“فقدان تدريجي للنفوذ”.. كيف خسرت “إسرائيل” تأييد الجماهير الأمريكية؟

اخترنا لك

يسلط اعتراف نتنياهو مؤخرا بخسارة “الحرب الإعلامية” أمام إيران ومحور المقاومة، الضوء على مشكلة متفاقمة بشدة تواجهها إسرائيل، وخصوصا فيما يتعلق بالرأي العام داخل الولايات المتحدة التي تعتبر الداعم الأكبر، وهي مشكلة يشير التشخيص الذي توفره أرقام الاستطلاعات وطبيعة التحول في المواقف الجماهيرية، إلى أنها مرتبطة بسلوك إسرائيل وانكشاف تأثيرها السلبي على القرار الأمريكي، وليست بوجود “تلاعب” إعلامي من قبل أعداء أمريكا وإسرائيل، أو “قصور” في أدائهما الدعائي.

يتتبع هذا العرض أبرز البيانات والتحليلات المعتبرة بشأن تراجع معدلات تأييد إسرائيل داخل الولايات المتحدة، ويسلط الضوء على ما يعنيه هذا التراجع.

| ضرار الطيب-   الخبر اليمني:

خسارة الحرب الإعلامية:

في مقابلة أجرتها معه مؤخرا شبكة (سي بي إس) تحدث رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصراحة عن “ضرر بالغ” تعرضت له صورة إسرائيل أمام العالم وفي الولايات المتحدة بشكل خاص، وألقى باللوم على “تلاعب” خارجي بمواقع التواصل الاجتماعي، واصفا استهداف إسرائيل الواسع للمدنيين بأنه “أخطاء تحدث في الحروب”.

قال نتنياهو: “بينما كنا نخوض المعركة العسكرية على سبع جبهات قتالية، كنا مكشوفين تماماً على الجبهة الثامنة، وهي الحرب الإعلامية، وبالتحديد حرب وسائل التواصل الاجتماعي.. لقد كنا مشغولين للغاية، انهم يهاجموننا بما يعادل طائرات إف-35، بينما نحن نحاول محاربتهم بسلاح فرسان بولندي”.

جاء هذا الحديث بعد تخصيص الحكومة الإسرائيلية 730 مليون دولار لأنشطة العلاقات العامة والدعاية المعروفة بـ”الهاسبارا”، والمسؤولة عن تحسين صورة إسرائيل أمام العالم، وهو مبلغ يزيد بنحو أربعة أضعاف عن ميزانية العام السابق، الأمر الذي يعكس بوضوح حجم “الضرر” الذي يتحدث عنه نتنياهو.

هذا الضرر برز بشكل واضح منذ السابع من أكتوبر 2023، لكنه تفاقم مؤخرا بشكل كبير داخل الولايات المتحدة، الداعم التاريخي والأكبر لإسرائيل رسميا وشعبيا، وهو ما يجعل القفزة الهائلة في ميزانية “الهاسبارا” تبدو جزءا من “خطة طوارئ” ملحة جدا لمقاومة تحول كبير يهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

ماذا تقول الأرقام؟

قبل عام كامل من الحرب الأخيرة على إيران، نشرت مؤسسة (غالوب) الشهيرة استطلاعا أظهر انخفاض نسبة تأييد إسرائيل في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى منذ عام 2000، حيث أعرب 60% من الديمقراطيين و44% من المستقلين عن “رأي سلبي” تجاه إسرائيل، مقابل 80% من الجمهوريين الداعمين لها، وأشارت المؤسسة إلى أن الفجوة بين الطرفين غير مسبوقة، وأن هذه هي المرة الأولى التي تسجل فيها تقييمات سلبية لإسرائيل من قبل “الأغلبية” داخل مجموعة حزبية.

قال معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي وقتها إن من أسباب هذا الانخفاض، تراجع الانتماء الديني الداعم لإسرائيل، أي المسيحية الإنجيلية، وهو أمر مثير للاهتمام يوضح أن المسألة أعمق بكثير من أن تُعزى إلى “التلاعب بمواقع التواصل” كما زعم نتنياهو، حيث يبدو أن “العقيدة” الداعمة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة قد تعرضت لضربة.

