هنري كسينجر “اعادة تدوير ضخ  البترودولار”. (ذات النسبة التي طلبها كيسينجر فيما بعد من شاه ايران.)

شرح المتحدث الامريكي للمجتمعين ان دول قليلة في الشرق الأوسط ستنتج البترول وان سعر استيراد البترول سيكون مرتفع جداً مما سينتج عنه صعوبة بالغة في دفع الثمن بالنسبة للدول المستهلكة،  وسينتج تدفق هائل جداً في دخل الدول المنتجة مثل السعودية وأبو ظبي وبالتالي سيؤدي هذا الى تغير في العلاقات السياسية والاستراتيجية وفي موازين القوى بين الدول المنتجة والمستوردة صاحبة شركات البترول الدولية وبين الشركات الوطنية للدول المنتجة والمستوردة للبترول.

قرر مجتمعو بيلديربيرغ في مايو ١٩٧٣م   شن هجوم ضخم على النمو الصناعي  العالمي لكي يعيدوا ترجيح الكفة لصالح المحور الانجلو-أمريكي المالي وللدولار الامريكي. ولكي يتمكنوا من ذلك قرروا استعمال أقوى أسلحتهم وهو السيطرة على العوائد النفطية. بالتالي كانت سياسة بيلديربيرغ  هي شن حظر نفط عالمي لفرض ارتفاع دراماتيكي في أسعار النفط. وبما ان أسعار تجارة النفط ومنذ عام ١٩٤٥م  كانت  بالدولار الامريكي حيث شركات النفط الامريكية كانت هي المسيطرة عالمياً على السوق بعد الحرب فان اي ارتفاع حاد مفاجيء في الأسعار سيكون مصحوب بارتفاع دراماتيكي  على طلب الدولار لتسديد نفقات النفط المطلوب. لم يكن قد سبق تاريخيا ان مجموعة صغيرة من الأفراد المتنفذين متمركزة في لندن ونيويورك قد اثَّرت بهذا الشكل على مصير العالم الاقتصادي فقد ارتأت المؤسسة المالية الانجلو-أمريكية استعمال سلاح النفط في مخطط فظيع لصالحها وهذا فعلاً ما قد وقع.

هزة كيسينجر النفطية في “يوم الغفران” 

(حرب أكتوبر ١٩٧٣م)

في السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، قامتا سوريا ومصر بهجوم عسكري على “اسرائيل” بات يعرف (في الغرب) بحرب يوم الغفران. وعلى  عكس الانطباع العام السائد عالمياً، لم تكن حرب أكتوبر ١٩٧٣م   ضد اسرائيل عشوائية او قراراً عربياً فقد اتضح انها كانت مدبرة من واشنطن ولندن ومنسقة بحرفية ودبلوماسية سرية بالغة من مستشار الأمن القومي لريتشارد نيكسون آنذاك  هنري  كيسينجر.

سيطر كيسينجر على سياسة الرد الاسرائيلي من خلال علاقته الوطيدة بالسفير الاسرائيلي في واشنطن حينئذ سيمخا دينيتز. فتح كيسينجر قنوات دبلوماسية مع كل من سوريا ومصر على انفراد. حيث كان يقوم بتشويه النقاط الحساسة من كل طرف للآخر لضمان قيام الحرب وبالتالي الحظر النفطي.

تقارير الاستخبارات الامريكية بما فيها المراسلات العربية المُعْتَرَضة التي كانت تشير الى التحضير للحرب تم كبتها بشدة من جانب كيسينجر الذي كان يعتبر قيصر الاستخبارات السرية في عهد نيكسون. قامت الحرب وما تلاها من الجولات “الدبلوماسية المكوكية” لكيسنجر تماماً بالحذافير التي قد رُسِمَ لها قبل بضعة أشهر في اجتماع بيلديربيرغ في سالتزجوبادن السويدية.  وقعت الدول العربية المنتجة للنفط كبش الفداء للغضب العالمي بينما بقي اصحاب النفوذ الانجلو- أمريكي بهدوء في الظل.

النتائج والعواقب

في منتصف أكتوبر ١٩٧٣م  ارتأت ألمانيا البقاء على الحياد من الحرب بين العرب وإسرائيل  ورفضت السماح للولايات المتحدة الامريكية بتزويد “اسرائيل” من قواعدها العسكرية في ألمانيا. الامر الذي أضطر نيكسون لتقريع المستشار الألماني برسالة شديدة اللهجة يحتمل ان يكون كيسينجر هو من قد كتبها أدت الى تراجع ألمانيا عن حيادها. لكن تزامناً مع الرفض الامريكي لحياد ألمانيا ، سمحت واشنطن لبريطانيا بان تكون على الحياد وتتجنب بذلك حظر النفط عليها. وهكذا تملصت لندن بمهارة من أزمة قد شاركت في صنعها.

من النتائج الهائلة التي تلت ارتفاع أسعار أوبيك ٤٠٠٪‏ هو استغلال شركات البترول الانجلو-أمريكية لاستثمارات بملايين الدولارات في حقول بحر الشمال المحفوفة بالمخاطر لجني فوائد عالية لم تكن ممكنة قبل تأمين خطة كيسينجر للحظر.

بُعيد اجتماع لها في ڤينا في ١٦ أكتوبر ١٩٧٣، بدأت أوبيك بارتفاعات مذهلة لاسعار النفط، بنسبة ٧٠٪‏ ، من ٣,٠١ الى  ٥,١١ دولار أمريكي للبرميل. وفي نفس اليوم قررت الدول العربية الأعضاء في أوبيك حظر بيع النفط للولايات المتحدة الامريكية ولهولندا التي كانت تعتبر الميناء الرئيس لغرب أوروبا في استيراد النفط. في ١٧ أكتوبر قررت كل من السعودية، الكويت، ابو ظبي، قطر،  العراق، ليبيا، والجزائر خفض انتاج البترول شهرياً بنسبة ٥٪‏ الى ان تنسحب إسرائيل كلياً من كافة الاراضي العربية التي احتلتها في حزيران سنة ١٩٦٧م وإعادة كافة الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني” … وهكذا كانت هزة النفط الاولى للعالم.

