| نجاح محمد علي*
في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها المنطقة و العالم بعد العدوان الصهيو أميركي على إيران ، تتقاطع النيران العسكرية مع الحروب النفسية والإعلامية، و تصبح إدارة المعلومة بحد ذاتها سلاحاً لا يقل أهمية عن أي منظومة صاروخية. ما يجري اليوم في الساحة الإيرانية هو نموذج واضح لهذه الحرب المركّبة، حيث تتسابق وسائل الإعلام الغربية، مدعومة بأجهزة استخبارية، لإنتاج روايات مشوّشة تستهدف بنية القرار والرمزية القيادية في البلاد.
ومن بين أبرز هذه الروايات، ما يتم تداوله حول قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله السيد مجتبى خامنئي، في محاولة مستمرة لخلق حالة من القلق والتساؤل داخل الرأي العام، ودفع الأمور نحو لحظة “إثبات” إعلامي عبر ظهوره العلني. لكن هذه المحاولة بحد ذاتها تكشف أكثر مما تخفي، وتفضح طبيعة الأدوات التي يعتمدها الخصم في هذه المرحلة.
و تؤكد المعطيات الموثوقة من داخل الأوساط القريبة من القيادة الإيرانية أن السيد مجتبى بخير وقد تعافى تمامًا بعد تعرضه لإصابة خلال العدوان الأخير. غير أن التركيز الغربي لا ينصبّ على حقيقة وضعه بقدر ما يهدف إلى استدراجه إلى الظهور. هنا تحديداً تكمن العقدة الأساسية: ليس المطلوب طمأنة الجمهور، بل كشف ما لا يجب كشفه.
في الحرب الحالية حيث ينفذ الأمريكي دورة عدوان مستمرة تتمثل في الضغط والتهديد ثم الاغتيال والحرب فمفاوضات و ضغط وتهديد اغتيال وحرب و .. ، لم يعد الظهور الإعلامي حدثاً بسيطاً. فكل صورة تُلتقط، وكل مقطع فيديو يُبث، يتحول فوراً إلى مادة تحليل متقدمة. تستخدم مراكز متخصصة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الظلال، وأنماط الإضاءة، وانعكاسات الصوت، وحتى التفاصيل الدقيقة في الخلفية. يمكن، عبر هذه الأدوات، تحديد الموقع الجغرافي بدقة عالية، أو استنتاج توقيت التسجيل، أو حتى معرفة الظروف الأمنية المحيطة بالمكان.
بمعنى آخر، فإن أي ظهور غير محسوب قد يقدّم للعدو بنك معلومات كاملاً، دون أن يضطر إلى اختراق أو تجسس مباشر. وهنا تتحول “الشفافية الإعلامية” إلى ثغرة أمنية خطيرة.
من هذا المنطلق، يصبح غياب السيد مجتبى عن الإعلام ليس علامة غموض أو ضعف، وإنما جزء من الحزب و تجسيد لما يمكن تسميته بـ”الغموض الاستراتيجي”. هذا المفهوم، المعروف في الأدبيات العسكرية والسياسية، يقوم على الامتناع المتعمّد عن تقديم معلومات حساسة، وترك مساحة من عدم اليقين لدى الخصم. هذه المساحة بحد ذاتها تخلق حالة إرباك، وتمنع الطرف الآخر من بناء تقديرات دقيقة.
الإعلام الغربي وتحديداً الأميركي ، في المقابل، يحاول كسر هذا الغموض عبر الضغط المتواصل، مستخدماً ما يبدو أنه “مصادر من الداخل”، وغالباً ما يكونون صحفيين أو محللين من أصول إيرانية يحملون جنسيات غربية (أميريكية بشكل خاص) . يتم تقديم هؤلاء على أنهم شهود موثوقون، بينما هم في الواقع جزء من منظومة إنتاج الرواية، وليس نقل الحقيقة.
الهدف واضح: خلق سردية ضاغطة تدفع القيادة إلى الرد. لكن الرد، في هذه الحالة، هو بالضبط ما يريده الخصم.
الأذكى من ذلك، هو إدارة الصمت. ليس صمتاً سلبياً، بل صمت مدروس يوازن بين طمأنة الداخل وعدم تقديم معلومات للخارج. يمكن القول إن المعادلة الدقيقة هنا هي: “قول ما يكفي لطمأنة الجمهور، وعدم قول ما يكفي لإفادة العدو”.
هذه الاستراتيجية لا تنفصل عن السياق الأوسع، حيث تنتقل الضغوط أيضاً إلى ميدان المفاوضات. فكما يسعى الخصم إلى استدراج الظهور الإعلامي، يحاول كذلك استدراج القرار السياسي إلى بيئات غير آمنة، خارج الحدود، حيث يمكن فرض ضغوط متعددة الأبعاد.
لكن التجربة أثبتت أن من يمتلك زمام المبادرة، لا يتحرك وفق إيقاع الآخرين. الإصرار على إدارة التفاوض بشروط وطنية، وفي بيئة آمنة، هو امتداد لنفس الفلسفة: حماية القرار من الاختراق، وحماية المعلومة من التسريب.
إن ما يميز هذه المرحلة هو تداخل الجبهات: الإعلام، الاستخبارات، السياسة، والتكنولوجيا. وكل جبهة منها قادرة على التأثير في الأخرى. لذلك، فإن أي قرار — حتى لو بدا بسيطاً كظهور إعلامي — يجب أن يُحسب ضمن هذه المنظومة المعقدة.
في هذا الإطار، يمكن فهم عدم ظهور السيد مجتبى خامنئي ليس كحالة استثنائية، لأن جزء من إدارة واعية لمعركة متعددة الأبعاد. إنها رسالة ضمنية تقول: “لن نتحرك وفق شروطكم، ولن نمنحكم ما تبحثون عنه”.
وفي النهاية، يبقى الثابت أن القوة لا تُقاس فقط بما يُعرض على الشاشات فهذا الجزء الظاهر من جبل الجليد ، لكن بما يُدار خلف الكواليس. وأن الغموض، حين يكون مدروساً، يتحول من نقطة ضعف إلى أداة ردع، فنحن في زمن تُستهدف فيه الصورة قبل الحقيقة، و بالتالي يصبح التحكم بالصورة… شكلاً من أشكال السيادة.
*صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية والاقليمية