من الواضح أن ذلك يرتبط إلى حد ما بفجوة ثقافية (وأخلاقية كما يبدو) بين الأجيال، حيث كشف استطلاع لمركز (بيو) للأبحاث في العام نفسه، أن ثلث الشباب الأمريكيين دون سن الثلاثين يميلون للتعاطف مع الفلسطينيين، مقابل 9% فقط من الكبار الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة.

ولكن بينما تتداخل هذه الفجوة مع الاستقطاب السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة، حيث يظهر تراجع الدعم لإسرائيل بشكل أكبر وأكثر تكرارا في بيئة الحزب الديمقراطي، فإن الأمر يتجاوز المكايدة السياسية العابرة، حيث يشير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن “دعم إسرائيل لطالما كان استثناءً في ديناميكية الاستقطاب الحزبية، وإحدى القضايا القليلة المتبقية التي تحظى بتوافق الحزبين، لا سيما بين النخب في كل حزب، وذلك يعود في جزء منه إلى أن اليهود الأمريكيين، الذين يمثلون الشريحة الأكثر تأييدًا لإسرائيل في المجتمع الأمريكي يشكلون أيضًا قاعدة انتخابية مهمة ومصدرًا رئيسيًا للتبرعات للحزب الديمقراطي، ولكن يبدو أن حصانة إسرائيل من المنافسة قد انتهت”.

وهنا يبرز السلوك الإسرائيلي نفسه كسبب رئيسي في تغيير النظرة تجاه إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وتجاوز “الاستثناءات” التي ظلت قائمة لفترة طويلة، حيث يشير المعهد الإسرائيلي إلى أن “مساهمة الحرب في تراجع مكانة إسرائيل بين الديمقراطيين لها سوابق تاريخية، فبعد حملة إسرائيل ضد حماس عام 2014، انخفضت نسبة تأييد الديمقراطيين لإسرائيل من 74% قبل الحرب إلى 60% بعد بضعة أشهر، وفي السنوات اللاحقة، لم تتعافَ مكانة إسرائيل بين الديمقراطيين إلا جزئياً، حيث بدأ التراجع الحاد الحالي في أعقاب حرب غزة عام 2021″.

وبالتالي فإنه ما يصفه نتنياهو بـ”تلاعب في مواقع التواصل الاجتماعي” ليس في حقيقة الأمر سوى زيادة نسبة اطلاع الجمهور على الأحداث، بدءا بالجرائم والانتهاكات التي يرتكبها العدو الإسرائيلي، وصولا التأثير السلبي الهائل لإسرائيل على القرار الأمريكي، ورغبة الجمهور في اتخاذ موقف إزاء ذلك، وهو ما يفسر زيادة تراجع نسب التأييد لإسرائيل حتى في أوساط الجمهوريين، بعد الحرب الأخيرة على إيران.

يظهر استطلاع لمركز (بيو) للأبحاث نُشر في أبريل الماضي، أن نسبة الجمهوريين ذوي النظرة السلبية لإسرائيل، والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاما، ارتفعت من 50% في العام السابق، إلى 57% هذا العام، وذلك طبعا في إطار تزايد للنظرة السلبية تجاه إسرائيل لدى الأمريكيين بشكل عام من 53% خلال العام الماضي إلى 60% هذا العام، بما في ذلك 80% من الديمقراطيين.

تقول مجلة (جيروزاليم استراتيجيك تريبيون) إن “هناك فئة من الجمهوريين تزداد انتقاداً لإسرائيل، إن لم تكن معادية لها، مثل جو كينت، الذي استقال مؤخراً من منصبه كمدير للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب [بسبب الحرب على إيران طبعا]، ونشر نظريات مؤامرة معادية لإسرائيل، وهو ليس الوحيد، فشخصيات مؤثرة محافظة مثل كانديس أوينز لديها جماهير غفيرة تُشيد بمحتواها المعادي لإسرائيل، وتكتسب معاداة الصهيونية نفوذاً متزايداً في السياسة الجمهورية”.

