من صفقات التطبيع إلى “التحالف السداسي”.. كيف تعمل رؤية “تغيير الشرق الأوسط” الإسرائيلية؟

اخترنا لك

في فبراير الماضي تحدث رئيس وزراء العدو الصهيوني، بنيامين نتنياهو، عن رؤية إسرائيلية لتشكيل تحالف “سداسي” لم يسم أطرافه كلها، لكنه يمتد من الهند إلى اليونان وقبرص ويشمل دولا عربية وأفريقية، وهو ما نُظر إليه كإشارة تفصيلية لفكرة “تغيير الشرق الأوسط” التي روج لها نتنياهو بكثرة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي تأتي في سياق محاولة تحديث العقيدة الأمنية لإسرائيل للتعامل مع التهديدات المتطورة المحيطة بكيان الاحتلال وتلافي الفشل الذريع الذي أظهرته الاستراتيجيات التقليدية.

ضرار الطيب- الخبر اليمني:

يسلط هذا التحليل الضوء بإيجاز على تطور رؤية “تغيير الشرق الأوسط” الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، من خلال أبرز إطاراتها العملية التي أصبحت أكثر شمولا و”صراحة” في خطة “التحالف السداسي” القائمة على مبدأ ربط المنطقة بإسرائيل في كافة المجالات، والدور الذي تلعبه الحرب في هذه الخطة سلبا وإيجابا.

من التطبيع إلى “التحالف السداسي”:

إن مساعي إسرائيل لإقامة علاقات مع دول المنطقة ليست جديدة، كما أن النوايا لاستغلال تلك العلاقات من أجل فرض السيطرة والنفوذ، كانت دائما ظاهرة بشكل أو بآخر، وحتى تعبير “تغيير الشرق الأوسط” نفسه ليس جديدا، لكن الإطارات العملية والتنظيمية لهذا المسار ربما لم تكن أشمل وأوسع مما هي عليه اليوم في رؤية “التحالف السداسي”.

يمكن القول إن اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية أواخر عام 2020 كانت المدخل الأوسع لهذه الرؤية، ففي بداية العام التالي نقلت الولايات المتحدة إسرائيل من منطقة مسؤولية القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي، إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية، التي تضم بشكل أساسي الدول العربية والإسلامية، وهو ما فتح أبوابا “رسمية” غير مسبوقة أمام إسرائيل لهندسة بيئة أمن إقليمي، كان تشكيلها سيستغرق وقتا أطول.

يوضح معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أن “الانتقال إلى القيادة المركزية الأمريكية ساهم في تسريع وتيرة التعاون، كما ساهم إلى حد كبير، في كسر حدود القطاعات الأمنية والعسكرية التي كانت سائدة في الساحة الإقليمية قبل هذا الانتقال” بما في ذلك تسهيل وصول إسرائيل إلى أنظمة الإنذار المبكر للدفاع الجوي في المنطقة، ونشر ضباط في غرف العمليات المشتركة، وهو ما استفادت منه إسرائيل بشكل كبير بعد 7 أكتوبر 2023.

هذا الانتقال لم يكن يهدف طبعا إلى مجرد “دمج” إسرائيل في المنطقة، بل يخدم “تحقيق النفوذ والهيمنة الإقليميين” لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فالجبهة الأمنية الإقليمية التي تمت صناعتها بفعل هذا الانتقال، وتحت مظلة “التطبيع”، جاءت في إطار الصراع الإسلامي -الإسرائيلي، والجميع يتذكر التقارير التي تحدثت بكثرة في ذلك الوقت عن مساع لتشكيل تحالف إقليمي يضم إسرائيل والولايات المتحدة من أجل مواجهة إيران، بالتوازي مع الترويج لـ “صفقة القرن” التي تتمحور حول تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، وهو ما يعني أن الأمر كان دائما يركز على خدمة المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية المباشرة، مع تقديمها كـ “مصالح مشتركة”.

ربما أبرز تأخر السعودية في الانضمام إلى قطار التطبيع العلني فجوة بين الخطط النظرية الطموحة والواقع المعقد، ولكنه لم يمنع إسرائيل من البناء على ما قد تحقق، فبعد أشهر من نقل إسرائيل إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، تم تشكيل مجموعة (آي 2 يو 2) التي تضم الهند والإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة، التي وصفت بأنها “خطوة لزيادة نفوذ إسرائيل في العالم العربي”.

