ضغوط الحصار البحري اليمني تختبر موقف السعودية: استكشاف خيارات التصعيد!

اخترنا لك

بعد شهر ونصف من الحظر البحري اليمني المفروض على السعودية، تشير البيانات إلى أن ضغوط صنعاء على الصادرات النفطية للمملكة قد وصلت إلى مستويات حرجة، وهو ما يضيق مساحة “التحمل” السعودية بشكل كبير، لكن المعضلة أنه لا توجد خارج هذه المساحة الضيقة أي خيارات تحقق توازنا مقبولا بين مخاوف الرياض ورغباتها، فخيار التصعيد البري الذي لجأت إليه الرياض بشكل جزئي مؤخرا، لم يكشف سوى عن صعوبة الالتفاف على هذه المعضلة، ومع ذلك فإن المؤشرات الحالية والتجارب السابقة لا ترجح أن السعودية قد اقتربت أخيرا من التفكير في المخرج الحقيقي المتاح.

 ضرار الطيب- الخبر اليمني:

الصادرات النفطية السعودية تهوي إلى أدنى مستوى:

تظهر أحدث بيانات تتبع التدفقات النفطية أن صادرات “ينبع”، التي تعتبر المستهدف الرئيسي بالحصار البحري اليمني المفروض على السعودية حتى الآن، تتعرض لضغط متزايد يعكس نجاحا واضحا للحظر.

ووفقا للبيانات التي نشرتها وكالة “بلومبرغ” مطلع هذا الشهر، فإن تدفقات ينبع اليومية التي كانت قد وصلت إلى 4.3 مليون برميل في يونيو الماضي، تراجعت بعد إعلان الحظر البحري اليمني إلى 3.7 مليون برميل في يوليو، قبل أن تهوي إلى 2.25 مليون برميل في أغسطس.

تشير هذه الأرقام إلى أن الأحجام تنخفض بشكل مستمر، وهو ما يعني أن تأثير الحظر اليمني يتزايد بوضوح، علما بأن تقديرات سابقة لشركة (فورتيكسا) كانت قد أفادت بأن صادرات ينبع وصلت إلى 5 ملايين برميل يوميا قبل الحظر.

هذا التراجع المتزايد يعكس فشلا سعوديا في احتواء تأثيرات الحظر أو وقفها عند مستوى معين من خلال آليات التصدير البديلة، فبحسب تقديرات سابقة لوكالة بلومبرغ، كانت تدفقات النفط من ميناء “سيدي كرير” المصري الذي يستقبل الشحنات السعودية القادمة من ينبع عبر خط أنابيب (سوميد) قد بلغت 2.1 مليون برميل يوميا خلال أول ثلاثة أسابيع من أغسطس، الأمر الذي يؤكد أن خط الأنابيب أصبح المنفذ الرئيسي الوحيد لصادرات ينبع، وأن المشترون يرفضون تحميل شحناتهم من ميناء ينبع مباشرة ونقلها عبر قناة السويس، خصوصا مع اتساع نطاق الهجمات اليمنية إلى شمال البحر الأحمر.

وفقا لبلومبرغ، أدى تراجع صادرات ينبع إلى انخفاض تأريخي لصادرات النفط السعودية، حيث هبطت إلى نحو 3 ملايين برميل يوميا فقط في أغسطس، وهو أدنى مستوى منذ بدء توثيق بيانات النفط السعودية عام 2017، ما يعني أن الجهود التي بذلتها شركة (أرامكو) خلال الأسابيع الأخيرة لضخ مزيدا من البراميل عبر الخليج الفارسي وبيع شحنات خارج مضيق هرمز، لم تحدث فرقا، فبحسب البيانات، كانت هذه التدفقات قد وصلت في يوليو إلى 800 ألف برميل يوميا، لكنها انخفضت في أغسطس إلى أقل من ذلك.

ومع تجدد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، والذي تضمن استهداف ناقلتين عملاقتين تحملان شحنات نفط سعودية، إحداهما مملوكة لشركة (بحري) بداية الشهر الجاري، وتصاعد تأثيرات حصار البحر الأحمر، من المرجح أن تنخفض تدفقات النفط السعودية بشكل أكبر هذا الشهر.