في نفس الوقت الذي بلغت فيه أزمة البترول ذروتها، كان الرئيس نيكسون في غاية التورط في فضيحة ووترجيت الامر الذي ترك المجال على مصراعيه لكيسنجر ليتصرف كرئيس فعلي للولايات المتحدة ومنفذ لسياساتها اثناء أزمة حرب أكتوبر.

عندما بعث البيت الأبيض مسؤول كبير للخزنة الامريكية (وزارة المالية) لوضع استراتيجيات لاجبار أوبيك على خفض اسعار النفط، تم اعادة المسؤول بصلافة . وقد تبين في مذكرة لاحقة ان رؤوساء البنوك كانوا هم من اصروا على اعادة تعديل برامج الخزنة لاستيعاب الارتفاع في أسعار النفط والذي كان قراراً كارثي.

قامت الخزنة الامريكية بإدارة جاك بينيت، ذات الرجل الذي ادار سياسات نيكسون الكارثية تجاه الدولار عام ١٩٧١م، بعقد اتفاقية سرية مع مؤسسة النقد السعودية ساما. جاك بينيت بعث بمذكرة لكيسنجر في فبراير ١٩٧٥ تنص على انه بموجب بنود الاتفاقية ستقوم السعودية باستثمار مبالغ كبيرة من عوائد النفط الهائلة لتمويل عجز الحكومة الامريكية. تم إيفاد شاب يافع مصرفي وخبير في الاستثمارات  من وول ستريت يعمل لمؤسسة أوروبية للسندات ومركزها لندن اسمه ديفيد ملفورد ليصبح مستشار الاستثمارات لمؤسسة النقد السعودي ساما وليقوم بتوجيه البترودولار السعودي للاستثمار في البنوك المناسبة تحديداً في نيويورك ولندن. وهكذا تم تنفيذ مخطط بيلديربيرغ كما رُسِم في الاجتماع.

في هذه الأثناء كان كيسينجر يسيطر على الاستخبارات الامريكية بحكم منصبه كمستشار الأمن القومي لنيكسون كما كان ايضا يحتل منصب وزير الخارجية وهذا خاصية لم تسبق لمسؤول في الادارة الامريكية لا قبل كيسينجر ولا بعده، حتى اصبح كيسينجر يتمتع بصلاحيات ونفوذ مطلقة لم يضاهيه فيها اي مسؤول في فترة رئاسة نيكسون. اضافة الى ذلك كله، تم منح كيسينجر جائزة نوبل للسلام في سنة ١٩٧٣م.

في الاول من يناير ١٩٧٤م  عُقِد اجتماع في طهران تم على اثره رفع سعر نفط أوبيك ١٠٠٪‏  ليصبح سعر البرميل ١١,٦٥ دولار . تم هذا كمفاجئة بناءً على طلب شاه ايران والذي كان بدوره قد طلب منه سراً كيسينجر ان يفعل ذلك بالرغم من ان شاه ايران كان وقد سبق له وان عارض هذه الزيادة قبل عدة أشهر حين كان سعر البرميل ٣,٠١ دولار خوفاً من ان تطالب الدول الأوربية بأسعار اعلى للمعدات الصناعية التي كان الشاه ينوي شرائها لتطوير الصناعة في ايران.  كما انه حتى وزارة كسينجر الخارجية لم تكن على علم بتنسيق كسينجر السري هذا مع شاه ايران.  أدى دعم واشنطن والغرب لإسرائيل في حرب أكتوبر لتأجيج غضب أوبيك في الاجتماعات.

ما بين العام ١٩٤٩م  وأواخر ١٩٧٠م  بقيت أسعار نفط الشرق الأوسط الخام حول معدلها تقريباً ١,٩٠ دولار للبرميل لترتفع الى ٣,٠١ دولار للبرميل في بداية ١٩٧٣م ثم لتصل أسعار أوبيك مستقبلاً الى ٤٠٠٪‏ حسب قرار اجتماع بيلديربيرغ الكارثي في سالتزجوبادن.  بحلول يناير ١٩٧٤م أصبحت نسبة الـزيادة ٤٠٠٪‏  أمراً واقعاً.

أثر هزة حظر النفط على الاقتصاد

من الممكن وصف وقع حظر النفط على الولايات المتحدة  وأثره على المجتمع في أواخر ١٩٧٣م  بالهلع والفزع.  فخلال ١٩٧٢ الى أوائل ١٩٧٣م  قامت شركات النفط الدولية بقيادة شركة إكسون بسياسات غريبة حيث افتعلت قصور في تزويد النفط الخام محلياً بحكم قرارات اتخذها نيكسون بناء على نصيحة مستشاريه. لذلك عندما تم فرض حظر النفط في نوفمبر ١٩٧٣ كان التأثير دراماتيكيا. في ذلك الوقت كان البيت الأبيض هو المسؤول عن السيطرة على استيرادات الولايات المتحدة للنفط بموجب قانون اتفاقية التجارة الامريكية المبرمة سنة ١٩٥٩م.

في يناير ١٩٧٣م قام نيكسون بتعيين وزير الخزنة آنذاك جورج شولتز كمستشار رئاسي للشؤون الاقتصادية حيث استطاع شولتز من خلال هذا المنصب الإشراف على سياسات البيت الأبيض لاستيراد النفط. كما تم تعيين وكيل شولتز في الخزنة الامريكية، وليام سايمون،  والذي كان سابقا تاجر سندات في وول ستريت كرئيس للجنة سياسات النفط التي كانت المسؤولة عن قرارات تزويد النفط في الأشهر الحرجة التي سبقت الحظر في أكتوبر.