كان الهدف المعلن لهذه المجموعة هو تأسيس شراكة بين الأطراف الأربعة في مجالات “المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا” وهو ما يضيف المجال الاقتصادي إلى المجالين الأمني والسياسي في الإطار الرسمي والتنظيمي لمشروع توسيع نفوذ إسرائيل وهيمنتها على المنطقة، بحيث يصبح لهذا النفوذ مؤسسات وبنى تحتية رسمية ذات تأثيرات كبيرة.

سيتطور هذا التوجه لاحقا بشكل أكبر مع إطلاق مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والتي تتمثل في ممر يصل بين الهند ودول الخليج والأردن وإسرائيل وأوروبا، ويحقق ربطا كاملا لخطوط الشحن والاتصالات والطاقة والبنى التحتية الحساسة للتكنولوجيا والأمن، بعيدا عن البحر الأحمر وقناة السويس.

بالنسبة لإسرائيل، فإن هذا يشكل إطارا شاملا لمشروع نفوذ هو الأكثر تكاملا والأوسع نطاقا، والذي يحقق الجمع بين التنسيق الأمني والعسكري والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي، والربط المؤسسي، وهي الوصفة التي يتمحور حولها “التحالف السداسي” الذي تحدث عنه نتنياهو.

هيمنة على المنطقة وليس “اندماجا” فيها:

تقول مصادر دبلوماسية إسرائيلية إن العناصر الأولية لـ “التحالف السداسي” تشمل: إسرائيل، والهند، واليونان، وقبرص، وإثيوبيا، والإمارات، وتصف هذا التحالف بأنه “خط دفاعي ضد القوى الإسلامية المتطرفة” أي القوى المناهضة لإسرائيل كمحور المقاومة، وهو ما يوضح مجددا كيف يفرض هذا المشروع غايات إسرائيل وطموحاتها الاستراتيجية، كمصلحة مشتركة للجميع.

الحقيقة أن الإسرائيليين أنفسهم لم يعودوا يخفون ذلك، ويمكن القول إن أبرز ما يميز رؤية “التحالف السداسي” هو أنها تقدم بشكل صريح كمشروع لجعل إسرائيل مهيمنة على المنطقة، باعتبارها القوة الإقليمية الرئيسية التي تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

إن إسرائيل لا ترى نفسها مجرد “شريك” في هذا التحالف، بل محور له، ويشير مركز إسرائيل للاستراتيجية الكبرى إلى أن هذا يمثل ركنا جديدا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية يسميه بـ”الشبكة” ويتمثل في توظيف قدرات وإمكانات الآخرين، وهو ما كان معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي قد أشار إليه في مذكرة بشأن التعامل مع مشكلة الحصار البحري الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على الملاحة الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، حيث اقترحت المذكرة أن يتم إشراك المنطقة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

ويرى “مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية” الإسرائيلي أنه في ظل تنازع العديد من القوى على قيادة المنطقة، فإن على إسرائيل أن تستغل تفوقها العسكري ونفوذها الدبلوماسي لتنتزع هذه القيادة، مشيرا إلى أن مشاريع واتفاقيات التعاون ذات الطابع الاقتصادي والتكنولوجي يمكن أن تحقق ذلك، وتحول إسرائيل إلى صانعة للسياسات.

ولا يقتصر “الدور القيادي” الذي يمنحه هذا التحالف لإسرائيل على المنطقة فحسب، لأن لعب دور حلقة الوصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، يوفر تأثيرا عالميا واضحا، ويمنح إسرائيل مساحة واسعة لممارسة نفوذ غير مسبوق من خلال التحكم بسلاسل التوريد والبنى التحتية الحيوية التي لها امتدادات دولية مباشرة وغير مباشرة.