وقد كشفت تقارير جديدة مؤخرا أن شركات التكرير الآسيوية بدأت بزيادة مشترياتها من النفط الخام من مناطق بعيدة مثل الأرجنتين والبرازيل وكندا، وحتى بريطانيا، ما يشير إلى توجه آسيوي للبحث عن بدائل لتعويض نقص إمدادات الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية، وهو ما يمثل أيضا مؤشرا على تراجع موثوقية (أرامكو) التي كانت قد دخلت في أزمة مع المشترين الآسيويين خلال الأسابيع الأخيرة بشأن توزيع الحصص وأماكن التحميل والتكاليف، كما ذكرنا في تقارير سابقة.

ومؤخرا بدأ أن السعودية تحاول تجربة تكتيك جديد للتعامل مع التهديد المزدوج الذي يواجه ناقلاتها النفطية، في مضيق هرمز والبحر الأحمر معا، حيث قامت شركة (بحري) بتغيير أسماء العديد من ناقلاتها، وكذلك تغيير العلم الذي ترفعه هذه الناقلات إلى علم “ليبيريا”، وهو تكتيك من غير المرجح أن ينجح في ظل دقة المعلومات الاستخباراتية التي تعتمد عليها كل من طهران وصنعاء، لكنه يعكس بوضوح حجم الضغط الذي تشعر به السعودية نتيجة انخفاض صادراتها النفطية، كما يمثل اعترافا متأخرا بالحقيقة التي أدركها قطاع الشحن مبكرا، وهي أن المخاطر العالية مرتبطة بهوية السفينة وليست عشوائية.

وفي هذا السياق يؤكد آخر تحديث لشركة (لويدز ليست إنتلجنس) أن قطاع الشحن يرى أن “تهديدات الحوثيين تقتصر على فئة محددة من سفن الشحن المرتبطة بالسعودية، وليست تهديدًا عامًا لقطاع النفط ككل”.

 

استمرار تكامل تأثيرات المعادلات اليمنية:

في سياق تكامل تأثيرات العمليات العسكرية اليمنية ضد العمق السعودي مع تأثيرات الحصار البحري، كشفت وكالة رويترز في 31 أغسطس أن صادرات الوقود من مصفاة شركة (أرامكو) بجيزان إلى أفريقيا هبطت إلى الصفر خلال الشهر الماضي، ما يؤكد توقف نشاط المصفاة بعد تعرضها لضربات يمنية متكررة منذ 25 يوليو الماضي.

ووفقا للوكالة فإن هذا الانقطاع دفع عملاء أرامكو في أفريقيا للبحث عن بدائل آسيوية.

تجدد هذه المعلومات التأكيد على أن تكامل معادلات الحصار والتصعيد اليمنية يكبد القطاع النفطي السعودي خسائر مضاعفة، ويضرب موثوقية (أرامكو) بشكل مؤثر، وهو ما قد يصبح تأثيرا طويل الأمد إذا استمر الصراع.

وقد كشفت وكالة “بلومبرغ” أن جهات سعودية، على رأسها (أرامكو) تجري مفاوضات للحصول على قروض تصل إلى 8 مليارات دولار، لتخفيف الضغوط المالية الناتجة عن تضرر مبيعات النفط، والتي تزايدت بشكل كبير بعد انهيار خفض التصعيد مع صنعاء.

 

السعودية تستكشف خيارات المواجهة:

أشرنا في آخر تقدير لوضع الصراع بين صنعاء والرياض، إلى أن التأثيرات المتزايدة للحظر البحري اليمني والهجمات على المنشآت النفطية السعودية، تصعّب على المملكة “تحمل” الوضع لفترة أطول، ويبدو أن هذه التأثيرات قد دفعت السعوديين مؤخرا إلى التوجه نحو أحد سيناريوهات التصعيد التي ذكرناها، والمتعلقة بتحريك الجبهات داخل اليمن.