في فبراير ١٩٧٣م  تم إقناع نيكسون بتشكيل لجنة ثلاثية للطاقة تضم جورج شولتز (وزير الخزنة) ، و جون ايرليخمان (مساعد البيت الأبيض) و هنري كيسينجر (مستشار الأمن القومي الامريكي) لتصبح لجنة البيت الأبيض الخاصة للطاقة.  وهكذا كان المشهد قد تم تحضيره بهدوء لمخطط بيلديربيرغ دون ان ينتبه لذلك احد لا في واشنطن ولا في غيرها. بحلول أكتوبر ١٩٧٣م كانت اسعار اسهم النفط الخام المحلي الامريكي قد هبطت الى مستويات مثيرة للقلق فجاء بعد ذلك حظر أوبيك للنفط ليشعل هلع المواطنين ويدفعهم للاصطفاف في طوابير لا نهاية لها للتزود بالغازولين  مع دعوات للتقنين تلاها ركود اقتصادي حاد.

المدن الامريكية الأكثر تضرراً من أزمة النفط كانت اكبرها وهي مدينة نيويورك. ففي ديسمبر ١٩٧٤ اجتمع تسعة من عمالقة المصرفيين في العالم بقيادة ديفيد روكفيلر من تشيز مانهاتن، سيتي بانك، وبنك لندن-نيويورك للاستثمارات وبنك لازارد فريريز ليخبروا عُمدة مدينة نيويورك، وكان رجل من العقلية السياسية القديمة يدعى ابراهام بيم، انه ان لم يقم بتسليم التحكم بصناديق التقاعد الضخمة لمدينة نيويورك الى لجنة من البنوك (تُسمى شركة مساعدة البلدية) فان البنوك وأصدقائهم المتنفذين في الإعلام سيتكفلون بتحطيم المدينة مالياً. أذعن عمدة نيويورك المغلوب على أمره للمصرفيين وبالتالي أُجبرت مدينة نيويورك على خفض نفقاتها على سكك الحديد والجسور والمستشفيات والمدارس ولتسريح عشرات الآلاف من موظفي المدينة لكي تتمكن المدينة من تسديد مديونية البنوك. وهكذا ومن ذلك الوقت تحولت اعظم مدينة في الولايات المتحدة الى كومة من الخردة.

في غرب اوروبا كان تأثير هزة حظر النفط مماثلاً لما حدث في الولايات المتحدة. بداية من بريطانيا وامتدادا الى بقية أوروبا، بلد تلو الاخرى تأثروا  بأسوأ أزمة اقتصادية منذ ثلاثينات القرن العشرين. افلست البنوك وارتفعت نسبة البطالة الى مستويات مقلقة في أنحاء أوروبا.

في ألمانيا اضطرت الحكومة لفرض حظر طوارىء على سياقة المركبات يوم الأحد لتوفير نفقات استيراد النفط. وفي حزيران ١٩٧٤م  أدت  أزمة النفط الى انهيار البنك ألألماني “هيرستات بانك” وبالتالي تأزُّم المارك الألماني. وفي نفس العام ارتفعت تكلفة ألمانيا لاستيراد النفط الى رقم مذهل بلغ ١٧ بليون مارك ألماني كما توقع نصف مليون ألماني فقد وظائفهم  ووصل التضخم المالي الى مستويات مقلقة بنسبة ٨٪‏ . كل هذا حصل كنتيجة لهزة النفط .

كان للارتفاع المفاجيء في اسعار النفط بنسبة ٤٠٠٪‏  اثار كارثية على الصناعة الألمانية من ناحية تكلفة المواد الخام في الصناعة، والمواصلات، والزراعة.  كما اصيبت الصناعات المركزية  مثل صناعة الفولاذ وبناء السفن والكيماويات  بأزمات حادة نتيجة للهزة  النفطية. خسرت حكومة ويلي براندت الألمانية كنتيجة للازمات الوطنية وبالتالي استقالت ليعقبها تعيين المستشار هيلموت شميدت. معظم حكومات أوروبا في هذه الفترة وقعت ضحية هزة النفط وعواقبها الاقتصادية عليهم.

لكن التأثير الاقتصادي الناتج عن ارتفاع الـنسبة ٤٠٠٪‏ على المصدر الرئيسي للطاقة في الدول النامية (حيث كانت لا تزال تدعى كذلك حينئذ وقبل ان يُطلق عليها تسمية دول العالم الثالث) ‏ كان مذهل.

الشريحة الأكبر من دول العالم الأقل تطوراً اقتصادياً والتي لم يكن لديها أية موارد نفطية تُذكر أصبحت  بين ليلة وضحاها تواجه  نسبة ٤٠٠٪‏ زيادة في تكلفة الطاقة المستوردة عاجزة عن تسديدها، ناهيك عن ارتفاع اسعار مشتقات النفط كالكيمياويات والأسمدة الزراعية. في هذا التوقيت  بدأ الحديث عن مفهوم “البقاء للافضل” وتصنيف دول العالم كثالث ورابع .

كان للهند في عام ١٩٧٣م مؤشر إيجابي بالنسبة لتوازنها التجاري وكانت في وضع متعافي كدولة نامية ولكن في عام ١٩٧٤م كان كُلِّي احتياطها من التجارة الخارجية ٦٢٩ مليون دولار الا انه في ظل الهزة النفطية ترتب عليها تسديد ضعف هذا المبلغ (اي ١,٢٤١ مليون دولار) كفتورة سنوية لاستيرادها النفط.  السودان، الباكستان، الفلبين، تايلاند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، دولة بعد دولة وُجِهت في ١٩٧٤م بعجز ساحق في ميزانيات تسديد فواتير استيرادها للنفط. بالمجمل، كل الدول النامية تكبدت عجز تجاري وصل الى ٣٥ بليون دولار أمريكي  بحسب صندوق النقد الدولي، مبلغ باهظ جداً في ذلك الوقت. كان هذا العجز  أربعة أضعاف ما كان عليه في العام السابق ١٩٧٣م مما تناسب تماماً مع نسبة ارتفاع اسعار النفط.

