التقسيم في العقلية البريطانية..تقسيم المنطقة

اخترنا لك

كتاب (تقسيم اليمن..بصمات بريطانية) للباحث عبدالله بن عامر-الحلقة الأولى:

يقال إن مدينة لندن تأسست على يد الروم خلال القرون الأولى للميلاد وفي القرن السابع الميلادي دخلت المسيحية بعد عدة حروب وصراعات داخلية ثم أعقب ذلك توحدت ما كانت تعرف بالممالك السبع لتشكل جميعها إنجلترا وفي 1707م سميت بريطانيا العظمى نتيجة اتحاد مملكتي إنجلترا واسكتلندا وفي 1800م انضمت ايرلندا وبالتالي فإن بريطانيا هي نفسها كانت عبارة عن دويلات أو كيانات منقسمة ولعل هذا ما أثر على العقلية البريطانية التي يمكن وصفها بالأكثر خبرة في مجال التقسيم ورسم خرائط الدول والمناطق والأقاليم على مستوى العالم , ومع مطلع القرن العشرين كانت بريطانيا القوة الاستعمارية الأكثر حضوراً والأعظم تأثيراً في كل القارات وقبل أن تغرب شمسها في بداية النصف الثاني من نفس القرن تركت لنفسها بصمات عميقة في تاريخ الدول من خلال رسم الحدود ووضع الحواجز وتحديد الكيانات وفق أسس مختلفة.

ورغم انتقال مركز الهيمنة العالمي من لندن الى واشنطن إلا أن الأخيرة تحرص على الاستفادة من التجربة البريطانية أو بالأصح الخبرة المتراكمة لبريطانيا في رسم السياسات المتوجب إتباعها والتعامل مع مختلف الدول والأقاليم لا سيما تلك التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني ومنها المنطقة العربية .. وبما أننا نتحدث عن تقسيم المنطقة فلابد من التركيز على تقسيم المنطقة العربية تحديداً وسنعتمد على عدة مصادر أبرزها ما وثقه ديفيد فرومكين في كتاب نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط (كتاب نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط لـ ديفيد فرومكين تقديم د. منذر الحايك ترجمة وسيم حسن 2015م ط 1 دار عدنان بغداد)

كيف تشكلت خارطة المنطقتين العربية والإسلامية لتصبح كما هي عليه الآن ومن يقف خلف رسم الخارطة الحالية للمنطقة برمتها وما هي أهم تفاصيل الأحداث والمواقف التي رافقت عملية إعادة تشكيل المنطقة ووفق أية أهداف ؟ هذه الأسئلة تتكرر كثيراً وقد لا تجد الإجابات المناسبة سوى القول إن بريطانيا كانت خلف هذا التقسيم الذي طال المنطقة العربية والإسلامية والتي ستعرف فيما بعد الحرب العالمية الأولى بمنطقة الشرق الأوسط وفق القاموس الغربي , وقبل أن نتحدث بشيء من التفاصيل عن الدور البريطاني في تقسيم اليمن والرؤية البريطانية لليمن اثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها لابد من التطرق إلى التقسيم كفكرة في العقلية السياسية البريطانية وكيف جرت عملية تقسيم المنطقة برمتها.

 

تحالفات عشية الحرب العالمية:

لم يطل القرن العشرون على العالم إلا وكانت الإمبراطورية العثمانية تعاني من الضعف والتدهور فقد وصفت بتلك الفترة بالرجل المريض وكانت القوى الأوروبية الإستعمارية المتنافسة وعلى رأسها بريطانيا قد توصلت الى تفاهمات تقضي بترك الرجل المريض على ما هو عليه خشية أن يدفع سقوطه القوى الأوروبية المنافسة لبريطانيا الى التسابق على تركته.

في أوروبا كانت الانطلاقة الألمانية ملفتة في الصناعة والتجارة , والى جانب تنامي صعود روسيا القيصرية إضافة إلى الحضور الفرنسي فيما ظلت بريطانيا تتربع على عرش الدول الإستعمارية لتصبح الحرب العالمية الأولى نقطة تحول في تاريخ العالم بنتائجها التي دفعت ببريطانيا الى الحفاظ على مكانتها , بل تعزيز هذه المكانة لا سيما بعد هزيمة دول المحور المتمثلة في النمسا وألمانيا والإمبراطورية العثمانية فيما كانت دول الحلفاء تضم كلاً من بريطانيا وفرنسا وروسيا.