 

دور الحرب في رؤية “تغيير الشرق الأوسط”:

تجمع مراكز الأبحاث الإسرائيلية على أنه من أجل إنجاح مشروع النفوذ الأوسع هذا، فإنه إسرائيل بحاجة إلى تحقيق إنجازات “حاسمة” ضد التهديدات المحيطة بها في المنطقة والمتمثلة في محور المقاومة، لأنه بدون ذلك لن يكون بالإمكان حشد الأطراف المستهدفة بالشكل المطلوب فضلا عن إطلاق مشاريع الربط الفعلي.

يقدم هذا تفسيرا إضافيا للتحديثات التي أدخلت على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023، والتي تتمحور حول ضرورة “حسم” الصراع، والانتقال إلى استراتيجيات استباقية أكثر عدوانية، والتوقف عن “احتواء” التهديدات.

هذه التحديثات التي نقلت المواجهة “الفلسطينية- الإسرائيلية” إلى حرب إقليمية فعلية، تجمع بين طموحات مشروع النفوذ الإقليمي، وبين مأزق تفاقم التهديد “الوجودي” الذي بات يشكله محور المقاومة، ولذلك نرى العدو الإسرائيلي يحاول جاهدا أن يجعل العمل العسكري مترافقا مع خطوات توسيع النفوذ.

عندما يقول نتنياهو إن الاعتداءات على دول المنطقة تأتي في سياق “تغيير الشرق الأوسط” فهو يزيل الفارق بين العمل ضد ما يهدد أمن إسرائيل نفسها، والعمل ضد ما يهدد طموحاتها التوسعية طويلة الأمد، وهو يحاول فعلا أن يوظف معطيات الحرب في إطار مشروع السيطرة الإقليمية من خلال جر دول المنطقة إلى تعميق ارتباطاتها بالعدو الإسرائيلي وتبعيتها له تحت عنوان “مواجهة التهديدات المشتركة” وجعلها ترى أن “الشبكة” التي توفرها سيطرته الإقليمية هي الحل الأمثل.

على سبيل المثال، بعد أن تسبب العدوان الأخير على إيران في إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات الطاقة الخليجية، ظهر نتنياهو ليقترح إنشاء ممرات بديلة للطاقة لا تتجاوز مضيق هرمز فقط، بل حتى باب المندب الذي لم يغلق أصلا، بل مثل شريان حياة للصادرات السعودية، في محاولة للدفع بمشروع ربط خطوط الطاقة بإسرائيل إلى الواجهة كحل وحيد.

وقد مثل الجسر البري الذي تم إنشاءه لنقل البضائع من الإمارات إلى إسرائيل عبر السعودية والأردن أثناء الحصار البحري اليمني على الملاحة الإسرائيلية، تجسيدا آخر لهذه الاستراتيجية الإسرائيلية، فهذا الجسر تم تسويقه كحل لمشكلة جيوسياسية “مشتركة” تتمثل في سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، رغم أنها لم تكن مشكلة سوى للعدو الإسرائيلي فقط، بل إن إسرائيل والولايات المتحدة هما من حرصتا بشدة على ترهيب قطاع الشحن العالمي وتصوير العمليات البحرية اليمنية على أنها عشوائية، لتدويل الأزمة والإضرار بقناة السويس، من أجل ترسيخ فكرة “التهديد المشترك”.

الخدعة واضحة: فبينما يفترض أن يتحمل العدو الإسرائيلي وحده عبء تحقيق نتائج حاسمة في الصراع مع قوى المقاومة، من أجل تشجيع أو حتى إجبار المنطقة على الخضوع له، يقوم بجر المنطقة إلى الصراع وإخضاعها له مسبقا وبشكل تدريجي، باعتبار أن مسألة حسم الصراع “مصلحة مشتركة” لا سبيل لتحقيقها إلا بهذه الطريقة.. إنه يحول الفشل في تحقيق نتائج حاسمة إلى “دافع” لدول المنطقة لتعميق علاقتها به بشكل أكبر.

لقد انطبق ذلك على الإمارات بشكل واضح في الحرب الأخيرة على إيران، وربما نشهد في الفترة المقبلة دلائل على تزايد التنسيق السعودي الإسرائيلي، حيث توجد مؤشرات عديدة على أن الرياض ربما ترى أن سيناريو التعايش مع واقع انتصار إيران أسوأ من سيناريو تجدد الصراع.