شهد العالم في السنوات وما حتى بداية السبعينات نمو اقتصاديا وصناعياً قويا الا ان الهبوط الصناعي العالمي الذي تلى ذلك في الأعوام ١٩٧٤- ١٩٧٥ كان غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.

ولكن بينما كان للهزة النفطية التي احدثها كيسينجر عام ١٩٧٣ نتائج كارثية على نمو الاقتصادي العالمي كان لها الأثر العكسي  والفوائد العظيمة في المقلب الاخر تحديدا في مراكز النفوذ المصرفية في نيويورك ولندن وشركات النفط “الاخوات السبع” المتعددة الجنسية في لندن ونيويورك. فقد حلت شركة إكسون محل شركة جنرال موتورز كأكبر شركة أمريكية في اجمالي الارباح بحلول ١٩٧٤ تبعتها “اخواتها” من أمثال شركة موبيل ، تكسكو، شيفرون وجلف.

الحجم الأكبر من أرباح دولارات أوبيك والتي اسماها كيسينجر “البترودولار المعاد تدويرها” تم ايداعها في بنوك لندن ونيويورك الرئيسية تحديداً البنوك التي كانت تتعامل بالدولار وتتعاطى تجارة النفط الدولية. تشيز مانهاتن، سيتي بانك، مانيوفاكتشرر هانوفر، بنك أميركا، باركليز، لويدز، ميدلاند بانك، كلها بنوك تمتعت بالمكاسب والأرباح الفجائية الناتجة عن صدمة البترول. هذه البترودولار المعاد تدويرها في السبعينات تم استعمالها لتحضير المشهد لاحقاً لازمة المديونية الكبرى التي حصلت في الثمانينات.

[تقويض الطاقة النووية]

خطف تألق الوردة النووية

الاهتمام الرئيس لمخططي نسبة الـ ٤٠٠٪‏  كان كيفية ضمان عدم اتجاه العالم للأخذ ببدائل اخرى لمصادر الطاقة الغير نفطية وان لا تؤدي  تصرفات المخططين العنيفة الى تسريع العالم نحو الظاهرة الجديدة الآخذة بالانتشار تحديداً الطاقة النووية لتوليد الكهرباء التي برزت كمورد بديل أكثر فعالية وأقل تكلفة.

كان العميد الأكاديمي لهنري كيسينجر في جامعة هارفاد ورئيسه السابق اثناء عمله كمستشار في مجلس الأمن القومي في حكومة الرئيس جون كندي هو ماكجورج بَندي. ترك بَندي البيت الأبيض سنة ١٩٦٦ ليلعب دوراً حاسم في تشكيل السياسة الامريكية الداخلية ولذلك ترأس اكبر مؤسسة أمريكية خاصة وهي مؤسسة فورد.  بحلول ديسمبر ١٩٧١ كان بَندي قد أسس مشروع جديد للمؤسسة وهو مشروع سياسة الطاقة تحت إشراف س. ديفيد فريمان برصيد ٤ ملايين دولار ومدة زمنية محددة بثلاث أعوام. تحديداً في منتصف الجدل القائم حول أزمة حظر النفط في ١٩٧٤م قامت مؤسسة فورد برئاسة بَندي بإصدار دراسة  تهدف لتشكيل الرأي العام وتوجيهه في ذلك الوقت الحرج،   الدراسة كانت بعنوان “وقت الخَيَار: مستقبل الطاقة الامريكي” .

لاول مرة بدأت تظهر للعلن  في دوائر المؤسسة الامريكية أُطروحة مخادعة تدَّعي  انه “من الممكن الفصل بين تنمية الطاقة وتنمية الاقتصاد” وأنهما ليستا “توئمان سياميان” . دراسة ديفيد فريمان ادَّعت بطريقة عجيبة وغير فعالة مصادر بديلة للطاقة مثل طاقة الريح والعاكِسات الشمسية واحراق النفايات المعاد تدويرها. شنت دراسة فورد هجوم قوي على الطاقة النووية بذريعة ان التكنولوجيا المعنية في ذلك قد تُستخدم نظرياً في صناعة قنابل ذرية، وكذلك أكدوا ان الوقود المستعمل او منتجاته الثانوية كالبلوتونيوم قد تستعمل رأسا او بعد المعالجة كمواد للقنابل الذرية او لاجهزة تفجيرات.

اشارت دراسة فورد بشكل صحيح الى ان المنافس الرئيس لهيمنة البترول العالمية في المستقبل ستكون الطاقة النووية. وحذرت الدراسة من “الانتشار السريع للطاقة النووية في كل أنحاء العالم  خصوصاً مع تطوير المفاعلات وطرق الطرد المركزي  لتخصيب اليورانيوم”. وهكذا حدد مشروع بَندي إطار العمل للمؤسسة الامريكية المالية  وهو “الهجوم الأخضر” ضد الطاقة النووية.

مع بداية سبعينات القرن الماضي  نجحت تكنولوجيا الطاقة النووية في ان تصبح خيار المستقبل الأفضل والأكثر فاعلية لتوليد الكهرباء، الى حد بعيد اكثر فاعلية وأقل خطراً على البيئة من النفط والفحم.  في الوقت الذي حصلت فيه هزة النفط ١٩٧٤، كانت المجتمعات الأوروبية قد وصلت الى مرحلة متقدمة في مشروع رائد  لتطوير الطاقة النووية. كان مخطط الحكومات الأعضاء في١٩٧٥م ان يتم الانتهاء من ١٦٠ الى ٢٠٠ محطة نووية على مدى القارة الأوروربية بحلول ١٩٨٥م.