وتضيف المجلة ان “الأمريكيين لم يعودوا متقبلين للحجج المؤيدة لإسرائيل كما كانوا في السابق، فقد أدى تراجع المسيحية، وخاصة المسيحية الإنجيلية، إلى إضعاف الصهيونية المسيحية. كما أن مرور 81 عامًا على انتهاء المحرقة، التي لا يتذكرها إلا قلة من الأمريكيين، قد أضعف الحجة المؤيدة للسيادة اليهودية، ومجرد كون الولايات المتحدة دولة مؤيدة لإسرائيل في الماضي لا يعني أنها ستظل كذلك في المستقبل”.

ووفقا لمعهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب فإن “أحد أسس العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة على مدى العقود القليلة الماضية، كان يتمثل في التعاطف الذي شعر به الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، والذي تُرجم إلى دعم شبه مطلق للنظام السياسي الأمريكي، ولزمن طويل، كان هذا الدعم مستقرًا، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى ازدياد الدعم الجمهوري الذي عوّض التراجع بين الديمقراطيين، ولكن منذ بداية الحرب في قطاع غزة، شهدت مؤشرات الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل اتجاهًا تنازليًا، وقد تسارع هذا التراجع خلال الحملة ضد إيران، وإلى جانب التعاون العملياتي غير المسبوق بين الجيشين الإسرائيلي والأمريكي، يبدو أن الضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل قد تفاقم، مما أعطى انطباعًا بأنها جرّت الولايات المتحدة إلى حملة لا تخدم المصالح الأمريكية في نظر الكثيرين، وتُسبب استياءً لدى الرأي العام الأمريكي”.

وفي ضوء نتائج الاستطلاع الأخير، والتي أظهرت أن 50% من الإنجيليين البيض دون سن الخمسين داخل الولايات المتحدة ينظرون إلى إسرائيل نظرةً سلبية، يقر المعهد الإسرائيلي بأن تراجع الدعم “يستمد قوته من أفعال إسرائيل وسياساتها” مشيرا إلى أنه “صناع القرار الأمريكي بشأن إسرائيل، ظلوا يركزون جهودهم الدبلوماسية العامة على أنصار الحزب الجمهوري، ولا سيما الإنجيليين، باعتبار أن العدد الكبير للإنجيليين، ودعمهم الديني لإسرائيل، وارتباطهم بالحزب الجمهوري – الذي كان يُنظر إليه كركيزة أكثر استقرارًا للعلاقة مع الحكومة الإسرائيلية – يجعلهم الجمهور المستهدف الرئيسي للاستثمار فيه، إلا أن بيانات الرأي العام تشير إلى أن هذه الاستراتيجية، قد بلغت حدودها القصوى”.

ويضيف أن “المجتمع اليهودي المنظم داخل الولايات المتحدة، والذي كان يُمثّل ركيزة أساسية لدعم إسرائيل، يفقد نفوذه السياسي تدريجياً، حتى أنه هناك استياء عميق بين اليهود، ولا سيما بين الشباب، تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية، مما يُؤدي إلى تبني مواقف أكثر سلبية تجاه إسرائيل وسياساتها”.
هذا يؤكد أن ما يحدث هو تحول عميق لم يعد بالإمكان تجاوزه في نظرة الجماهير الأمريكية تجاه إسرائيل، وهو تحول من الطبيعي أن يفرض نفسه على منصات التواصل ويستفيد منها، لكنه ليس من صنعها.