في المنطقة العربية كان العثمانيون والبريطانيون يتقاسمون البلدان العربية فسورية والعراق وفلسطين أو ما كان يعرف بالشام أو سوريه الكبرى إضافة إلى الحجاز والشمال اليمني تحت الإدارة العثمانية , فيما كانت عدن ومحميات الجنوب اليمني إضافة إلى إمارات الخليج من مسقط إلى الكويت تحت الحماية البريطانية .

 

 

خارطة الحرب:

تسابقت كلٌ من الدولة العثمانية وبريطانيا على إستمالة القوى العربية المختلفة إلى جانبها غير أن هذا التسابق كانت نتائجه انحياز الكثير من الزعامات العربية للبريطانيين ضد العثمانيين لتصبح خارطة المنطقة بعد نشوب الحرب العالمية الأولى 1914م على النحو التالي :

في الجزيرة العربية كان ابن سعود يشق طريقه نحو توسيع إمارته الصغيرة لتشمل كل نجد مستعيناً بذلك بالبريطانيين ولهذا اختار طريقه لمساندتهم فكانت إتفاقية العقير 1914م التي وضعت إمارته تحت الحماية البريطانية. , وفي شمال الجزيرة كانت إمارة شمر لا تزال محافظة على علاقاتها وولائها للدولة العثمانية حيث ستصبح هذه الإماره هدفاً لابن سعود بدعم بريطاني , بل بمشاركة عسكرية بريطانية , وفي الحجاز كان الملك حسين قد بدأ في التواصل سراً مع البريطانيين عن طريق مكتب القاهرة حيث سيصل الطرفان إلى صفقة تقوم على إعلان الثورة العربية ضد الأتراك مقابل تعهد بريطانيا بمنح العرب الإستقلال تحت قيادة الملك حسين , وفي عسير كان هناك قوتان محليتان الأولى حسن بن عائض في عسير السراة وقد اختار التحالف مع العثمانيين , فيما الإدريسي في عسير تهامة تحالف مع البريطانيين.

وكانت القوة الأبرز في اليمن في تلك الفترة للإمام يحيى بن حميد الدين الذي اختار بدوره الحفاظ على علاقاته مع العثمانيين ولم يوافق على كافة العروض البريطانية , أما السلاطين في محميات الجنوب اليمني من لحج حتى حضرموت فلم يترددوا في اثبات إخلاصهم لبريطانيا كما طلب منهم المقيم السياسي في عدن وذلك لمحاربة العثمانيين فيما تكفلت بريطانيا بالمال والسلاح والأمر ذاته ينطبق على بقية إمارات الخليج من مسقط حتى قطر والكويت والبحرين.

وفي العراق كان البريطانيون قد أقاموا علاقات مع زعامات محلية أبدت استعدادها لمحاربة العثمانيين , أما في الشام فقد كان للجمعيات السرية العربية دور في التهيئة للتحرك العربي ضد العثمانيين وكانت مصر والسودان تحت الحماية البريطانية.

وقضت الخطة البريطانية في استخدام العرب للقضاء على القوات العثمانية في الجزيرة العربية والشام وفي كل المناطق العربية حيث تعرضت تلك القوات للهجمات المدعومة من بريطانيا وتحديداً في الحجاز والعراق والشام , وكان الفيلق الثامن العثماني يرابط في اليمن بقوات تتجاوز الـ 40 ألف جندي وضابط وقد حاولت بريطانيا استهداف هذه القوات من خلال أتباعها كالإدريسي في عسير تهامة.

 

التحركات البريطانية:

رأت بريطانيا أن تحريك العرب ضد العثمانيين يقتضي إرسال ضباط من المخابرات لدراسة المنطقة العربية وتوطيد العلاقات مع الحكام والزعماء واستخدام المال والسلاح لضمان ولاء القيادات المحلية وتحريكها فعلياً في الحرب ضد العثمانيين وقد تولى الضباط البريطانيون دوراً تآمرياً مكثفاً  في تحريك القوى العربية نحو تحقيق الأهداف البريطانية بأساليب ذكية وكان لكل حاكم عربي مستشار بريطاني مقرب منه , بل ويحدد أولوياته ومواقفه. , فلورانس (توماس ادوارد لورانس الشهر بلورانس العرب ضابط مخابرات بريطاني عمل في الحجاز والشام مع الملك حسين ثم مع نجله فيصل وله عدة مؤلفات ترجمت للعربية منها أعمدة الحكم السبعة ترجمة محمد نجار الاهلية للنشر والتوزيع 1998م الأردن ) أرسل للحجاز وتحديداً للملك حسين وأبنائه قبل أن يصبح مقرباً جداً من الملك فيصل أحد أبناء الملك حسين الذي سيتولى حكم سوريه بعد دحر العثمانيين منها ثم يُنقل بأوامر بريطانية لحكم العراق.