 

فجوة “الاستقرار”:

برغم ما سبق، فإن نجاح العدو الإسرائيلي في دفع دول المنطقة نحو تعميق التعاون معه وتمكينه من بسط نفوذه الإقليمي، لا يعني أن مشروع الهيمنة الأوسع، بما في ذلك خطة (التحالف السداسي)، قابل للنجاح، حتى على المدى الطويل، لأنه في ظل صمود جبهة المقاومة، فإن سقف أي إطارات تعاونية بين دول المنطقة وإسرائيل يقتصر على إشعال المنطقة بشكل أكبر، ولا يصل إلى تحقيق أي هيمنة حقيقية، أو تقريب الحسم الذي يفترض أن تبنى عليه هذه الهيمنة لاحقا.

لقد تحدث الإسرائيليون- ولا زالوا- كثيرا عن الضربة التي وجهتها عملية “طوفان الأقصى” لمشروع التطبيع مع الدول العربية، ومع انخراط جبهات المقاومة الإقليمية في المواجهة بقوة وبشكل مؤثر، أصبحت مسألة تأسيس بنى تحتية مرتبطة بإسرائيل غير مجدية، وقد أظهرت المواجهة الأخيرة مع إيران، أنه حتى القواعد العسكرية التي يفترض بها أن توفر الأمن لشركاء إسرائيل والولايات المتحدة أصبحت عبئا ومصدر خطر على الدول التي تحتضنها.

إن اعتماد مشروع الهيمنة الإسرائيلي على التخلص من قوى المقاومة سيظل معضلة لا يمكن تجاوزها، وحتى “رغبة” الأطراف الإقليمية في تعميق التعاون مع العدو، ستصطدم دائما بالمخاطر العالية لمستويات الارتباط الكامل الذي يتطلبها هذا المشروع في ظل العجز عن تحقيق أي “حسم” في الصراع.

بعبارة أخرى: هناك فجوة جوهرية في هذا المشروع، وهو أنه يحتاج إلى “استقرار” إقليمي يتطلب حسما للصراع، ومحاولة الالتفاف على هذه الحاجة من خلال استخدام عنوان “مواجهة التهديدات المشتركة” كمحرك لتشكيل تحالفات وشراكات، لن ينتج سوى أطر تعاونية محدودة لا تصل إلى مستوى الربط الشامل.

ورغم أن المستويات الأدنى من الارتباط الشامل تمنح العدو “مكاسب” لا يمكن إنكارها، وتفتح له أبواب نفوذ جديدة، فإن هذا يظل توسعا ظرفيا مؤقتا وخاضعا لمتغيرات لا يملك العدو سيطرة كاملة عليها، وتشمل هذه المتغيرات حتى قبضة أمريكا على المنطقة، والتي أصبحت تضعف بشكل ملموس.

ويمكن القول إن غياب الحسم والاستقرار يهدد بانهيار حتى هذه المكاسب بصورة لا يستطيع العدو تجنب تداعياتها عليه، فعندما يكون عنوان المعركة الوجودية التي تخوضها إسرائيل هو تغيير الشرق الأوسط، فإن أي انتكاسة لا تعني فقط تعثر عملية “التغيير” بل فشل استراتيجية البقاء.

يوضح “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” الإسرائيلي أن “تصميم استراتيجية كبرى لإسرائيل يجب ان يراعي توافق الأهداف السياسية لمفهوم (الدولة الصغيرة) مع مواردها المتاحة، فهي، على عكس القوى العظمى، لا تملك القدرة على وضع قواعد اللعبة في الساحة الدولية أو التأثير بشكل كبير على بيئتها الاستراتيجية، ولذلك، تتأثر الدولة الصغيرة بما يحدث في البيئة الدولية وبخصائص المنطقة التي تعمل فيها” مشيرا إلى أنه “يجب الحذر من التصريحات الإسرائيلية التي تزعم أن الحرب، التي لم تنتهِ بعد، قد غيّرت الشرق الأوسط”.

أحدث العناوين

بتفاؤل حذر.. سفير إيران في إسلام أباد يكشف عن تقدم إيجابي بالمفاوضات

كشف السفير الإيراني في باكستان، قبل قليل، عن وجود تقدم إيجابي في مفاوضات وقف الحرب بين بلادهم وأمريكا بواسطة...

مقالات ذات صلة