تقول “يديعوت أحرنوت” إنه “منذ 7 أكتوبر، فضّلت إسرائيل الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في الدعاية أو الدبلوماسية العامة، لكن هذا وهم وإنكار؛ فالمشكلة الحقيقية هي الصور القادمة من غزة ولبنان والضفة الغربية وحتى إيران، والتي تُشاهد في جميع أنحاء العالم” مشيرة إلى أن “ردة الفعل المتنامية هذه موجودة الآن في كل مكان تقريبًا خارج واشنطن، لكن تاريخ السياسة الأمريكية يُظهر أن ما يحدث في الشوارع يصل في النهاية إلى أروقة (الكابيتول هيل)، خاصة مع اقتراب الجيل الذي لا يزال يعتقد أن إسرائيل تستحق الدعم الأمريكي غير المشروط من نهاية نفوذه”.

لقد وصل التأثير بالفعل إلى داخل الكونغرس، وإلى أجواء الحملات الانتخابية، حيث ذكر موقع “أكسيوس” الأمريكي في منتصف أبريل الماضي، أن “علاقة إسرائيل مع الديمقراطيين في (الكابيتول هيل) تتدهور بسرعة، حيث يقول عدد متزايد من المشرعين إنهم لم يعودوا قادرين على دعم تمويل الولايات المتحدة حتى لأسلحة الدفاع الخاصة بالبلاد” مشيرا إلى أن “المعتدلين والديمقراطيين في المناطق المتنازع عليها يشعرون بضغط من الناخبين والناشطين لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد إسرائيل”.

ويشير الموقع إلى أن الحرب على إيران جعلت مسألة دعم إسرائيل أكثر حساسية، لأن الأمر أصبح يمس الأمريكيين مباشرة، وعندما يتساءلون: “لماذا نحن في هذه الحرب اللعينة؟” يجدوا أن “كل الخيوط تؤدي إلى نتنياهو”.

ويؤكد تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” هذا الشهر “انهيار الإجماع السياسي المؤيد لإسرائيل” في الولايات المتحدة، وتحول مسألة دعم إسرائيل تحولت إلى “قضية خلافية حادة” مشيرا إلى أن “بعض المرشحين الجمهوريين ذوي الحظوظ الضئيلة في الانتخابات التمهيدية يعتمدون في حملاتهم على العداء الصريح لإسرائيل” لكسب تأييد الجمهور.

ووفقا لاستطلاع أجرته شبكة (سي إن إن) في مارس الماضي، أفاد 72% من الديمقراطيين و47% من الجمهوريين، بأن الانقسام حول الموقف من إسرائيل يسبب مشاكل داخل الحزبين.

أدوات التأثير الإسرائيلية تحت المجهر:

تفيد شبكة (إيه بي سي نيوز) بأن دعم منظمة (أيباك) المؤيدة لإسرائيل للمرشحين الأمريكيين، أصبح يخضع لتدقيق مكثف من قبل الجمهور، وصار يشكل “خطا فاصلا في الانتخابات” وهو ما تعززه البيانات التي تنشرها منصة (تراك أيباك) المناهضة لإسرائيل، بشأن الدعم المالي الذي تقدمه المنظمة للمرشحين والمسؤولين الأمريكيين.

المؤسسات البحثية الداعمة لإسرائيل أصبحت أيضا في دائرة الضوء المسلط على النفوذ الإسرائيلي السلبي في الولايات المتحدة، حيث اعتبر تقرير لموقع (ريسبونسبول ستيتكرافت) التابع لمعهد (كوينسي) الأمريكي، أن جزءا من الهزيمة الأمريكية أمام إيران، يقع على عاتق عدة مراكز أبحاث مؤيدة لإسرائيل قامت بالترويج باستمرار للعمل العسكري ضد الجمهورية الإسلامية خلال الأشهر الثمانية التي سبقت بدء الحرب، وذلك وفقا لتحليلات أربعة من نماذج الذكاء الاصطناعي الأشهر في العالم، مشيرا إلى أن التحليلات أجمعت على أن هذه المؤسسات الخمس نفسها والتي تتخذ من واشنطن مقرا لها “لعبت أدواراً رائدة في الترويج للغزو الأمريكي للعراق قبل 23 عاماً”.