في صباح يوم الرابع من سبتمبر، شهدت مناطق التماس غربي محافظة تعز اشتعالا للمواجهات بين القوات المسلحة اليمنية والمليشيات التابعة للسعودية، وحتى لحظة الكتابة (مساء الخامس من سبتمبر) لم تصدر صنعاء أي تعليق حول الأمر، لكن المليشيات اعترفت بخسارة مواقع ومناطق، وتحدثت عن امتداد المواجهات إلى جبهات جنوبي الحديدة.

غاب الطيران الحربي السعودي عن المشهد، وفي اليوم التالي قال عضو المكتب السياسي لأنصار الله ومحافظ ذمار محمد البخيتي لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إن ما يجري هو مجرد “مناوشات واشتباكات” وإن صنعاء لا زالت ملتزمة بخفض التوتر على الخطوط الأمامية المحلية، وفقا لما نقلت الصحيفة، لكن في وقت لاحق من اليوم نفسه، تعرض منزل في منطقة الجراحي بالحديدة لقصف من قبل المليشيات ما أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين، وتحدثت المليشيات عن مشاركة طيران حربي في المواجهات، فيما قال مصدر عسكري بصنعاء إن القوات المسلحة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام “الاعتداءات والخروقات المستمرة” وإنها “ستواجه أي تحشيدات تابعة للعدو السعودي لإفشال التحضيرات للحرب البرية التي يعلن عنها العدو باستمرار”.

لم يتم تأكيد مزاعم مشاركة الطيران الحربي، ومن المحتمل بشكل كبير أن تكون هذه المزاعم غير صحيحة وتهدف لرفع معنويات المليشيات ومواجهة التساؤلات المتزايدة بشأن غياب السعودية عن المشهد.
بدا واضحا أن السعودية اختارت سيناريو التصعيد البري الجزئي، لمواجهة الضغوط المتزايدة لمعادلات صنعاء (الحظر البحري واستهداف عمق المملكة)، وبرغم أنه من المبكر رسم صورة كاملة لمشهد هذا التطور حتى لحظة الكتابة، إذ لا تزال المعارك دائرة كما يبدو، ولم تقدم صنعاء بعد روايتها -التي ستكون معززة على الأرجح بمشاهد مصورة- إلا أن الأيام الثلاثة الأولى لهذا التصعيد توضح عدة أمور:

-أولا: يبدو أن المعادلات التي ثبتتها صنعاء بشأن “التصعيد الشامل” وكذلك الرد على أي انتهاكات سعودية مباشرة، لم تترك للسعوديين مجالا لأي تحرك فعال يراعي مخاوفهم ورغباتهم في نفس الوقت، فإطلاق تحرك بري جزئي بدون غطاء جوي، لا يشكل أي ضغط حقيقي على صنعاء، بقدر ما يعطي السعودية فرصة لمواصلة استثمار العنوان الذي سعت لترسيخه طيلة الفترة الماضية وهو أنه “يتم التحضير للتحرك”.

وبعبارة أخرى: إن هذا التصعيد لم يكن مرتبطا بما يمكن أن يحققه من مكاسب ميدانية، بقدر ما كان مرتبطة بحقيقة كونه الخيار الوحيد الذي يمنح السعودية “صورة تحرك” بدون تداعيات كبيرة على العمق السعودي، وهذا يعني أن الرهان السعودي الأساسي لا يزال يتمحور حول بكسب المزيد من الوقت، حتى ولو على حساب التضحية بالمليشيات ومناطق سيطرتها، فقد كانت هذه المليشيات تتعرض أصلا لضربات متكررة قبل أن تتحرك.

-ثانيا: جاء التحرك البري الجزئي بعد تقرير إسرائيلي كشف عن مساع سعودية لإقناع الأمريكيين بقيادة تصعيد جديد ضد اليمن، وهو ما عززته محاولة لاحقة لإقناع إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي بالأمر نفسه، الأمر الذي يشير إلى أن اختيار الساحل الغربي كمسرح للتصعيد ربما كان يهدف لتعزيز هذه المساعي باعتبار أن ارتفاع احتمالات سيطرة صنعاء على المخا وباب المندب سيدفع الولايات المتحدة للمسارعة إلى التدخل لمنع ذلك، وهو ما يعكس جوهرية الرهان على الأمريكيين في الموقف السعودي بشأن اليمن.