في العام ١٩٧٥م  قامت حكومة المستشار الألماني هيلموت شميدت بخطوات منطقية تجاه احتواء نتائج أزمة ١٩٧٤م  النفطية وذلك بتمرير مشروع لإضافة ٤٢ جيجاواتس من سعة طاقة المحطات النووية الألمانية، ما يقارب ٤٥٪‏ من احتياجات ألمانيا للكهرباء بحلول ١٩٨٥م . لم يكن هذا البرنامج مسبوق في الدول الأوروبية الا من فرنسا التي توقعت ان تصل الى ٤٥ جيجاواتس من السعة النووية مع ١٩٨٥م. وزير الصناعة الايطالي كارلو دونات كاتين كان أعطى التعليمات للشركات النووية الإيطالية للتخطيط لِإنهاء إنشاء حوالي ٢٠ محطة نووية بحلول أوائل الثمانينات.  وحتى إسبانيا التي كانت في ذلك الوقت تخرج من تحت حكم فرانكو لأربعة عقود دعت لإنشاء ٢٠ محطة نووية بحلول ١٩٨٣م.  نموذجياً، منشأة نووية بسعة ١ جيجاوات تكفي لتزويد الاحتياجات الكهربائية لمدينة صناعية حديثة بتعداد مليون نسمة.

بدأ يظهر النمو المتسارع للصناعة النووية الأوروبية وخصوصا في فرنسا وألمانيا ولأول مرة كمتنافس كفؤ للسيطرة الامريكية على أسواق تصدير الطاقة النووية في اثناء حدوث أزمة النفط ١٩٧٤م.  كانت فرنسا وألمانيا قد أمَّنتا “خطاب نوايا” من  شاه ايران لبناء اربع مفاعلات نووية في ايران. كذلك فرنسا وقعت مع حكومة الباكستان في عهد ذوالفقار علي بوتو على إنشاء بنية تحتية نووية في البلاد. كما نجحت المفاوضات بين ألمانيا والبرازيل في ١٩٧٦م  على اتفاق التعاون بين حكومتي ألمانيا والبرازيل في المجالات النووية السلمية والتي تضمنت انشاء ألمانيا ثمانية مفاعلات نووية بالاضافة الى منشآت لإعادة معالجة وتخصيب وقود مفاعل اليورانيوم . قامت الشركات الفرنسية والالمانية النووية وبدعم تام من حكومتيهما بمفاوضات مع قطاعات منتقاة لدول نامية  بحسب اعلان أيزنهاور لعام ١٩٥٣م  “الذرة  للسلام” .

من الواضح ان القبضة الانجلو-أمريكية المحكمة على الطاقة والمبنية على السيطرة التامة على مصدر العالم للطاقة وهو النفط اصبح مهدداً في حال نجاح هذه المشاريع الذرية.

تفوَّق مستوى الطاقة النووية بتكنولوجياتها وفعاليتها على مستوى الطاقة النفطية بعد الحرب تماماً كما حدث سابقاً في تفوق النفط على الفحم، حينئذ دعى ونستون تشيرتشيل في القرن الأسبق لاستبدال الفحم بالنفط كوقود للبحرية البريطانية. الا ان الاختلاف الأساس هو ان بريطانيا و “بنات عمومتها” في الولايات المتحدة كانوا في السبعينات هم المتحكمين والمسيطرين على مخزون النفط  العالمي.  التكنولوجيا النووية العالمية  تعد بفتح إمكانيات للطاقة لا حدود له خصوصاً اذا كان هناك تخطيط لإنشاء محطات نووية سريعة التوليد بالاضافة الى الانشطار الحراري.

مباشرة بعد الهزة  النفطية  لعام ١٩٧٤م ، تم تأسيس منظمتين للصناعة  وكلاهما تمركز في لندن.  في بداية ١٩٧٥م، تأسس تجمع شِبه رسمي بات يعرف باسم “نادي لندن” وهو  تجمع الموردين النووي . ضم التجمع بريطانيا، الولايات المتحدة، كندا إضافة الى فرنسا، ألمانيا، اليابان، والاتحاد السوفيتي. كان التجمع  مسعى أنجلو-أمريكي مبدئي لضمان التقيد الذاتي على التصدير النووي. تم استكمال هذا التجمع بآخر في أيار ١٩٧٥ بتأسيس منظمة سرية اخرى باسم “معهد لندن لليورانيوم” تجمع فيها اهم موردي وقود اليورانيوم النووي في العالم وكانت هذه المنظمة تحت سيطرة مناطق النفوذ البريطاني بما فيها كندا، استراليا، جنوب افريقيا وبريطانيا نفسها. وكانت هذه المنظمات الداخلية ضرورية ولكن غير كافية للمصالح الانجلو-أمريكية لاحتواء “التهديد” النووي في بداية السبعينات. فقد قال احد معارضي النووي الأمريكان البارزين والمنتسب لمعهد آسبن بان المهمة هي “نزع تألق الوهج من الوردة النووية”، وهذا كان ما قد فعلوا.

تطوير الاجندة الانجلو-أمريكية “الخضراء” 

لم يكن مصادفة ان يتزايد قطاع السكان في أوروبا الغربية وخصوصاً في ألمانيا المتحدثين وللمرة الاولى بعد فترة الحرب عن “محدودية النمو” ، او عن ” تهديد البيئة” . بدأوا يُشككون في إيمانهم بمبدأ النمو الصناعي والتطور التكنولوجي.  القليل جدا من الناس وَعوا حجم التلاعب في وجهات نظرهم الجديدة وانها كانت جراء تأثير سلطات عُليا وشبكات أسستها نفس الدوائر الانجلو-أمريكية التي كانت خلف استراتيجية هزة النفط في اجتماع سالتزجوبادن.

في بداية السبعينات، تم اطلاق دعاية هجومية من نخبة من مراكز التنظير الأنجلو-أمريكية والمطبوعات بهدف تشكيل اجندة “محدودية النمو” والتي ستضمن النجاح الدراماتيكي لاستراتيجية صدمة النفط.  رجل النفط الامريكي الذي شارك في اجتماع بيلديربيرغ في أيار ١٩٧٣م في سالتزجوبادن روبرت، أندرسون، كان شخصية مركزية في  تنفيذ نشأة  الاجندة الانجلو-أمريكية للبيئة والتي أصبحت تاريخياً من اكثر الخدعات تصديقاً.