وشكسبير (ضابط مخابرات بريطاني ارسل لسلطان نجد كمستشار لكنه قتل في أول معركة 1916م) سيكون مستشاراً لبن سعود (نجدة الصفوة تاريخ الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية ص 26) غير أنه سيسقط قتيلاً عند أول معركة يشارك فيها الى جانب بن سعود ضد إمارة شمر (المصدر السابق ص 407 )  وسيرسل فيلبي بديلاً عنه.

وكان جاكوب مساعد المقيم في عدن متولياً لمهمة التواصل مع الإمام يحيى إلا أن كافة محاولاته كان مصيرها الفشل بسبب موقف الإمام.

ولم يقتصر النشاط البريطاني على الرجال فقط , بل كان للنساء دور مهم في تحقيق الأهداف البريطانية فقد تولت ملف العراق “غيرترود” (عن غيرترود (كارل أي ماير – شارلين بلير بريزاك اختراع الشرق الأوسط الحديث صناع الملوك  ترجمة د. فاطمة نصر ص 228- 260) الى جانب ويلسون , وتعد غيرترود من أبرز الأسماء البريطانية في تلك الفترة , وقد ارتكزت السياسة البريطانية في تلك الفترة في المنطقة العربية على تحريض العرب ضد العثمانيين من خلال إحياء فكرة القومية العربية ضد القومية التركية والتعامل بحذر مع كل ما يمس المعتقدات الإسلامية حتى لا تصبح وسيلة لإعادة توحيد العرب والأتراك تحت المظلة الإسلامية ولهذا كانت بريطانيا تخشى من الخلافة الإسلامية وإمكانية إعلان الخليفة العثماني الجهاد ضد البريطانيين ولهذا دعمت فكرة نقل مركز الخلافة من الأتراك الى العرب وراح أتباعها يعملون على الترويج لفكرة تعيين الملك حسين خليفة كونه من العرب ومن سلالة النبي كذلك.

 

 

جزيرة عربية مفككة:

قررت بريطانيا في العقد الثالث من القرن الثامن عشر السيطرة المباشرة على إمارات ومشيخات الخليج من خلال تعيين وكلاء ويعود السبب في ذلك التهديد المصري العثماني ومحاولة محمد علي باشا الوصول إلى شرق الجزيرة العربية (يقال إن خورشيد نجل محمد علي ارسل قوات الى واحة البريمي وسارعت بريطانيا الى ارسال ضابط قام بتوزيع السلاح على الأهالي هناك للمزيد أطلع على جمال زكريا تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر مجلد 1 ص 414 دار الفكر العربي 1996م) وكان أول وكيل بريطاني في الخليج في 1823م في الشارقة (ج ج لويمر دليل الخليج القسم التاريخي ترجمة قسم الترجمة بديوان حاكم قطر ج 1 ص 322 قطر مطابع العروبة) ويقال إن من أسباب تكريس سياسة التقسيم في العقلية البريطانية يعود في جزء من أسبابه الى طريقة إدارة المستعمرات ومناطق النفوذ فلا توجد آلية محددة لكافة المستعمرات ولهذا نجد أن منطقة الخليج أصبحت تابعة لوزارة الهند ومرتبطة بنائب الملك في بومباي الذي بدوره أناب عنه مقيماً في “بوشهر” إضافة الى وكلاء في المشيخات وارتبطت سياسة الهند بما عرف بدبلوماسية البوارج ( كانت وزارات المستعمرات والخارجية تستعين بدبلوماسية البوارج لتنفيذ سياساتها في الهيمنة على كل مناطق الإمبراطورية للمزيد د.يونان لبيب موقف بريطانيا من الوحدة العربية ص 18- 22)

لقد توصلت العقلية السياسية البريطانية الى ضرورة أن تظل الجزيرة العربية تحكمها كيانات مفككة وكان القرار البريطاني يخضع للتداول في مركزين رئيسيين الأول حكومة الهند البريطانية , والثاني مكتب القاهرة (انشأت بريطانيا المكتب العربي في القاهرة في 1915م وضمت اليه عدداً من المستشرقين منهم لورانس العرب وجرت اتصالات بين الشريف حسين وهنري مكماهون المندوب البريطاني في مصر ليتم الاتفاق على إعلان الثورة ضد الاتراك مقابل الدعم المادي والعسكري البريطاني .. للمزيد نجدة الصفوة تاريخ الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية ص 29) واثناء الحرب العالمية الأولى رفعت المقترحات حول مستقبل المنطقة ويمكن إيجازها في :