تشمل هذه المراكز كلا من (مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات) و(معهد أميركان إنتربرايز) و(معهد هدسون) و(معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) و(مؤسسة هيريتيج)، و(معهد دراسات الحرب) و(مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) وأشار التقرير إلى خبراء هذه المراكز روجوا مرارا وتكرارا لمواضيع متطابقة تفيد بأن القدرات النووية والصاروخية لإيران تشكل تهديداً غير مقبول لإسرائيل وفي نهاية المطاف للولايات المتحدة، وأن النظام الإيراني “في أضعف حالاته منذ ثورة 1979″، وقد “شددوا على هذه النقاط في شهاداتهم أمام الكونغرس، وفي مقالات الرأي والصفحات الإخبارية في كبرى الصحف والمواقع الإلكترونية، وفي مقابلات تلفزيونية وإذاعية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ، ولا سيما على منصة (إكس)، في جهود واضحة لإقناع النخب والجمهور بضرورة العمل العسكري ضد الجمهورية الإسلامية”.

 

محاولة إلغاء الواقع:

أحد المراكز البحثية الداعمة لإسرائيل، وهو (مركز السياسيات الدولية والاستراتيجية) نشر مطلع هذا الشهر تقريرا يتطابق تماما مع تصريحات نتنياهو الأخيرة بشأن معركة التواصل الاجتماعي، زاعما أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا “نجاحا غير مسبوق” في الحرب وأن “الحجج المقنعة التي قدمها القادة الأمريكيون” اصطدمت بحملة إعلامية إيرانية على مواقع التواصل “تصوّر الصراع كحرب مكلفة تحركها مصالح النخب الفاسدة على حساب المواطنين الأمريكيين العاديين”.

يقترح المركز تخصيص موارد هائلة للحرب الإعلامية، وكأن مجرد نشر الرواية الأمريكية على نطاق واسع (وهذا ما يحدث أصلا) سيغير حقائق الواقع، مثل حقيقة أن هدف تغيير النظام الإيراني لم يتحقق، أو أن الولايات المتحدة عجزت عن حماية قواعدها العسكرية أو فتح مضيق هرمز، وأنه لا مصلحة حقيقية للأمريكيين في الحرب على إيران، بل أن نتائجها كارثية عليهم عسكريا واقتصاديا.

من الواضح الآن أن محاولة تقزيم أسباب تراجع التأييد لإسرائيل من خلال فكرة “التلاعب بمواقع التواصل” لا تختلف عن فكرة “ضعف إيران” التي سوقتها هذه المراكز لدفع الولايات المتحدة نحو الحرب، بل يمكن القول إنها محاولة للتغطية على فشل هذه المراكز نفسها في السيطرة على الرأي العام الأمريكي وتحديد اتجاهاته بناء على المصالح الإسرائيلية.

والحقيقة أن كل “مقترحات” تطوير الأداء الأمريكي والإسرائيلي في الجبهة الإعلامية، ستصطدم دائما بحقيقة أن ما يجري على الأرض (جرائم إبادة، فشل استراتيجي، نتائج عكسية) ليس مجرد “وجهة نظر” بل واقع لا يمكن التغطية عليه، وتكفي صورة واحده، أو نظرة على أسعار الوقود لتأكيده، ولذلك ستظل الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها الأمريكيون والإسرائيليون دائما هي محاولة “قمع” الحقيقة وفرض “رقابة” عليها، وهو -للمفارقة- ما يدعي نتنياهو ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنه غير وارد وغير مجدي لأنه “تقليد للأنظمة الاستبدادية”!

لقد فرضت الولايات المتحدة حظرا على نشر صور الأقمار الصناعية لمنطقة الشرق الأوسط، وفرضت إسرائيل حظرا على توثيق الهجمات الإيرانية، ومعظم مواقع التواصل التي يشتكي يزعم نتنياهو أنها السبب تفرض قيودا هائلة على المحتوى المعارض لإسرائيل، وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بأن الولايات والمتحدة وإسرائيل “غائبتين” عن معركة الإعلام ومواقع التواصل أو متأخرتين فيها، بل بأنه لم يعد هناك إمكانية للتغطية على الواقع.. لقد خرج الأمر عن السيطرة تماما.