روبرت أندرسون بِشركته “أتلاتنك ريتشفيلد أويل” سرَّب ملايين الدولارات عبر مؤسسة “أتلاتنك ريتشفيلد” الى منظمات منتقاه لاستهداف الطاقة النووية. اكثر المنتفعين من هذا السخاء كان تجمع يُدعى “أصدقاء الأرض”  والتي تم تنظيمها في ذلك الوقت بمنحة من أندرسون قيمتها مائتي الف دولار أمريكي. اول أهداف “أصدقاء الارض” كان تمويل هجوم على الصناعة الألمانية النووية، من خلال تحركات “ضد-النووي” كتلك المظاهرة ضد بروكدورف عام ١٩٧٦م  بقيادة رئيس “أصدقاء الارض” هولجر ستروهم. مدير “أصدقاء الارض” الفرنسي، برايس لالوند،  كان شريك لعائلة روكفيلر في مؤسستها القانونية، كودرت براذرز، في باريس تم لاحقاً تعينه عام ١٩٨٩م  وزير البيئة في حكومة ميتيران.  “أصدقاء الارض” كانوا هم من قد أُستعملوا لاحباط اتفاقية رئيسية بين استراليا واليابان لتوريد اليورانيوم.  في نوفمبر ١٩٧٤م  ذهب رئيس وزراء اليابان تاناكا الى مدينة كامبيرا في استراليا لمقابلة رئيس الوزراء الأسترالي ج. ويتلام. اتفق الاثنان على “إمكانية  التزام”  ببلايين الدولارات تقوم استراليا بموجبه بتزويد اليابان باحتياجاتها المستقبلية من اليورانيوم الخام وعلى مشروع مشترك لتطوير تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم. قامت الشركة البريطانية العملاقة للتنجيم عن اليورانيوم، ريو تنتو زينك، سراً بنشر “أصدقاء الأرض” في استراليا لتحريك معارضة ضد الاتفاقية اليابانية المتريثة مما أدى بعد أشهر عدة الى سقوط حكومة ويتلام. من الواضح ان “أصدقاء الارض” لهم أصدقاء في مناصب عليا في لندن ونيويورك.

لكن وسيلة روبرت أندرسون الرئيسية لنشر أيدولوجية “محدودية النمو” بين دوائر المؤسسة الامريكية  والأوروبية  كان معهده “معهد آسبن للدراسات الإنسانية”.  كان أندرسون هو رئيس المعهد بينما كان نائبه   ثورنتون برادشاو  الذي كان يرأس مؤسسة أتلانتيك ريتشفيلد. معهد آسبن للدراسات الانسانية كان قناة رئيسية في بداية السبعينات لخلق الأجندة الجديدة  للمؤسسة  “ضد-النووي”.

من أشهر الأمناء القيمين على معهد آسبن في ذلك الوقت كان رئيس البنك الدولي حينئذ والرجل الذي اشرف على حرب فيتنام روبرت ماكنمارا

كما كان من الأمناء :

اللورد بولوك من جامعة أُكسفورد،

ريتشارد جاردنر رجل اقتصاد أمريكي من محبي بريطانيا اصبح لاحقاً سفير الولايات في إيطاليا

رسل بيترسون، من بنك ليهمان براذرز كيون لوب إنك، ومصرفي من وول ستريت

جاك كلارك، عضو تنفيذي في عملاقة النفط إكسون

 جيري مكافي من العملاقة غولف للنفط

جورج ماكجي، مسؤول سابق في وزارة الخارجية الامريكية ومن مؤسسي تجمع بيلديربيرغ عام ١٩٥٩.

من المشاركين في معهد آسبن منذ بدايته كان أيضاً في ألمانيا، هامبورغ، ناشرة الصحيفة الأسبوعية الألمانية، داي زايت،  الكونتيسة ماريون دينهوف،  بالاضافة الى رئيس فرع بنك تشيز مانهاتن واللجنة العليا في ألمانيا جون مكلوي.

عيَّن روبرت أندرسون جوزيف سلاتر من مؤسسة فورد (ماكجورج بَندي) كمدير لمعهد آسبن. حقاً كانت دائرة مغلقة كالعائلة الواحدة في المؤسسة الانجلو-أمريكية في بداية السبعينات. المشروع المبدئي الذي أطلقه سلاتر من معهد آسبن كان التحضير لهجوم منظم دولياً ضد النمو الاقتصادي وخصوصاً الطاقة النووية مستعملا لذلك رعاية وتمويل هيئة الامم المتحدة حيث تمكن سلاتر من ضمان دعم السفير السويدي للأمم المتحدة حينئذ، سفركر أستروم،  والذي بدوره وجه من خلال الامم المتحدة وبالرغم من معارضة الدول النامية مشروع لمؤتمر دولي حول “المحيط البيئي”.

من البداية، وفي حزيران ١٩٧٢م  كان مؤتمر الامم المتحدة في ستوكهولم حول المحيط البيئي (البيئة) يُدار من خلال وكلاء لمعهد أندرسون “آسبن”. من أعضاء مجلس إدارة معهد آسبن كان موريس سترونغ، رجل نفط كندي من شركة بترو-كندا ترأس مؤتمر ستوكهولم.  معهد آسبن أيضاً زود التمويل ورعاية الامم المتحدة لإنشاء شبكة دولية “صفر- نمو اقتصادي”  تحت مسمى “المعهد الدولي للمحيط البيئي والتنمية”. مجلس أعضاء هذا المعهد ضم روبرت أندرسون، روبرت ماكنمارا، موريس سترونغ وعضو حزب العمال البريطاني روي جينكنز. فوراً بدأت هذه المنظمة الجديدة بإصدار كتاب “عالم واحد فقط” من تأليف الزميلة في جامعة روكفلر ريني دوبوس والبريطانية المنتمية لمنهج مالتوس باربرا وورد (ليدي جاكسون).  كما تم إقناع منظمة غرف التجارة الدولية لرعاية موريس سترونغ وشخصيات اخرى من معهد آسبن لإعطاء محاضرات تستهدف رجال الاعمال الدوليين وتوجيههم حول ايديولوجية المحيط البيئي الجديدة.