-ثالثا: يؤكد التصعيد البري إلى أن السعودية بعيدة عن خيار الاستجابة لمطالب صنعاء، وأنها تفضل أولا الاعتماد على رهاناتها العسكرية والسياسية، وهو ما يبقي احتمال الذهاب نحو تصعيد شامل قائما إذا توفرت “المحفزات” المطلوبة سعوديا، مثل الدعم الأمريكي، وقد أعلنت الخارجية الأمريكية في 4 سبتمبر عن موافقتها على بيع أسلحة هجومية للسعودية بقيمة 5 مليارات دولار.

-رابعا: تشير قواعد الاشتباك التي طبقتها صنعاء في مواجهة التصعيد البري الجزئي إلى مرونة كبيرة، فبرغم أن المواجهة لم تتضمن ردا فوريا على عمق المملكة باعتبار عدم مشاركة الطيران السعودي، إلا أنه لا يمكن الحكم بأن هذه قاعدة ثابتة، حيث يبدو أن قرار استهداف المملكة في إطار المواجهة البرية مرهون بتقديرات صنعاء الخاصة لحجم التصعيد البري وطبيعته وأفقه وتأثيراته، وليس فقط بمشاركة الطيران السعودي، رغم أن تثبيت قاعدة اشتباك من شأنها تحييد هذا الطيران يعتبر مكسبا مهما على المستوى العملياتي، وكذلك على مستوى ضرب علاقة السعودية بوكلائها.

 

-خامسا: تشير اعترافات المليشيات الموالية للسعودية بخسارة مواقع ومناطق مهمة إلى أن مخاطر اعتماد الرياض على استثمار هذه المليشيات مرتفعة جدا بالنسبة لموقفها الاستراتيجي وحتى بالنسبة لمخاوفها الاقتصادية، فتغيير خارطة السيطرة الميدانية لصالح صنعاء لا يعزز فقط موقفها التفاوضي بشكل كبير، بل يمكنها أيضا من تحسين خياراتها لفرض معادلات أقوى ضد السعودية، وكذلك تعزيز المعادلات القائمة كالحظر البحري.

 

خاتمة:

من الواضح أن المعادلات التي فرضتها صنعاء بعد انهيار التهدئة، وخصوصا الحظر البحري، تحقق ضغطا كبيرا ومتزايدا يقيد خيارات السعودية سواء لاحتواء الوضع أو حتى للتصعيد، حيث بات جليا أن كل الخيارات لها كلفة عالية وأن المفاضلة بين هذه التكاليف لا تقود بالضرورة إلى مخرج.

ويظهر أول اختبار لخيارات التصعيد البري أن تخفيف ضغوط معادلات صنعاء من خلال الإجراءات العسكرية مقاربة خاطئة تماما وتقود نحو نتائج عكسية، حتى وإن تم إدارة هذه الخيارات التصعيدية بحذر، وهو ما يعمق المعضلة التي تواجهها الرياض والمتمثلة في محاولة الموازنة بين المخاوف والرغبات بشأن اليمن.

ومع ذلك من المبكر القول إن الرياض قد سلمت بهذا الواقع، حيث ترجح المؤشرات الحالية وكذلك التجارب السابقة وأنماط السلوك المتكررة بوضوح أن التغيير الحقيقي في موقف المملكة لا زال بحاجة إلى صدمة كبيرة، بالإضافة إلى مخرج واضح يحتوي تلك الصدمة، وهذا يقع على عاتق صنعاء أكثر من أي طرف آخر.

أحدث العناوين

Gaza’s hospitals and homes struggle to run generators as oil shortage worsens

Power outages are becoming increasingly frequent at one of Gaza's largest functioning hospitals, leaving patients sweating in sweltering wards...

مقالات ذات صلة