تأثير التراكم:

برغم أن التأثير على معدلات تأييد إسرائيل في الولايات المتحدة قد لا يصل الآن إلى تغييرات كبيرة بشأن الموقف الرسمي للنظام الأمريكي، فإن تصاعد وتراكم السخط يمثل مشكلة كبيرة، لأنه ينذر بكسر المزيد من القيود مع مرور الوقت، خصوصا في ظل النتائج العكسية الملموسة لخيار “دعم إسرائيل”.

يقول النائب الديمقراطي الأمريكي رو خانا: “لم أرَ قط الرأي العام يتغير بهذه السرعة في أي قضية، بما في ذلك زواج المثليين … كما حدث في قضية العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”.

لقد كشفت التظاهرات الطلابية الداعمة لغزة في الولايات المتحدة، وانتشار حركة المقاطعة المباشرة وغير المباشرة لإسرائيل، أن تراجع التأييد الشعبي يمكن أن تتخذ أشكالا “صدامية” مؤثرة، وكشفت بعض القرارات الأوروبية “العقابية” ضد إسرائيل خلال العامين الماضيين أن تراكم السخط الجماهيري يمكن أن يشكل ضغطا كبيرا على الأنظمة الرسمية، وهذا بالضبط ما يدفع إسرائيل اليوم إلى مضاعفة ميزانية “الدعاية” أربع مرات، والتركيز بشكل صريح على ضرورة مواجهة خطر تضرر “صورتها”.

يقول معهد أبحاث الأمن القومي بتل أبيب إنه “ما لم يطرأ تغيير جذري على التوجهات الحالية، ستجد إسرائيل نفسها قريباً بلا سندٍ من أي حزب”.

وتشير مذكرة حديثة صادرة عن المعهد إلى أن حدة الاستقطاب بشأن دعم إسرائيل ومعارضتها داخل الولايات المتحدة “تضعف نفوذ شبكة الضغط المؤيدة لإسرائيل” وأن “البيئة المعادية بشكل متزايد” تفرض “تحديات جسيمة” على المجتمع اليهودي في أمريكا، الذي تتزايد بنيته التنظيمية الداخلية ضعفا.

وترى المذكرة أن “تصاعد المشاعر السلبية تجاه إسرائيل، والذي نما بسرعة كبيرة في السياسة والمجتمع الأمريكيين، يُشكل تهديدًا خطيرًا للتحالف الإسرائيلي الأمريكي، وبرغم أن اليهود الأمريكيون يمثلون ركيزة أساسية في الدفاع عن هذا التحالف على المدى القريب، إلا أن استمرار تراجع الدعم الشعبي اليهودي لإسرائيل قد يمهد الطريق أمام التخلي عن هذا التحالف بشكل كامل”.

وتضيف: “على المدى المتوسط ​​والطويل، سيكون لضعف الجالية اليهودية الأمريكية ثمن اقتصادي أيضاً، حيث ستضعف الشبكات غير الرسمية التي تدعم بشكل كبير التطور العلمي والصناعي في إسرائيل، وسيقل تدفق التبرعات، لكن الضرر الأكبر سيكون من الصعب تحديده كمياً: فوجود جالية أضعف، يقل دعمها لإسرائيل، سيجعل إسرائيل أكثر عزلة على المستوى العالمي، وأقل قدرة على ممارسة قوتها الناعمة، وأقل أماناً في دورها كدولة قومية للشعب اليهودي”.

أحدث العناوين

وحدة صنعاء يلحق بالعروبة الخسارة الأولى ويزاحمه على الصدارة

حُسم ديربي العاصمة بين وحدة صنعاء والعروبة لصالح الوحدة بفوزه بنتيجة 2 - 1 في الجولة الرابعة من الدوري...

مقالات ذات صلة