  • مقترح بضمان إستقلال الجزيرة العربية وهذا الوعد لاقى إعتراض الهند البريطانية
  • كانت وزارة الهند في لندن قد تلقت مذكرة من بريطانيا الهندية أن ما نحتاجه هو ليس شبه جزيرة عربية موحده , بل ضعيفة ومفككة ومقسمة إلى إمارات صغيرة قدر الإمكان وتخضع لهيمنتنا ولا تقدر على القيام بأي تحرك منسق ضدنا كما تشكل حاجزاً لنا ضد قوى الغرب وقد رد الضابط كلايتون من عدن على ذلك بالقول : تبدو الهند غارقة في مخاوفها من قيام دولة عربية موحدة قوية وهي دولة لن تستطيع الوجود قط ما لم نكن نحن حمقى جداً لنقوم بخلقها.
  • كان رأي بريطانيا الهندية أنه إذا كان للعرب أن ينقلبوا ضد الحكومة التركية فينبغي أن يكون من يقود الانقلاب هو ابن سعود فيما المكتب البريطاني بالقاهرة يدعم الشريف حسين لذلك وقد تشكلت النظرة البريطانية للعرب استناداً إلى دراسات متخصصة منها : إن العرب يشكلون فيزيولوجياً واحداً من أنبل وأقوى الأعراق في العالم ومع أنهم خضعوا لعدة أعراق من البشر إلا أنهم تفوقوا عليهم عقلياً ولكن تمت تنحيتهم عن ركب التقدم بسبب النقص الملحوظ في السلطة المنظمة وعدم القدرة على القيام بعمل موحد وتقول غيرترود بيل إن العرب غير قادرين على حكم أنفسهم وفي تلك الفترة استخدمت بريطانيا عبارة (استقلال المناطق العربية) التي لم تكن تعني سوى استقلالها من العثمانيين .. أي أنها ستستقل من العثمانيين وتصبح تحت حماية البريطانيين (كان من ضمن مهام المكتب العربي بالقاهرة جمع الاستخبارات ورسم الخرائط وتوليد البروباجندا وتحفيز العرب على الثورة ضد الاتراك للمزيد كارل أي ماير – شارلين بلير بريزاك اختراع الشرق الأوسط الحديث صناع الملوك ترجمة د. فاطمة نصر ص 235)

 

 

 

الدخول الروسي والعقدة الجغرافية:

شنت العثمانيون هجوماً على روسيا لكنهم فشلوا بسبب الموانع الجبلية الطبيعية (كرر ذلك هتلر في الحرب العالمية الثانية وفشل لأسباب عدة منها الجغرافيا والمناخ) وكانت بريطانيا ترى إلى التحالف مع روسيا بأنه تحالف ضرورة رغم أنها كانت ترى إليها كخطر كبير يتهدد نفوذها في المنطقة وفي بداية الحرب كانت بريطانيا تخشى من سقوط تركيا بيد روسيا وتخشى روسيا من سقوط تركيا بيد بريطانيا.

من جهتها سارعت روسيا إلى عرض صفقة بأن تركيا من نصيبها لا سيما القسطنطينية والممرات المائية مقابل ان تتنازل روسيا عن كل بقية مناطق الدولة العثمانية لبريطانيا وفرنسا (يعود ذلك إلى أن تركيا تتحكم بروسيا بحرياً من خلال الممرات المائية ولهذا قيل في الماضي أن باب روسيا القرم ومفتاحه سوريا) وكانت روسيا تريد التخلص من عقدتها التاريخية المتمثلة في المنفذ الى البحر المتوسط ولهذا قدمت عرضاً آخر مفاده : إذا لم يتم منحها تركيا والممرات المائية فيجب أن يتم منحها سوريه , وقد دفع الطلب الروسي كلاً من بريطانيا وفرنسا الى البدء بتقسيم المنطقة ورفض البريطانيون منح سوريه للروس لأن ذلك يشكل تهديداً لتواجدهم في الجزيرة والخليج وإيران ومصر .. الخ فيما ضغطت فرنسا بإتجاه تسليم سورية لها مستندة في ذلك الى إرث الحروب الصليبية ومكانة سوريه الدينية لدى الفرنسيين (يقصدون هنا سوريه الكبرى التي تضم لبنان وفلسطين)