خلق مؤتمر ستوكهولم ١٩٧٢م  التنظيم الدولي والبنية التحتية الدعائية الضرورية لحين إطلاق كسينجر هزة حظر النفط ١٩٧٣-١٩٧٤. اصبح  بالإمكانية إطلاق بروباغاندا ضخمة ضد الطاقة النووية بمساعدة ملايين الدولارات المتوفرة من القنوات المرتبطة بالنفط من شركة أتلانتيك ريتشفيلد وصندوق روكفيلر براذرز  وغيرهم من دوائر النخب في المؤسسة الانجلو-الامريكية. من بين التجمعات التي تم تمويلها من هذه القنوات منظمات ضمت نخبة النخبة “وورلد وايلدلايف فند” اي “صندوق الحياة البرية العالمي”  والذي ترأسه مؤسس جماعة بيلديربيرغ الهولندي الامير برنارد،  ثم لاحقاً ترأسه جون لودن من عملاقة النفط شركة رويال داتش شيل.

كمؤشر للتأثير الساحق والهيمنة للمؤسسة المالية في الإعلام الامريكي والبريطاني على الرأي العام ، لم يتجرأ احد على اي احتجاج شعبي او الدعوة لتحقيق في احتمال وجود “تضارب في المصالح” بخصوص تورط روبرت أندرسون من جهة في الهجمة الممولة ضد-النووي ومن جهة اخرى في كون شركته  أتلاتنك ريتشفيلد من اهم المستفيدين من زيادة اسعار النفط الناتجة عن هزة حظر النفط ١٩٧٤م.  قامت  شركة أندرسون، و آركو، باستثمارات بعشرات ملايين الدولارات في بنية تحتية عالية المخاطر في خليج بردهو في ألاسكا كما في بحر الشمال البريطاني بالمشاركة مع إكسون، بريتيش بتروليوم، شيل وشركات “الاخوات السبع”. لو لم يكن بفضل هزة حظر النفط ١٩٧٤م  ورفع اسعار النفط الى ١١,٦٥ دولار للبرميل لكانت خسارة استثمارات أندرسون وبريتش بيتروليوم وإكسون وشيل وأخواتهم في بحر الشمال وفي ألاسكا كارثية وفادحة جدا.

ولضمان صداقة صوت الصحافة في بريطانيا،  قام أندرسون في ذلك الوقت بشراء الأُوبزيرفر اللندنية.  لم يتسائل احد ان كان لأندرسون وأصدقائه المتنفذين معرفة مسبقة بتخطيط كيسينجر لظروف ترفع اسعار النفط ٤٠٠٪‏.

لم يُعدم أندرسون حيلة لضمان مشروع الـ “صفر-نمو”. فقد تبرع أندرسون أيضاً بمبالغ ضخمة لمشروع  “نادي روما” الذي أنشأته عائلة روكفلر في مقاطعة مملوكة لها في بيللاجيو إيطاليا مع أوريليو بيتشي وألكسندر كينج.  قام “نادي روما”  و” الاتحاد الامريكي لنادي روما” في سنة ١٩٧٢م  بتوزيع واسع لمنشور علمي زائف عبارة عن محاكاة بالكمبيوتر من تأليف دينيس ميدوز وجاي فورستر بعنوان “محدودية النمو”. كان هذا المنشور عبارة عن اضافة رسومات حديثة بالكمبيوتر الى مقالة مالثوس من القرن التاسع عشر المعنية بالاكتظاظ السكاني  والفاقدة للمصداقية .  ومع هذا،  أصر ميدوز وفوريستر على ان العالم سيفنى بسبب عدم كفاية الطاقة والغذاء والموارد الاخرى.  كما فعل مالتوس من قبل،  أصرَّ ميدوز وفوريستر على إهمال تأثير التقدم التكنولوجي في تحسين ظروف الانسان.  كانت رسالتهم قاتمة  وكئيبة ومتشائمة ثقافياً.

من اكثر الدول استهدافاً لهذا الهجوم الانجلو-أمريكي ضد-النووي حينئذ كانت ألمانيا. وبالرغم من ان برنامج فرنسا النووي لم يكن لِيَقل طموحاً عن الألماني، الا ان ألمانيا أُعتبرت ذات مساحة أثمن لنجاح الإستخبارات الأنجلو-أمريكية اخذين بعين الاعتبار ماضيهم الناجح إبان الحرب باحتلال الجمهورية الفدرالية. فلم يكن حبر اتفاقية وزارة المستشار هيلموت شميدت ١٩٧٥م  لمشروع التطوير النووي قد جف بعد على الورق حتى بدأ الهجوم.

كان العامل الفعّال في هذا المشروع هو فتاة شابَّة من ام ألمانية وزوج أُم أمريكي سكنت الولايات المتحدة حتى أوائل السبعينات وعملت لدى السيناتور الامريكي هيوبرت همفري. بِترا كيلي عملت على توطيد علاقات قوية اثناء إقامتها في الولايات المتحدة مع واحدة من اهم المنظمات الانجلو-أمريكية الناشطة ضد-النووي والتي انشأئتها مؤسسة ماكجورج بَندي، فورد  وهي “لجنة الدفاع عن الموارد الطبيعية” . ضمت هذه اللجنة في مجلس ادارتها باربرا وورد (الليدي جاكسون) ولورانس روكفلر بالاضافة الى الآخرين. في ألمانيا، بدأت بترا كيلي بتنظيم هجوم قانوني ضد انشاء المشروع النووي الألماني خلال السبعينات مما أدى الى تأخيرات مُكلفة للمشروع انتهت بتخفيضات ضخمة في كل الخطة النووية الألمانية .

“السيطرة على السكان” تصبح “أمن قومي للولايات المتحدة” 

في العام ١٧٩٨م ظهر قِس إنجليزي غامض وكان بروفيسور في الاقتصاد السياسي في كلية شرق الهندالتابعة لشركة شرق الهند البريطانية في هيليبوري. ظهرت له شهرة سريعة أُغدِقت عليه من رُعاته الإنجليز بسبب مقالة له عن “مبدأ السكان”. المقالة ذاتها كانت تزيف علمي منتحلة بشكل كبير من هجوم فينيسي على نظرية للأمريكي بنجامين فرانكلين (النظرية الإيجابية للسكان).

في العام ١٧٧٤م كتب جياماريا أُورتيز الهجوم الفينيسي على مقالة بنجامين فرانكلين.  قام مالثوس بتعديل هجوم  أُورتيز وإضافة واجهة من شرعية رياضية  ثم اسماها مالثوس ” القانون الهندسي للتقدم” و نصت على ان “عدد السكان يزداد بثبات هندسي” بينما موارد العيش محدودة حسابياً او خطياً. كان الخلل في جدلية مالثوس انه أهمل الإنجازات التي أثرت في نمو الحضاراة وازدياد الانتاج الزراعي منذ ١٧٩٨م. لكن مالثوس أهمل متعمداً  إسهام التقدمات العلمية والتكنولوجية في تحسين عوامل كناتج المحصول  والناتج العمالي على سبيل المثال.

في أواسط السبعينات وكمؤشر فعال على هجوم البروباغاندا من قبل المؤسسة الانجلو-أمريكية، تبجح مسؤولي الحكومة الامريكية علناً في المؤتمرات الصحفية الشعبية انهم ملتزمون كـَ “مالثوسيون جُدد” الامر الذي قد كان مثيراً للسخرية لو حدث قبل عقد من الزمن. الا ان هذه التبني الجديد للاقتصاد المالثوسي البريطاني لم يظهر بوضوح عنيف كما ظهر في تبني لجنة كيسينجر للامن القومي له.

في منتصف أزمة النفط وبتاريخ ٢٤ ابريل ١٩٧٤ اصدر مستشار البيت الأبيض للامن القومي هنري ألفريد كيسينجر مُذكرة دراسة لمجلس الأمن القومي رقم ٢٠٠ (٢٠٠ ن س س م) بخصوص موضوع  “تأثير النمو السكاني العالمي على أمن الولايات المتحدة ومصالحها الخارجية”.  كانت المذكرة موجهة الى كل وزراء الحكومة الامريكية، هيئة الأركان المشتركة العسكرية، والى وكالة الاستخبارات المركزية  (سي آي إيه) ووكالات اخرى مهمة.  بتاريخ ١٦ أكتوبر ١٩٧٥ وبناءً على حَث كيسينجر له، اصدر الرئيس جيرالد فورد مُذكرة على تأكيد الحاجة “لقيادة الولايات المتحدة لأمور العالم المتعلقة بالسكان” بناءً على مضمون مُذكرة ٢٠٠ السرية. هذا الوثيقة جعلت المالتوسية ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة عامل صريح في سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. الذي زاد في مرارة السخرية انها كانت مبادرة من يهودي ألماني المولد. فحتى اثناء الأعوام النازية كان مسؤولي الحكومة في ألمانية اكثر تحفظاً في  تبني هكذا أهداف.

ناقشت مُذكرة   (٢٠٠ ن س س م) ان التوسع السكاني في بعض الدول النامية والتي أيضاً تحتوي على موارد استراتيجية ضرورية لاقتصاد الولايات المتحدة يشكل تهديد للامن القومي الامريكي. حذرت الدراسة من انه تحت ضغط التوسع السكاني المحلي فان الدول التي ستحتاج للموارد الخام ستتجه نحو طلب اسعار أفضل وشروط تجارية اعلى لصادراتهم للولايات المتحدة. في هذا المضمون، حددت مُذكرة  (٢٠٠ ن س س م) قائمة ب ١٣ دولة كأهداف استراتيجية مختارة للسيطرة على سكانها. ومن الاهمية ان  القائمة المحددة حتى عام ١٩٧٤م وكبقية قرارات كيسينجر كانت مرسومة وفق استشارات مغلقة مع مكتب الخارجية البريطاني.

كيسينجر وبكل وضوح صرح في المذكرة “كم من النفقات الفعالة الممكنة بحاجة للزيادة  للسيطرة على السكان  غير رفع الانتاج من خلال الاستثمارات المباشرة الإضافية للري ومشاريع الطاقة والمصانع”. لم يكن بإمكان الإمبريالية البريطانية في القرن التاسع عشر ان تأتي بتعبير أحسن من هذا. بحلول أواسط السبعينات وبهذه السياسة السرية ألزمت الولايات المتحدة الامريكية نفسها باجندة  ستشارك بهلاكها اضافة الى مجاعة لا تعد ولا تحصى وبؤس وموت غير ضروري على مدى الدول النامية. الدول الثلاثة عشر التي اسماها كيسينجر على قائمته كانت: البرازيل، الباكستان، الهند، بنغلاديش، مصر، نيجيريا، المكسيك، اندونيسيا، الفلبين، تايلاند، تركيا، إثيوبيا كولومبيا.

أحدث العناوين

عدن| اغتيال رجل أعمال أمريكي في ظروف غامضة

تعرض رجل أعمال أمريكي، لعملية اغتيال، اليوم الإثنين، في مدينة عدن، الخاضعة لسيطرة فصائل التحالف السعودي الإماراتي. متابعات- الخبر اليمني: وأفادت...

مقالات ذات صلة