رأى البريطانيون مناقشة الطلب الفرنسي فكان الرد من قبل القسم المدني (وزارة الخارجية) يتضمن الموافقة على منح سورية مقابل ضمان أن تكون شبه الجزيرة العربية كلها بريطانية أما القسم العسكري فيقول بضرورة إبقاء الامبراطورية العثمانية لتظل قادرة على الوقوف ضد روسيا فضعف تركيا يعني أنها ستصبح تحت الهيمنة الروسية (هذا ما يفسر اليوم التسابق الروسي الأمريكي بشأن تركيا فإن كانت تركيا قوية منعت روسيا من التوسع ولو كانت ضعيفة ستكون أداة بيد روسيا – حقائق جغرافية وتاريخية)

 

 

بداية تقسيم المنطقة

في 1915م قرر مجلس الوزراء البريطاني تشكيل لجنة مهمتها تحديد أغراض بريطانيا في الشرق الأوسط وشكل الشرق الأوسط لما بعد الحرب وكان من ضمن خيارات اللجنة إنهاء مركزية الدولة العثمانية وتحويلها إلى وحدات تتمتع بالحكم الذاتي ولم يعودوا في ذلك الى تقسيم الإدارة العثمانية للولايات وتركوا الأمر لضرورة إعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة

لكن ما هو الأساس الذي عادت اليه اللجنة؟ لقد عادت الى التراث الإغريقي القديم ومصطلحاته ومسمياته عن المنطقة مثل بلاد الرافدين  (ميسوبوتاميا) شرقاً  وغرباً سوريا (إسم سورية) وإلى الجنوب فلسطين تحوير لكلمة (فيليستيا)  كان هناك رأي بتشكيل خمس مناطق حكم ذاتي كبيرة هي (سوريه – فلسطين – أرمينيا – الأناضول – الجزيرة العربية والرافدين) ولحسم الجدل رأت الحكومة البريطانية مناقشة ذلك مع ضباطها في قلب الحدث للرفع بآرائهم وكان هناك توجه لدى بعض الضباط في مكتب القاهرة لتشكيل الإمبراطورية المصرية التي تضم مصر وسوريه وفلسطين ويصبح الزعيم الروحي لهذه الإمبراطورية الشريف حسين بالحجاز فيما القائد الرمزي لها الملك فؤاد والحاكم الفعلي لها ضباط بريطانيون في القاهرة.

 

تفاوض بريطاني فرنسي:

ضغطت فرنسا باتجاه الحصول على سوريه الكبرى التي تضم لبنان وفلسطين وكان هناك رأي بريطاني يقول لماذا لا نفعل ذلك .. ستكون فرنسا في مواجهة روسيا أي أنها ستحمي تواجدنا في الشرق الأوسط البريطاني.

وقتها برزت فكرة شرق أوسط بريطاني (الجزيرة والخليج وجنوب العراق ومصر) وشرق أوسط فرنسي (فلسطين وسوريه وشمال العراق) وكان لابد لهذا الاتفاق من موافقة روسية ولهذا عملت فرنسا على كسب الموقف الروسي بشأن فلسطين لكي تظل جزءاً من نصيبها.

 

 

مصير فلسطين :

تمتع اليهود بنفوذ كبير في الدولة العثمانية وهذا يعود الى الجماعات الماسونية التي انتشرت في الدولة أواخر القرن التاسع عشر وفي نفس الوقت كان هناك نفوذ يهودي في الدولة الألمانية , بل وحتى في ورسيا وبريطانيا قبل أن تتجه الأخيرة الى التقارب اكثر مع الحركة الصهيونية وجرت لقاءات بين سايكس البريطاني وعدد من اليهود , وبترتيب من وزير الداخلية البريطاني اليهودي صموئيل تم التوصل الى ضرورة ضمهم لصفقة التقسيم مقابل الحصول على تأييدهم , وبدأت الخطوات الفعلية لتقرير مصير فلسطين بمنحها للحركة الصهيونية , وهذا التوجه لم يكن وليد لحظة الحرب العالمية الأولى بل يعود الى مطلع القرن التاسع عشر (المساعدة البريطانية لليهود تعود الى مطلع القرن التاسع عشر من خلال مشروع موسى مونتفيور القائم على توطين اليهود في فلسطين وذلك في العام 1821م وفي العام 1839م قام مونتفيور بزيارة القدس وصدرت توجيهات من وزارة الخارجية لنائب القنصل البريطاني بأن يعتبر حماية اليهود في فلسطين احد واجباته ثم بدأت بريطانيا تعرض مشروع توطين اليهود في فلسطين على الدولة العثمانية بالتزامن مع بداية الهجرات السرية لاسيما بعد افتتاح قناة السويس وفي مطلع القرن العشرين تزايدت الهجرات خاصة بعد 1908م للمزيد د.يونان لبيب موقف بريطانيا من الوحدة العربية ص 39) حيث بدأت الهجرات اليهودية سراً الى فلسطين ثم العرض عليهم بمنحهم دولة اوغندا إلا أنهم أصروا على فلسطين (سأل بلفور وايزمان عن سبب تجاهل مقترح منح اليهود اوغندا وهي تسمى لؤلؤة افريقيا فرد وايزمان يا مستر بلفور هل ترضى بباريس بدلاً من لندن؟ قال لكن لندن ملكنا فقال وايزمان كانت القدس ملكاً لنا حينما كانت لندن مستنقعاً ثم لاحقاً أنتج وايزامان الاسيتون مفتاح تصنيع البارود البارود الذي لا ينبعث منه دخان واستخدمته المدفعية البريطانية لقتل الآلاف ونتيجة ذلك تم منح اليهود وعد بلفور إضافة الى ما ذكر من أسباب تتعلق بكسب موقفهم ونفوذهم في عدة دول للمزيد كارل أي ماير – شارلين بلير بريزاك اختراع الشرق الأوسط الحديث صناع الملوك  ترجمة د. فاطمة نصر ص 156)  وكان العائق الكبير امام تنفيذ وعد بلفور هي فرنسا المعتمدة على أسباب تاريخية ودينية تدفعها إلى التمسك بسورية وفلسطين معاً (الاهتمام الفرنسي ببلاد الشام يعود الى غزو نابليون لسوريه في 1799م لكنه توقف حينها في منطقة عكا ثم دعمت فرنسا محمد علي لغزو الشام في 1831م وبعد مذبحة ارتكبها الدروز ضد الماورنه في 1860م قررت فرنسا تثبيت نفوذها في لبنان بذريعة حماية المسيحيين والكاثوليك في فلسطين للمزيد كريستيان كوتس الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط ص 33) ولتجاوز ذلك تواصل وزير الخارجية البريطاني بوزير الخارجية الفرنسي وقال إن بريطانيا ليس لها مصلحة في فلسطين ويجب كسب اليهود الصهاينة بمنحها لهم والعرض عليهم إقامة مؤسسة توطين وهي تتولى شراء الأراضي , ومع الرفض الفرنسي ضغطت بريطانيا أكثر من خلال التلويح بأن اليهود سيرجحون كفة الألمان في الحرب إذا لم يتم الإستجابة لرغبتهم , (قال وزير الخارجية البريطانية لوزير الخارجية الفرنسي أخبر حكومتك ان إنقاذ باريس وفيردان لهي أمور تستحق عناء تقديم تنازلات في الشرق الأوسط وقتها كانت باريس مهددة بإجتياح الجيش الألماني للمزيد .. ديفيد فرومكين نهاية الدولة العثمانية تعريف د. منذر الحايك ص 171) وبالفعل اتجهت بريطانيا الى تنفيذ وعدها لليهود وكانت الخطوات الميدانية تبدأ باحتلال فلسطين حيث تقدم جيش اللنبي من مصر بمساندة فيصل بن الحسين (حتى يزحف اللنبي على فلسطين أكد على ضرورة قصف الموانئ اليمنية لتأمين الخطة الهجومية ولهذا تعرضت المخا والحديدة والصليف للقصف حتى لا تكون منطلقاً لأية إمدادات عثمانية أو تهديدات للمزيد فاروق اباظه عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر ص 661) وتقدمت القوات البريطانية لاحتلال العراق بمساندة ابن سعود  (نجدة الصفوة تاريخ الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية ص 326 )

أحدث العناوين

جباري: الرياض لا تتعامل باحترام إلا مع من يتعامل معهم بالقوة

قال نائب رئيس مجلس النواب في سلطة الشرعية عبدالعزيز جباري إن الشخصيات الموجودة في مجلس القيادة الرئاسي شخصيات معينة،...

مقالات ذات صلة